“لا أدري. لا أعلم.”
أجابت تيريز بادّعاء الجهل لأول وهلة.
“همم. حقًا؟”
ردَّ دينيس بتفاهة لكنَّ تعابير وجهه كانت توحي بعدم تصديقه مطلقًا.
وضع دينيس يده على كتفها، ثم رفع بإصبعه خصلةً رفيعةً كالحرير من شعرها.
خصلة شعر بنّية.
كانت تخصُّ ميلبي.
لَفظت تيريز في داخلها كلماتٍ بذيئةً.
لقد كان متعمَّدًا لدرجة تثير الشك.
رائحة العطر، وشعره.
إنه يُلصق نفسه بجانبي مرارًا وتكرارًا، ثم يترك شعره ملتصقًا بوضوح على كتفي.
“ألا تزالين ترفضين الإفصاح عن أي شيء؟ أليس كذلك؟”
“إنَّه سوء فهم حقيقي، يا صاحب السمو، هذا ليس… هذا ليس كما تظن.”
“ما الذي ليس كما أظن؟”
كان يحدِّق بها متشابكَ الذراعين، وكأنَّه يتحداها لتعترف بأي شيء.
“آه، هل كنتِ تلتقين بكاهنٍ أشقر في المعبد؟ هل أتتبَّعُ الآنُ مَنْ هو ذلك الكاهن الأشقر؟ أليس كذلك؟”
“لقد كنتُ فقط…”
لم تكن قد ذهبت إلى المعبد، ولم تكن تقابل رجلًا.
لكن إذا قالت ذلك، أليس سيسألها إذاً أين كانت وماذا فعلت؟
طبعًا، ميلبي وإن كان رجلًا، لكنها ليست بأي حالٍ على علاقة وثيقة معه.
طبعًا، هي على علاقة وثيقة به، لكن ليس بهذا المعنى الشخصي.
طبعًا، هي تستخدمه لأغراض شخصية… لكن ليس لأغراض… شخصية…
لم تستطع تيريز فهم سبب تشابك أفكارها باستمرار أمامه، بينما يعمل ذهنها بسلاسة عندما تحيك المؤامرات.
ما الذي يجب أن تقوله؟
“تيريز.”
مَرَّر دينيس يده على شعره، وكأنَّ شيئًا ما يقلقه.
“… قُولي.”
نظرت تيريز إلى عينيه العميقتين وقالت:
“يا صاحب السمو.”
“نعم.”
“هل… هل ستثق بي وتغفر لي، بغضِّ النظر عما قد أفعله؟”
أرادت أن تسأله: هل ستتقبلني كما أنا، حتى لو لم أقل شيئًا؟
“… هذا شيءٌ يفعله الإله، وليس الإنسان.”
“فهمت.”
أجابت تيريز ببرود.
“لقد ارتكبتُ ذنبًا…”
بدأت تيريز كلامها كما لو كانت تعترف في طقس التوبة.
“أتقصدين أنكِ ارتكبتِ ذنبًا مع ذلك الرجل؟”
تألَّقت عينا دينيس بحِدَّة.
“هل تعتقد حقًا يا صاحب السمو أنني كنت ألتقي برجلٍ آخر؟”
تأخر دينيس قليلًا قبل الإجابة على سؤال تيريز.
“لو كنت أعرف ذلك، ها…”
مَرَّر يده على شعره المبعثر مرة أخرى.
كان صوته مختلطًا بالتنهد، فلم تسمعه جيدًا.
“ماذا؟”
استفسرت تيريز لأنها لم تسمع رده بوضوح.
“قلت لا، يا سيدتي.”
حدَّقت تيريز فيه للحظة، ثم خفضت رأسها لأنها لم تستطع مواجهة نظراته.
“ستعرف قريبًا عندما تقرأ الصحف، يا صاحب السمو.”
أي بسبب ما فعلته من أجلك.
لو كان هناك شخصٌ وحيدٌ تريد أن تنال مغفرته، فسيكون دون شك دينيس.
هذا كل شيء. الشخص الذي تريد مغفرته، والشخص الذي تريد فهمه، هو وحده.
انتظر دينيس كلمتها التالية بصبر.
لكن تيريز لم تفتح فمها مجددًا.
“……”
“هل انتهيتِ؟ … حسنًا.”
كان صوته متعبًا، كأنه غارق في الماء.
