كان من الحقائق الجَليَّة التي لا تُخفَى على أحدٍ أنَّ الملك يُؤثِرُ الأميرَ الثاني ويُؤخِّرُ تنصيبه وليًّا للعهد، ممَّا أدَّى إلى اندلاع صراعٍ خفيٍّ على العرش بين دينيس وفابريس.
وبدأ المواطنون يتظاهرون في الشوارع مُندِّدينَ بانحلالِ أخلاق الأمير الثاني ومطالبينَ بتوقيعِ أقصى العقوبات عليه.
ومع أنَّ أعدادهم لم تكن كبيرةً، فإنَّ مجرد ظهور آراء سلبيَّة تجاه العائلة المالكة كان بحدِّ ذاته مُشكلةً خطيرة.
هل ينبغي إنهاء هذه الأزمة بسرعةٍ ليَقتصرَ الضررُ على فابريس فقط، أم تتركها لتُلحِقَ ضررًا بسمعة العائلة المالكة بأكملها؟
ففي الحالة الثانية، لن ينجوَ حتى دينيس من تبعاتِ العاصفة.
وبينما كان يُدخِّنُ بلا توقُّفٍ في غرفته، دقَّ أحدٌ البابَ.
عندما أغلقت البابَ وخرجت، رأت أخاها ينتظرُها بقلقٍ أمامه.
“تيريز! هل أنتِ بخير؟ يا إلهي.”
رأى ريتشارد وجهَ تيريز المُدمَّم، فغمرتهُ الدموع.
أمر ريتشارد الخادماتِ في غرفته بإحضارِ ثلجٍ وأدواتِ كمَّادات.
“يا إلهي وجهُكِ…”
تألَّمَ ريتشارد وهو يرى خدَّ تيريز الذي يزدادُ انتفاخًا.
“أنا… بخير… هِيه…”
لم تستطع تيريز منع نفسها من ذرف الدموع عندما رأت ريتشارد يبكي.
“لا تبكي.”
احتضنها ريتشارد.
شعرَ كأنَّ شيئًا ما يَثورُ في صدره.
وكأنَّ عبارة “لا تبكي” كانت إشارةً للانطلاق.
إشارةً بأنَّ البكاءَ مسموحٌ من الآن فصاعدًا.
اختفت المرأةُ التي كانت تقفُ بثباتٍ أمام ماركيز إنجيلغر، وبدت تيريز في تلك اللحظة فتاةً رقيقةً وحزينةً تناسبُ عمرها.
“أخي… أنقذني… أرجوك.”
“حسنًا… يا تيريز.”
“أرجوك أرجوك أنقذني.”
دفنت تيريز وجهَها في حضن ريتشارد كأنها تَتلمَّسُ الدلال، بينما كان هو يمسحُ دموعها ويذرفُ دموعَه هو الآخر.
“لا تبكي يا تيريز”
مسح ريتشارد دموعَها التي كانت تنهمرُ بلا توقُّفٍ على خدَّيها بحذر.
“لا أستطيع فعلَ شيءٍ عندما تبكين.”
عندما أحضرت الخادماتُ الثلجَ وأدواتِ الكمَّادات وتركنها، مسح ريتشارد وجهَه المُغَطَّى بالدموع بعجلةٍ ثمَّ قال لتيريز:
“لنضعْ كمَّاداتٍ أولًا.”
وضع ريتشارد كيسَ الثلجِ الذي أحضرته الخادمات على وجهها.
“أخي… حتى متى… حتى متى يجب أن أعيشَ هكذا؟”
“تيريز…”
تَرَنَّحَ ريتشارد بوجهٍ حزينٍ، ولم يستطع إكمالَ كلامه.
لأنه يعلم هو الآخر.
أنها قيودٌ لا يمكنها الفكاكَ منها إلا بموت الماركيز.
قالت له تيريز، بينما كانت تضعُ منشفةً مبتلَّةً من ذوبان الثلج على خدِّها، ووجهُها المنتفخُ من الدموع والعنف:
“شكرًا لك، أخي.”
