لم يمر وقتٌ طويل حتى دخل دينيس إلى غرفة زينتها.
صوت خطوات رشيقة.
“سيدتي. صباح الخير.”
ظهرت هيئته التي تراءت له في المرآة، وقد تجهّز تماماً بأناقة.
أغمضت تيريز عينيها بإحكام ثم فتحتهما.
“هل جئت، سموّ الأمير؟”
“نعم.”
أخذت تيريز تختلس النظر إلى وجه دينيس.
تروّت في مزاجه، وهل نام جيداً؟
“أُعجبتِ به؟”
“ماذا؟”
استفسرت تيريز على سؤاله المفاجئ.
“وجهي أليس هذا سبب تطلعكِ إليه.”
“…نعم كثيراً إنه يعجبني.”
بدا أن دينيس كان مسروراً لأن تيريز قد أدركت دعابته، فانحلت على شفتيه ابتسامة.
لحسن الحظ، كان على حاله المعتادة.
كانت هي الأخرى تبدو من الخارج وقد تهيأت تماماً.
لكن ما قد يثير استغراب من يراها؛ أن جو ما فوق رأسها وما تحته كانا متباينين تماماً.
فالفساتين المخملية بلون الماء، الممتدة حتى العنق، كانت بسيطة وأنيقة دون أي زخرفة.
لكن ما فوق رأسها كان مبهرجاً بلا حدود.
ريش طاووس، وزهور طازجة، ومجوهرات، وكل أنواع الأشياء المتلألئة الأخرى كانت مكدسة فوق قبعتها بشكلٍ مضطرب بعض الشيء.
ومع ذلك، لم تكن هيئتها تبدو غريبة.
فوقفتها الأنيقة، وبشرتها البيضاء كالثلج، وشفتاها القانبيتان على النقيض منها، ما زالت تجعلها تبدو كسيدة عزباء.
رغم أنها امرأة مضى على زواجها خمس سنوات.
وبينما كانت تيريز تفحص زينتها في المرآة، خرجت إحدى الوصيفات حاملة صندوق المجوهرات.
“سموّ الأميرة الأقراط أخيراً.”
لأن الفستان يغطي العنق، لم تكن هناك حاجة لقلادة، لكن الأقراط بدت ضرورية.
انتقَت تيريز قطعة مجوهرات بأطراف أصابعها.
وبما أنها لم تتمكن من الاختيار بسرعة، اقترحت الوصيفة:
“ما رأيك في ارتداء الأقراط المصنوعة من الماس الأزرق التي أرسلها سموّه من قبل؟”
“لنفعل ذلك.”
دينيس، الذي كان جالساً على الأريكة محدقاً في ظهرها وحسب، غارقاً في أفكاره، رفع رأسه عند ذكر اسمه في المحادثة.
ثم نظر بتناوب إلى صندوق المجوهرات وإليها، ويبدو أنه فهم ما كانوا يتحدثون عنه.
مالت تيريز برأسها، التقطت القرط الأيمن وأدخلته في ثقب شحمة أذنها.
نهض دينيس من الأريكة واقترب منها.
“هل أساعدكِ؟”
في اللحظة التي كانت فيها تحاول وضع القرط الأيسر.
بما أن خدها الأيسر لم يكن متورماً، ربما لن يلاحظ اقترابه منها.
وضعت تيريز قرطاً في راحة يدها وسألته:
“لا شيء مستحيل … ولكن … هل سبق لك فعل ذلك؟”
“أنا جيد بشكل عام في إدخال أي شيء في ثقب.”
لقد بدا كلامه ممتلئاً بالثقة.
“…….”
يبدو أن خدم غرفة الزينة قد فهموا كلام دينيس متأخرين، فهربوا جميعاً بوجوه مذعورة.
فجأة، لم يبق في غرفة الزينة سوى تيريز ودينيس.
“ألا توافقين، سيدتي؟”
“…….”
“أليس كذلك؟ أتحدث من واقع خبرة.”
ألح دينيس على إجابة تيريز.
“… نعم. كثيراً إذاً، هل ستضع القرط بمهارتكِ الخيالية تلك؟”
“بالطبع سأفعل ذلك بكل إخلاص.”
التقط دينيس بحذر القرط الموضوع على راحة يد تيريز.
ثم أدخله بلطف في ثقب شحمة أذنها.
لمسة حنونة.
“كيف هو؟”
سألها بعد أن سحب يده.
“لقد أحسنتَ الصنع.”
“هل نذهب الآن؟”
“نعم. من فضلك، سموّ الأمير.”
أمسكت تيريز يد دينيس، الذي كان سيقف بطبيعة الحال على يمينها، وجعلته يقف على يسارها.
أملت ألا يلاحظ بسبب شعرها وقبعتها المنسدلة بقوة على الجانب الأيمن.