نهض متضجرًا واتجه نحو النافذة.
ثم استدار وقال:
“تيريز.”
نظرت تيريز إلى ظهره المستدير.
“نعم، يا صاحب السمو.”
“قد تكون كلماتي سخيفة، خاصةً وأنني لست مؤمنًا.”
“……”
“لا يوجد إلهٌ يتمنَّى أن ترتكبي ذنوبًا.”
كلامه عن الإله بدا، بطريقةٍ ما، وكأنه يتحدث عن نفسه.
لم تستطع تيريز معرفة التعبير الذي يرتسم على وجه دينيس وهو يدير ظهره لها.
“وأيًا كان الأمر… لا تخفيه واخبريني به.”
“نعم، سأفعل.”
“وأخيرًا…”
توقف دينيس عن الكلام للحظة.
“لا أريد قربانًا تقدمينه وأنتِ تسفكين دمكِ.”
أجابت تيريز ببرود:
“حسنًا.”
وقف دينيس عند النافذة، ثم عاد وجلس مقابلها.
بدا وجهه متعبًا بعض الشيء.
ألعلَّه لم ينم جيدًا؟
“ألم تنم جيدًا يا صاحب السمو؟”
“… نعم.”
“بدل أن تأتي إلى غرفتي.”
“لم أجدكِ فيها.”
“آه.”
ساد صمتٌ قصير.
حاول دينيس تغيير الجو قائلًا:
“سنذهب معًا إلى المعرض العالمي الأسبوع المقبل.”
“حسنًا، يا صاحب السمو.”
“وكلِي هذا.”
كانت شطيرة الساندويتش صغيرة تكاد تبتلعها في قضمة واحدة.
لكنها كانت أكبر قليلًا مما اعتادت أن تأكله.
أطلقت تيريز تنهدًا صغيرًا وأجابت:
“حسنًا، يا صاحب السمو.”
“تيريز، ألا تعرفين أي كلمات غير ‘حسنًا’ و ‘لا’؟”
“لا.”
“إذاً؟”
نظر إليها دينيس بإرباك.
“إذاً قولي لي إنكِ تحبينني.”
أشار بذقنه.
أصيبت تيريز بالذهول للحظة ولم تنطق بكلمة.
لو كان الكلام المنمَّق المقصود، لكانت تيريز الأكثر قدرةً عليه من أي شخص.
أليس الشيء الوحيد الذي أتقنته أثناء تأدية دور الأميرة هو مثل هذه الأشياء؟
الكلمات الباردة والابتسامات المصطنعة.
لكن هذه المرة لم تكن كلماتٍ فارغةً.
شعرت تيهيز أمام استفزاز دينيس بأن تقول ‘أحبك’ كفارس أعزل سُلِبَ سلاحه.
“لماذا لا تقولين شيئًا؟ وأنتِ تجيدين الكذب إلى هذا الحد.”
“……”
وضعت تيريز الساندويتش ونظرت إليه.
كان دبنيس يراقبها هو الآخر بنظرةٍ متفحصة.
ثم ألقى بكلماته كما لو كانت عابرة:
“ألعلَّ ذلك لأنها الحقيقة؟”
“كيف يكون ذلك ممكنًا يا صاحب السمو؟”
“……”
فتحت تيريز فمها بصوتٍ مرتجف، راجيةً ألا يكتشف الصدق المختبئ خلف كلماتها.
“أحبك. وأنت؟”
“ماذا؟”
“هل تحبني؟”
“همم.”
بدا دينيس محرجًا، وكأنه لم يتوقع سؤالها العائد، وهمش بجبهته.
وبعد صمتٍ قصير، قال بصوتٍ حازم:
“استمعي جيدًا، تيريز منذ بداية زواجنا وحتى الآن.”
ابتلعت تيريز ريقها الجاف منتظرةً الكلمات التي ستخرج من فمه.
“أنا لا أحبكِ.”
“……”
“هذا هو استنتاجي.”
شعرت قلب تيريز وكأنه سقط فجأة وانقلب رأسًا على عقب.
يقول إنه لا يحبني…
“بدلًا من ذلك، أشعر بالمسؤولية تجاهكِ كما فعلتِ معي طوال هذا الوقت، سأعمل من أجلكِ هذا… نوعٌ من رد الجميل.”
بدا دينيس مرتاحًا بعد أن قال ذلك.