نظر ريتشارد إليها دون أن ينطقَ بكلمة.
كان ذلك قبل أربعة أيامٍ فقط من حفل افتتاح المعرض الدوليّ، وقبل أسبوعٍ من حفل خطوبة فابريس.
***
“يا لوجهكِ الجميل… ما هذا الذي حدث؟”
لم تستطع دانييل إكمالَ كلامها، ونظرت إلى تيريز بنظرةٍ قلقة.
فقد بقيت تيريز على هذه الحال منذ عودتها من قصر ماركيز إنجيلغر.
يوم افتتاح المعرض الدوليّ.
نظرًا لأنَّ الملك سيلقي خطابَ الافتتاح، كان على جميع أفراد العائلة المالكة الحضور.
حتى جوليان المقيمُ على فراش المرض.
“على أيَّة حال، هذا مُرضٍ أنَّ الأمرَ انتهى عند هذا الحد.”
ردَّت تيريز بلا اكتراثٍ لحالها وهي تقرأ الصحيفة.
فهي لم تتعرضْ لهذا مرةً أو مرتين.
كانت تعلم أن الماركيز سيستدعيها عندما يعلم أن الأمور قد فسدت.
كان ذلك متوقعًا إلى حدٍّ ما.
وكذلك كان ريتشارد كالعادة.
حتى عندما تعلَّقت بريتشارد وهي تبكي، كان ذلك لحظةً عابرةً فقط.
لم تكن تتوقع منه أن يفعل شيئًا حقيقيًّا من أجلها.
فهي تعلم أن طبيعته لا تسمح بذلك.
خلال نشأتها، كانت تيريز وحدها هي التي تَعرَّضت للاعتداء المباشر من الماركيز.
فالماركيز لم يمدَّ يده على أحدٍ غير تيريز.
لكن ريتشارد كان يشعر بالقلق في كلِّ مرةٍ يرى فيها تيريز تُستدعَى أمام الماركيز، خشيةَ أن يكون دوره هو التالي.
رغم علمه بأنَّ ذلك لن يحدث.
كان الأمرُ هكذا منذ الصغر.
عندما كانت تعود مصابةً، كان يأخذها إلى غرفته ويعالجها، بينما كان يبكي هو أكثر منها.
لكن ذلك كان كلَّ شيء.
كانت دائرةً مُفرَغةً تتكرَّرُ في كلِّ مرة.
“إنها لا تختلفُ عن طفولتنا ولو قيدَ أنملة.”
ابتسمت تيريز ابتسامةً ساخرةً.
لأنها شعرت بأنَّ الأمورَ ستتكرَّرُ بنفس الطريقة.
ماركيزٌ لا يتغير، وأخٌ لا يتغير، وهي لا تتغير.
قطعت تيريز أفكارَها الهدَّامة وحدَّقت في المرآة.
كان التفكيرُ في ما يجب فعلهُ في المستقبل أكثر أهمية.
ونشرت الصحفُ يوميًّا مقالاتٍ مُثيرةً تُعزِّز التوقُّعات حول المعرض الدوليّ: عدد الدول المشاركة، والاختراعات الجديدة التي ستُعرَض، والشخصيات البارزة التي ستزور بالوايز من دولٍ أخرى.
أُزيلت مقالاتُ تظاهرات الشوارع جميعًا.
وكذلك المقالاتُ الناقدة للعائلة المالكة.
ولم يدرك الجمهورُ أن ذلك نتيجةٌ للرقابة المتعمَّدة، ونسُوا تظاهراتِ الشوارع بشكلٍ طبيعيٍّ وركَّزوا كلَّ اهتمامهم على المعرض الدوليّ.
كان ذلك من حسن حظِّ تيريز.
لكن…
أصابتها الحيرةُ بسبب المتغيِّر الجديد وغير المتوقع الذي ظهر فجأة.
تظاهرات شوارع ضدَّ العائلة المالكة!
كان حدثًا ذا معنى، لم يسبق له مثيلٌ في التاريخ.
واعترفت تيريز بوضوحٍ بأنها أخطأت التقدير.
