“يبدو أن حفل الخطوبة سيقام الشهر القَادِم، أيّتها الكونتيسة.”
كان فابريس وجيزيل في طريقهما للعودة في نفس العربة بعد مشاهدة الأوبرا.
لم يكن الرأي العام بشأن خطوبتهما سيئًا جدًا.
ذلك بفضل المقابلة التي أجرتها إيفون دوبوا في إحدى الصحف.
فالمقابلة التي ختَمَتْها بعبارة: “أدركتُ أنني لا أصلُح لمنصب الأميرة، وأتمنى فقط أن يصلَ إلى مرتبة أعلى في المُستَقبل”،
أوحت بأن فابريس وإيفون قد فسخا خطوبتهما لأسباب سياسية وليس بسبب فضيحته الإعتدائية.
بفضل هذه المقابلة، لم تَتَبَدَّدْ ضبابية الشائعات حول فابريس فحسب، بل ازدادت توقعات الجمهور تجاه جيزيل لوماكسين أيضًا.
وكأنها تَلمَسُ شعبيتها المتزايدة مؤخرًا، بدَتْ فساتين جيزيل أكثر فخامة من ذي قبل.
رغم مظهرها المُتَنَكِّر، أليست في النهاية فتاةً صغيرةً حساسةً للشعبية؟
ضحك فابريس على جيزيل في سره.
فلم يمر على بلوغ جيزيل سوى عامين فحسب.
فتاة صغيرة جاهلة بأمور الدنيا.
“نعم، يا صاحب السُّمو.”
تمكَّنَ عقدُ الخطوبة الذي اقترحته جيزيل، بعد منعطفاتٍ وعَقَبات، من الوصول إلى اتفاقٍ مُتبادَل بين الطرفين.
نظرت جيزيل إلى فابريس بعينين بلا تعبير.
“أرجو أن تتحفَّظَ في تصرفاتك حتى حفل الخطوبة، يا صاحب السُّمو.”
“كلامٌ مُعْتَبَر.”
“طالما لم تُصِبْك أيُّ حادثة، يا صاحب السُّمو، فإننا سنُوصِلُكَ بالتأكيد إلى العرش.”
حادثة.
التوى فم فابريس.
هو أيضًا يعلم أن “الحادثة” التي تقصدها جيزيل ليست كحادثة عربة مثلًا.
بل هي الأحداث والمشاكل التي كان يتسبَّبُ فيها.
“حسنًا، أيّتها الكونتيسة سأكون حَذِرًا.”
أجاب فابريس مُحَرِّكًا رأسه.
“وإذا لم تفعل، فسأُنَفِّذُ ما هو مكتوبٌ في العقد.”
“ماذا؟”
كانت ذاكرة فابريس ضبابيةً حول محتويات العقد الذي بلغت صفحاته الأربعين.
“سأمنع وقوع أي حادثةٍ لصاحب السُّمو.”
أطلق فابريس ضحكةً سَخْرِيَّةً مُستَهْجِنةً ردًا على كلامها.
“يبدو أن كلامك هذا يعني بالضبط أنكِ ستَحبسينني، أيّتها الكونتيسة.”
“أتمنى فقط ألا يحدث ذلك.”
عند رد جيزيل، انفجر فابريس أخيرًا ضاحكًا بصوتٍ عالٍ.
“ماذا قُلْتِ؟”
كَأنَّ كلام جيزيل أشعل نار غضبه، فصاح فابريس.
“لا تَقُولي هراءً! أنا أمير فالوا! الشخص الذي سيصير مَلِكًا!”
“ما زلت أميرًا فقط الآن.”
عند كلام جيزيل البارد، نهض فابريس وكأنه سيُمسك بعُنُقِها.
رفع فابريس يده بشكلٍ تهديدي.
نظرت جيزيل إليه دون أي خوفٍ على الإطلاق.
تَصادَمَتْ عينانِ في ظلمة العربة.
وفي هذه الأثناء، كانت العربة قد توقفت.
“لقد وصلنا إلى القصر.”
كانت العربة قد وصلت أمام باب قصر جيزيل.
ظل فابريس واقفًا يَتَأَفَّفُ.