‘نوعٌ من رد الجميل’.
ربما كان توقعي الخطأ هو الذي جعلني آمل في لطفه.
دينيس لا يحبني لا يزال وكأن تلك الحقيقة تطعن قلب تيريز.
هذَّبت تيريز صوتها، وفتحت فمها ببطء:
“… إذغ لماذا تهتم بي دائمًا؟”
وقع نظرها على الساندويتش الذي أحضره دينيس.
تابع دنيس نظرها وأجاب ببساطة:
“إنه مثل الاعتناء بطائر الرفراف الذي دخل القفص، يا سيدتي.”
“… أتعلم أن طائر الرفراف يهاجر إلى الجنوب الدافئ عندما يحل الخريف؟”
“بالطبع ولهذا السبب…”
بعد أن قال ذلك، رفع يده وأمسك بيدها.
ثم قبَّل ظهر يدها بعمق.
“عليَّ أن أطعمه جيدًا، وأضجره للنوم… وأمنعه من المغادرة أليس هذا واجب مالك القفص الجديد؟”
“أليس مصيره أن يغادر عندما تتغير الفصول؟”
“متى أصبحتِ من دعاة القدر، يا سيدتي؟”
رفع دينيس آخر قطعة من الساندويتش وقرَّبها من فمها.
“ألم تكوني زوجتي من دعاة تغيير المصير؟”
عضَّت تيريز بأدب على الساندويتش الذي قدَّمه لها.
لم يبقَ في الطبق الذي أحضره إلا فتات الخبز.
ثم نظر إليها بإعجاب.
“……”
يبدو أن سيدها دائمًا غير مكترثٍ ورحيم لدرجة تجعلني أساء فهمه وأعتقد أنه يحبني حقًا.
“… لا أفهمك، يا صاحب السمو.”
كان هذا الشعور الصادق لـ تيريز.
“حقًا؟ أنا أيضًا لا أفهمكِ في هذا الجانب، يبدو أننا متوافقان جيدًا.”
رفع دينيس زاوية فمه وابتسم ابتسامة عريضة.
كانت ابتسامة منعشة مثل عصير الليمون في منتصف الصيف.
اصطفَّ الطعام على المائدة الفاخرة المُعدَّة بإتقان.
كانت الكمية وفيرة وكافية لعشرات الأشخاص.
بدا قاعة الولائم الفخمة والضخمة وكأنها تستضيف حفلًا.
لكن لم يكن هناك صوت لأحاديث ودية، ولا حتى صوت لأواني الطعام.
كان يجلس اثنان فقط لتناول الطعام على جانبي
المائدة الطويلة: رجلٌ في منتصف العمر وامرأة.
لو رأى أحد ذلك الصمت الغريب لعدَّه أمرًا غامضًا، لكن بالنسبة للجالسين، بدا الأمر طبيعيًا للغاية.
بينما كان الرجل في منتصف العمر يقطع شريحة اللحم ببطء ويشرب النبيذ، ظل طبق المرأة الشابة كما هو تقريبًا منذ وضعه.
حطَّم الرجل الصمت المتجمد وقال:
“يبدو أننا انتهينا من العشاء إلى حدٍ ما، فما رأيك أن ننتقل إلى مكتبي لنتحدث؟”
“… حسنًا.”
ظهرت أكتاف صغيرة تتبع الجسد الكبير الذي سار بخطواتٍ واسعةٍ متقدمًا عليها.
كان الإحاطة الكاسحة المنبعثة من الرجل تُثقل كاهل تيريز.
أُغلِق باب المكتب الضخم الثقيل دون صوت.
على رأس الموقد الكبير، كان رأس أيل نحتي جميل معلقًا، وتحته ثلاث بنادق مزينة في صف.
شعرت تيريز بقشعريرة في كل مرة دخلت فيها غرفة الرجل.
لأنها شعرت وكأن العينان السوداوان اللامعتان للأيل تتابعانها.
كانت غرفة الرجل، التي تفتخر بأفضل إطلالة في القصر، باردة وجافة دائمًا مثل الرجل نفسه.
في منتصف الغرفة، اصطفت أريكة مصنوعة من جلد جاموس الماء عالي الجودة.
قام الرجل على الفور بإخراج قنينة كونياك وكأسين فارغين من الخزانة، ثم جلس في المقعد الرئيسي.