ولكن.
توقف فجأة، وكأنه أحس بشيء غريب، وأمسك ذقنها بيد واحدة من الأمام.
“آه.”
اضطرت تيريز لأن خدها الأيمن المنتفخ قد ضُغط عليها، فخرجت أنيناً دون أن تشعر.
“ما هذا، سيدتي؟”
كان صوت دينيس أخفض مما كان عليه من قبل.
“لا داعي للانزعاج، سموّ الأمير.”
ضحك كما لو كان الأمر لا يُصدق.
“وهذا المظهر تقولين لي إنه لا داعي للانزعاج؟”
“…….”
“ألم نقل إن عدم الإجابة عند الوقوع في موقف ضعيف ليس عادة جيدة؟ سيدتي، من فعل هذا بكِ؟”
“من الصعب عليّ قول ذلك.”
أجابت تيريز متجنبة نظراته المحرقة.
“آه. إذاً سينشر في الصفحة الأولى من الصحيفة أنني من ضربكِ؟”
قال دينيس بسخرية.
“إستراتيجية جيدة أمير عنيف يضرب زوجته قبل الفعالية الرسمية مباشرة أليس كذلك؟”
عندها فقط حركت تيريز شفتيها اللتين لا تنفصلان وأجبرت نفسها على الكلام.
“كان هناك خلاف في وجهات النظر بيني وبين ماركيز إنجيلغر … لقد تم احتواؤه الآن، فلا تقلق.”
قالت تيريز ذلك بمظهر من اللامبالاة ثم أسقطت رأسها.
كانت أطراف أصابعها ترتعش.
لقد اكتُشف آخر سر كانت ترغب في إخفائه حتى نهاية العالم.
إلى أي حد سيسخر منها دينيس؟
الابنة التي لا يحظى بها حتى والدها بتقدير.
في تلك اللحظة، عض دينيس على شفتيه ثم تفوه بكلمة نابية بصوت منخفض.
كلمة بذيئة شديدة لم يكن ليتفوه بها عادة.
في لمحة عين، احمر وجهه المتوهج وامتلأ بالغضب.
ربت بلطف على خدها المنتفخ.
لمسة رقيقة هشة كأنها على وشك التفتت، على عكس أنفاسه التي أصبحت خشنة جداً.
“بماذا ضُربتِ حتى أصبحتِ هكذا.”
على كلامه الذي يشبه الحديث الذاتي، أجابت تيريز بصوت خافت: “باليد.”
“أماكن أخرى؟ هل أنتِ بخير؟”
رفعت تيريز رأسها ونظرت إلى عيني دينيس.
عيناه الخضراوان النابضتان كالصيف كانتا مليئتين بالقلق عليها.
“لم تُضرب أماكن أخرى، فلا تقلق.”
نظرت تيريز إلى دينيس لطمأنته.
ثم أضافت:
“لم أكن بخير … لكنني أصبحت كذلك.”
“سأقف على يمينكِ، فلا تبتعدي عن جانبي مطلقاً.”
“نعم. سأفعل، سموّ الأمير.”
شبكت تيريز ذراعها بذراعه، وخرجت تمشي معه.
في نفس الوقت.
“لا أريد الذهاب.”
كان إليوت يفرك وجهه على كتف المرأة ويتكلف التودد.
“أنتِ ألن تأتي معي اليوم أيضاً؟”
على الرغم من معرفته بأنه لا يمكن ذلك، أراد إليوت أن يسألها عبثاً.
“هذا سيكون مستحيلاً.”
نظرت شهرزاد إلى وجه إليوت وابتسمت له ابتسامة عريضة، ثم ألبسته معطفه الذي خلعه.
“بالطبع أنتِ لا تقولين كلاماً غير صادق أبداً لهذا أحبكِ.”
يبدو أن إليوت نسي حقيقة رفضها، فمدح شهرزاد وداعبها.
دفعت شهرزاد يده بعيداً بشكل طبيعي، ورتبت شعره.
شعر إليوت المصفف جيداً أصبح أشعثاً دون أن يدري.
“بعد انتهاء الفعالية اليوم والعودة، سأصلي من أجل جلالتكِ.”
“أستحق ذلك، أليس كذلك؟ أنتِ.”
ابتهج إليوت بكلام شهرزاد ثم التصق بها مرة أخرى.
“بالتأكيد بالطبع سأعد النبيذ لذا عد سريعاً.”
“حسناً ما دمت أنتِ ستنتظرين.”
ربط إليوت ربطة عنقه جيداً حول عنقه، ثم قبل خد شهرزاد واختفى بسرعة.
بعد مغادرة إليوت، ظهر التعب على وجه شهرزاد الذي كان يبتسم.
ثم نظفت السرير الذي ترك فيه آثاره، واغتسلت.