فتحت جيزيل فمها وقالت بجرأة:
“رافِقْني، يا صاحب السُّمو لا يجب أن تُفَسخَ خطوبتك مرةً أخرى.”
فكر فابريس بجديةٍ في أن يَلوي عُنُقَ الفتاة هنا وهناك.
كانت جيزيل تنتظر فابريس في صمت.
مَسَحَ فابريس شعره بعنف.
انْتثر شعره المُرَتَّبُ بعناية بشكلٍ عشوائي.
إذا نزلت تلك الفتاة من العربة دون مرافق، فسيصبح ذلك أيضًا بذرةً للإشاعات.
الأمير الثاني المُتَهَتِّك الذي لا يُرافِقُ خطيبته.
سيكتبون مقالًا يُمضغونه فيه بعنوانٍ من هذا القبيل.
لم يمضِ وقتٌ طويلٌ منذ تهدئة الفضيحة.
لم يرغب في التفكير بأمورٍ معقدة.
مع بدء شعوره بصداع، فتح فابريس باب العربة وقَفَزَ إلى الخارج.
أمام العربة، كان واقفًا ينتظر رئيس خدم قصر لوماكسين.
“مرحبًا بكم، يا صاحب السُّمو.”
تجاهل فابريس رئيس الخدم ورفع ذراعه أسفل العربة.
من داخل العربة المُعْتِمة، أطلَّتْ جيزيل برأسها.
توقفت بين بابي العربة المفتوحين وتطلعت إلى فابريس.
نظرةٌ متعالية.
مع عدم نزول أحد من العربة بسرعة، نظر فابريس إليها بوجهٍ مُتَجَعِّدٍ من الضيق.
حينها فقط، نزلت جيزيل مُستقبِلةً مرافقته.
كانت هيئتها أنيقةً جدًا لدرجة أن جيزيل وفابريس بدوا للوهلة الأولى كالملكة والفارس في موكبٍ داخل المدينة.
“هل قضيتِ وقتًا جميلًا، الآنسة جيزيل؟”
“شكرًا لك، يا صاحب السُّمو.”
أمسكت جيزيل بذراع فابريس وشكرته ضاحكة.
الوجنتان الورديتان والابتسامة الخجولة اللتان غطَّتَا وجهها جعلتها تبدو كفتاةٍ غَرِيرةٍ غارقةٍ في حبٍ طائش.
عند رؤية الفتاة التي غيَّرت وجهها في لحظة، قرَّر فابريس تعديل تقييمه للفتاة داخل نفسه.
لقد كانت فتاةً ليست بالهينة.
“كان رائعًا جدًا، بفضلك يا صاحب السُّمو.”
“إذاً، سأرحل الآن.”
استدار فابريس.
بينما كان يقفز ويمسك بسقف العربة، نادته جيزيل.
“يا صاحب السُّمو في المرة القادمة، سأدعوك إلى قصرنا أتمنى لك رحلةً آمنةً عند عودتك.”
“حسنًا.”
أدخل فابريس جسده إلى العربة على الفور وأغلق الباب.
رحل دون أن يلتفت حتى مرة واحدة.
ظلت جيزيل تحدق في العربة التي ركبها فابريس حتى صارت نقطةً صغيرة.
“مجنونة.”
فك فابريس ربطة عنقه التي كانت تخنقه بعنف.
لم يكن قد وصل إلى القصر بعد.
تَسَرَّبَتْ أنفاسٌ قاسيةٌ من فمه.
لم يكن مجرد الاستسلام بهذا الشكل يناسب طبعه.
كان بحاجةٍ إلى مكانٍ يُفَرِّغُ فيه غضبه.
بمجرد وصوله إلى القصر، استدعى فابريس البارون باربييه.
كان بحاجةٍ إلى أعشابٍ مهلوسةٍ أقوى من المرة السابقة.
ربما لأن جسده كان قد اعتاد على المخدرات بالفعل، لم يشعر بالتأثير حتى بجرعةٍ تعادل ثلاثة أضعاف.
لكن البارون باربييه الذي وصل فور استدعائه، وعلى عكس المرة السابقة، تحدث بصوتٍ غير واثق.