رغم علمه بأنها لا تستطيع شرب الخمر عالي التركيز، كان دائمًا يخرج كأسًا لها، لأنه أراد إخضاعها.
في صغرها، كانت قد شربت الكونياك الذي لا تستطيع تحمله، دون أن تتمكن من رفضه.
“لن أشرب.”
ارتجف صوت تيريز قليلًا في النهاية.
حدَّق الرجل بها وهو يقطب جبينه بشدة.
“ألديكِ طفل في بطنك؟”
“لا.”
قرقع الرجل لسانه ثم سكب الكونياك في كأسه فقط.
نقر الرجل بمفاصل أصابعه على ذراع الأريكة بشكل غير منتظم.
خافت تيريز مما سيقوله الرجل بعد أن تتوقف تلك اليد.
“حسنًا. ماذا يفعل الأمير هذه الأيام؟”
“كالمعتاد، يا سيدي.”
“هذا أمر أعرفه جيدًا أيضًا يجب أن يكون لديكِ ما تعرفينه وحدك. أليس كذلك؟”
دحرج الرجل الكأس برفق، واحتفظ بالسائل المتوهج بلون الكهرمان في فمه، وحدَّق بها مباشرة.
شعرت تيريز تحت نظرات الرجل كسمكة انغرست فيها رُمح.
أرادت ألا تبدو منكمشة أمامه، فعدَّلت من وقفتها.
وبعد أن تذوق الكونياك لفترة طويلة وكأنها غير موجودة، سأل الرجل بصوتٍ أعمق:
“هل كان يجب أن أتأكد مسبقًا مما إذا كان جسدكِ قادرًا على الحمل؟”
بدا شكله كوحشٍ يزمجر بصوتٍ منخفض.
“……”
“أليس كذلك؟ على الابنة أن تجيب عندما يسأل أبوها.”
“نعم، يا سيادة الكونت.”
كانت تيريز ترتعش، لكنها جلست مستقيمة القامة.
“أم هل المشكلة في الأمير؟”
“ليس الأمر كذلك.”
عارضت تيريز على الفور.
شرب الرجل ما تبقى من الكونياك في جرعة واحدة، ثم وجه إليها تحذيره الأخير:
“افعلي ذلك بشكل صحيح، يا ابنتي صبر أبيك ليس طويلًا.”
“حسنًا.”
“ما هو واجبكِ؟”
أجابت تيريز على الفور كما لو كانت تحفظه عن ظهر قلب:
“تتويج الأمير الأول على العرش.”
“حسنًا. افعلي ذلك جيدًا اذهبي الآن.”
كان الجسد الضخم كالجبل يحدق بها كأنه سيطعنها.
اضطرت تيريز لبذل كل قوتها كي لا تتمايل أثناء الالتفاف والخروج.
لم تعرف حتى بأي عقلية ركبت العربة.
رغم اعتقادها بأنها تدرَّبت على تصرفات الكونت.
لكن في كل مرة كهذه، كانت تشعر بالاستياء من نفسها وهي تتأذى من كلام الكونت.
أطلقت تيريز زفيرًا عميقًا لتهدئة أنفاسها المتلاحقة.
إذا لم تحقق نتائج، فسيتم التخلص منها.
كان الكونت إنجيلغر رجلًا من هذا النوع.
رجل لا يتورع عن فعل أي شيء للحصول على ما يريد.
رجل طموح لا يكتفي بأن تكون عائلته من كبار النبلاء، بل يريد أن يصبح فردًا في العائلة المالكة، ويمارس سلطة أكبر.
ذلك الرجل هو والدها، الكونت إنجيلغر
كيف كان تعبيره عندما تزوجت تيريز أخيرًا من الأمير الأول دينيس؟
كانت ابتسامة الكونت ممتلئة بالرضا وكأنه خطا خطوة أخيرة.
وجه مفترس كامل.
ما زالت تيريز تتذكر تلك الابتسامة.
وبما أن ذلك الكونت إنجيلغر قد انتظر أكثر من خمس سنوات، فقد كان صبرًا طويلًا بما يكفي.
تمكنت تيريز أخيرًا من تهدئة أنفاسها وجلست على الكرسي.
بدا كما لو أن ضباب الليل خارج النافذة يمسك بها بقوة ولا يتركها.
(يتبع في الفصل القادم)
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 31"