فهم لم يعودوا سذجًا يثقونَ في العائلة المالكة ويتبعونها دون تفكير.
إنهم يعرفون كيف يُميِّزون الصوابَ من الخطأ بأنفسهم.
كانت هذه فكرةً لم تخطر ببالها من قبل.
ماذا لو أدرك الشعبُ أن العائلة المالكة لم تعد ضرورية…
خَشِيَت تيريز ذلك فجأةً.
لم تعد المسألةُ تتعلَّق بإمكانية تتويج دينيس ملكًا من عدمها، بل بإمكانية زوال منصب الملكية نفسه.
تمنَّت أن يكون ذلك مجردَ وَهْمٍ لديها.
لحسن الحظِّ أنها رشَت الصحفيينَ مُقدَّمًا، وإلا لما استطاعت تجنُّبَ كارثةٍ أكبر.
وقبل أن تنتشر الآراءُ السلبيةُ عن العائلة المالكة أكثر، أصدرت تعليماتها بإزالة جميع المقالات المتعلقة بفابريس.
رغم أنها كانت مقالاتٌ دُفِعَت لها نُشِرَت عمدًا.
آلمَها أن تُخفِيَ الأمرَ كأنه لم يكن.
لكن كان لا بدَّ من الحفاظ على منصب الملك قائمًا حتى يصل دينيس إلى العرش.
من ناحيةٍ أخرى، كانت الجهةُ التي اختطفت فابريس لا تزال مجهولةً، مما يشكِّل مصدرَ قلقٍ لها.
فكَّرت مليًّا فيما إذا كان ظهورُ هذا المتغيِّر المفاجئ سينفعها أم يضرُّها.
لم يكن هناك شيءٌ مؤكَّدٌ بعد.
كان جاك يُجري تحقيقًا للعثور على الجهة التي احتجزت فابريس.
لعلَّ تلك الجهةَ التي احتجزت فابريس تصبح حليفًا يُساعد دينيس أيضًا.
أليس هناك مقولةٌ تقول: عدوُّ عدوِّك صديقُك؟
في تلك اللحظة، دخلت إليِّي غرفةَ زينتها بحذر.
كانت عائدةً من لقاء جاك.
“سيدتي لديَّ شيءٌ أقوله لكِ.”
اقتربت إليِّي منها بهدوءٍ وهمست في أذنها:
“تمَّ تأمينُ السجين.”
فهمت تيريز وأومأت برأسها، فابتعدت إليِّي.
الآن، كان الأهمُّ هو الظهورَ في حفل الافتتاح بمظهرٍ لا تشوبه شائبة.
“لا يبدو أن المكياجَ سيُغطِّي كلَّ هذا، سيدتي.”
كان خدُّها المنتفخُ يحمل كدماتٍ زرقاء.
“اسحبي شعري ليتدلَّى ويُغطِّي الخدَّ الأيمن، وأحضِري لي قُبَّعةً ذات حافةٍ عريضة بحيث يُخفي ظلُّها وجهي.”
فبدأت الخادماتُ بالبحث في غرفة الزينة عن قُبَّعاتٍ ذات حوافَّ عريضةٍ جدًّا وجلبْنها.
“اليومُ يومُ الافتتاح وهو يومٌ بهيج، لذا لن يكون غريبًا أن أزيِّنَ القبعة زَيِّنوها لتكون ملفتةً أكثر وبشكلٍ فاخر.”
فجاءت الخادماتُ بريش طاووس وفراء سمور ودانتيل وجواهر، وبدأنَ بتزيين القبعة دون ترك أيِّ فراغٍ ظاهر.
كان ذلك يُظهِرُ عزمَها على إخفاء كدماتِها تمامًا.
“سيأتي الأمير قريبًا ليُرافِقَكِ.”
“…حسنًا.”
كانت تيريز قد تجنَّبت لقاءَه منذ عودتها من قصر الماركيز.
رغم أنها أيامٌ قليلةٌ فقط، إلا أنها أرادت مقابلته بعد أن تهدأ كدماتُ خدَّها.
التعليقات لهذا الفصل " 33"