“يا صاحب السُّمو. يبدو أن إقامتك للحفلة داخل القصر المرة الماضية قد تسرَّبت وأصبحت موضوع حديثٍ خفي إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تستمتع خارج القصر هذه المرة؟”
“أين خارج القصر؟”
“لديّ منزلٌ صغيرٌ أعددته بشكلٍ منفصل أرجو أن تستريح هناك برفقة النساء اللاتي أعددتهن.”
أثناء قوله ذلك، انحنى البارون باربييه برأسه.
كان هناك مثلٌ يقول أن للقصر آذانًا حتى في الجدران.
يبدو أنه كان قلقًا من تصرفات فابريس الطائشة.
بعد تردد، أجاب فابريس.
“حسنًا دُلَّني على مكانه.”
“حاضر.”
كان القصر الذي أعده البارون باربييه بالقرب من الأحياء الفقيرة.
بينما كان فابريس ينزل من العربة ويُحِيلُ النظر حوله، قال له البارون.
“كما ترى، إنه الموقع الأمثل لأنه يتم توريد نساءٍ جدد دائمًا من الباب الخلفي.”
تحدث البارون باربييه كما لو كان يتحدث عن الحليب الطازج المعصور كل صباح.
عند رؤية منظر البارون باربييه وهو يفرك يديه ويمدح بشكلٍ واضح، شعر فابريس بعدم ارتياح في داخله.
لكن مع التفكير فيما سيحدث لاحقًا، شعر بالسرور فلم يعترض.
عندما فتح البارون باربييه باب القصر الرئيسي بمفتاح، ظهرت حديقةٌ قاحلة.
“ما زلت لم أهتم كثيرًا بالحديقة، لكنني رتبت الداخل بأناقةٍ شديدة.”
وعند فتح باب المدخل، ظهرت مساحة داخلية للبناء مُزَيَّنَةٌ بمختلف الأشياء الفاخرة.
كانت الجدران مُعلَّقةً بكثافةٍ بجوائز الصيد والمنسوجات الجدارية واللوحات، وكانت الأرضية مغطاةً بسجادٍ إنجلاندي الفاخر الذي تغوص فيه الأقدام.
بدا أن المظهر المُزَيَّن بشكلٍ مبالغ فيه قد أرضى فابريس، فظهرت على شفتيه ابتسامةٌ راضية.
“يبدو أنك بذلت بعض الجهد.”
“آه، بالتأكيد، يا صاحب السُّمو وإذا نظرت إلى غرفة النوم هكذا…”
قال ذلك وأخذ البارون باربييه يرشده.
عند فتح الباب الموجود في نهاية الممر، ظهرت غرفة نوم تبدو لأول وهلةٍ خياليةً وانحلالية.
في منتصف الغرفة، كانت توجد سريرٌ كبير.
وكانت قد عُلِّقَتْ ستائر على أعمدة السرير الأربعة، وكانت الستائر ذات لونٍ أحمر قاتم مُطرَّزة بخيوط ذهبية، فبدت فاخرةً للغاية لأول نظرة.
وعلى منضدة السرير الجانبية الصغيرة، كان هناك مبخرة صغيرة، وعلى طاولة الشاي في وسط الغرفة، كانت توجد مبخرة كبيرة مصنوعة من النحاس المذهب.
وكان البخور قد أُشْعِلَ بالفعل في المبخرة، يُطْلِقُ رائحةً تُسْحِر الإنسان.
“لم أتمكن بعد من الحصول على الأدوات التي اعتدت أن تستخدمها، يا صاحب السُّمو.”
“حسنًا.”
“إذا استحممت أولًا، فسأدخل النساء.”
مد البارون يده وفتح باب إحدى الغرف، فكانت أربع نساء واقفاتٍ في صف.
كانت غرفة استحمام.
وفي داخلها، حوض استحمام يتصاعد منه البخار.
“سَيَخْدِمْنَكَ أثناء استحمامك، يا صاحب السُّمو.”
“حسنًا.”
نظر فابريس ببطء إلى ملامح النساء، ثم ابتسم ابتسامةً راضية.
بعد انتهاء التقديم، انحنى البارون برأسه وقدَّم تحياته لفابريس.