كانت آثار وردية اللون تغطي عنقها وصدرها بأكملهما.
صكت شهرزاد بلسانها.
تذكرت شهرزاد اليوم الذي التقت فيه إليوت لأول مرة.
كانت مستلقية في أرض الصيد الواقعة شرق القصر الملكي.
كانت تعرف مسبقاً أن إليوت سيأتي إلى أرض الصيد اليوم.
كم من الوقت مضى؟
جاءت كلاب الصيد تنبح بالقرب منها وأخذت تدور حولها.
ارتجف جسدها وتصرفت كما لو كانت مرتاعة من الخوف.
بييب.
دوت صافرة، ورآها الخادم ورفع العلم.
تجمهر الناس.
أمالت رأسها بتواضع، وكأنها خجولة، وغطت جسدها بالكامل.
لم تكن ترتدي حتى ملابس لائقة.
“سيادة رئيس الخدم! هناك شخص هنا!”
عندما صاح الخادم، هرع رئيس الخدم.
من خلفه، اقترب إليوت منها بخطوات متمهلة.
“كيف لإنسان أن يكون في مثل هذا المكان ….”
نظر إليها رئيس الخدم بوجه ذاهل.
ورأت رجلاً وسيماً للغاية يرتدي ملابس فاخرة يقترب من خلفه.
ذلك هو الملك.
سألها الفرسان:
“من أنتِ؟ ولماذا أنتِ في أرض الصيد التي يحظر على غير أفراد العائلة المالكة الاقتراب منها؟”
“أنا لا … أتذكر أرجوكم أنقذوني.”
أزالت شهرزاد يديها اللتين كانتا تغطيان جسدها وارتمت عند أقدام الفرسان.
“من فضلكم.”
“ما الأمر؟”
اقترب الملك وسأل رئيس الخدم.
“يبدو أنها امرأة فقدت ذاكرتها سنطردها.”
“ما قصتها كما تقول؟”
ارتمت شهرزاد أمام إليوت.
“لا أتذكر. لا تطردوني.”
حنى إليوت ظهره وتفحص ملامحها.
كان لباسها غير مألوف، لا يُرى غالباً في فالوا.
علاوة على ذلك، كان جسد المرأة لا بأس به.
“يبدو أنكِ لستِ من رعايا فالوا؟ هذا لباس لم أره من قبل.”
خاطبها إليوت.
“لا أعرف حقاً عندما فتحت عيني، كنت هنا.”
حدق إليوت في ساقيها المكشوفتين بوضوح.
كانتا ساقين بلون الزيتون دون أي جرح، لكن كاحلها كان متورماً، كأنه التوى.
التقط إليوت شفتيه ثم قال لرئيس الخدم:
“خذها إلى القصر وعالج جراحها.”
“ماذا؟”
استفسر رئيس الخدم.
أيقصد أن يأخذ امرأة لا يعرفون هويتها إلى القصر الملكي؟
“قد تكون قاتلة.”
“امرأة رقيقة كهذه؟ هذا سخيف إلى أي حد تستخف بي؟”
استدار إليوت وكأنه يقول إنه لا يقبل الاستفسار.
عندها، أشار رئيس الخدم للفرسان وأمرهم بوضع المرأة على نقالة.
لم يلفظ رئيس الخدم كلماته الداخلية، لكن تعبيره لم يكن جيداً.
وهكذا دخلت شهرزاد القصر الملكي.
يمكن القول إنها كانت محظوظة جداً.
كانت خطة بسيطة تتظاهر فيها بالسقوط في أرض صيد ملكية بعد فقدان الذاكرة، لكنها اعتقدت أن النجاح لن يكون سهلاً.
لأنها سمعت أن الملك كثير الشكوك.
ولكن لحسن الحظ، أخذها الملك إلى القصر.
لو فشلت لاستخدمت طريقة أخرى، لكنها تمكنت من الدخول إلى القصر بسهولة بخطة متواضعة.
بعد أن انتهت شهرزاد من الاستحمام، غيرت ملابسها إلى ثوب من قطعتين من القماش الأبيض، وهو زي غير موجود في فالوا.
ثم وقفت أمام تمثال خشبي وتكهنت
‘يا حاكمة الأرض، يا أمي تصلي لكِ ابنتكِ من أرض بعيدة ارحمي الجاهلين في هذه الأرض. تحاول ابنتكِ الناقصة رفع اسمكِ. أعطيني القوة والحكمة.’
كان التمثال الخشبي ينظر إلى شهرزاد بعطف.
جمعت يديها بتقوى أكبر، أنهت تكهناتها، ثم ركعت!
•|اللهم إني اعوذ بك أن أشركَ وأنا أعلم وأستغفركَ لما لا أعلم!
(يتبع في الفصل القادم)
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 34"