“أتمنى لك ليلةً هانئة.”
“حسنًا. شكرًا لك يمكنك الانصراف الآن.”
غادر البارون باربييه على عجلٍ من الباب الخلفي.
عندما تسلل عبر الأزقة الضيقة المتصلة بالباب الخلفي، وصل إلى الجزء الخلفي من أحد المباني.
كانت هناك أكوام من القمامة وبقايا الطعام مكدسة حتى لم يعد المدخل مرئيًا.
ومع ذلك، دفع كومة القمامة بخبرةٍ وعثر على باب.
كان بابًا صغيرًا.
عندما طرق البارون: طَقْ ططَقْ
فُتِحَ الباب الذي لم يكن فيه أي أثرٍ لأحد، ودخل البارون منه.
كان الباب الذي دخل منه البارون يُؤَدِّي إلى مطبخ أحد الأماكن التجارية.
كان الطهاة يطبخون دون توقف، ولم يهتم أحد بالبارون حتى عندما دخل.
عند مغادرة المطبخ، كانت موسيقى انحلالية تتدفق تحت أضواء خافتة.
ورائحةٌ ترفع المزاج من مكانٍ ما.
كانت أصوات ضحك هستيرية تسمع من مكانٍ ما، وأصوات صراخ من مكانٍ آخر، لكن الزبائن لم يهتموا حتى بذلك.
بينما كان أشخاصٌ نصف وجوههم مغطاة يحملون كؤوس الخمر ويتمايلون ذاهبين إلى غرفهم، كان بالإمكان رؤية أشخاصٍ يلعبون الورق من خلال فجوة بابٍ مفتوح.
صعد البارون الدرج إلى الطابق الثاني.
عند وصوله إلى الطابق الثاني، وقبل أن يطرق باب إحدى الغرف، نفض غبار كتفيه عبثًا ثم طرق.
فُتِحَ الباب من الداخل.
تحت أضواء ساطعة ذات أجواء رسمية مختلفة تمامًا عن الطابق السفلي، كان شخصٌ مألوفٌ جالسًا.
سأل ذلك الشخص أولًا عن سلامة النساء.
“هل النساء بخير؟”
“بالتأكيد. لقد أضفت الأعشاب إلى ماء الاستحمام، وأشعلت البخور المنوم في غرفة الاستحمام أيضًا، لذا أعتقد أنهن نائمات نومًا عميقًا الآن.”
“أقلق من أن يتسبب الأمير في ضررٍ لهن.”
كانت النساء اللاتي كنَّ سَيَخْدِمْنَ الأمير فابريس اليوم جميعًا من الأفراد المدربين والمتميزين.
رغم أنهن أُدْخِلْنَ مُتنكراتٍ كنساءٍ من الأحياء الفقيرة، إلا أن ملامحها ظلت قلقة.
كان الأمير الثاني شخصيةً لا يمكن فهمها على الإطلاق.
ولن يكون من المبالغة القول إنها كانت قلقةٌ من أن يتسبب في مشكلةٍ ما.
طمأنتها دانيال، التي كان بجانبها.
“لا تقلقي كلهن من الأفراد المدربين تدريبًا عاليًا، وفي حالة الطوارئ، يمكنهن حتى ضرب الأمير حتى الموت.”
“يا إلهي. لا يجب أن يموت بعد حسنًا، هل يمكنك إعطائي محتوى المقال الذي سيُنشَر غدًا أولًا؟”
عند قولها ذلك، خرجت دانيال وعادت بمخطوطة.
أخذت صاحبة الغرفة المخطوطة وبدأت تقرأها بهدوء.
“«الأمير الثاني الغارق في الملذات»؟ أليس العنوان عاديًا؟”
“هل تريدين أن آمرهم بكتابة عنوانٍ رئيسي بلغةٍ أقوى؟”
أخرجو دانيال مفكرةً صغيرة وبدأت في تدوين كلام سيدتها.
“نعم. ويجب أن تحتوي على صور بالتأكيد من المهم أن نُثَبِّتَ صورة الأمير كشخصٍ فقد أخلاقه في هذه الفرصة.”
“حاضر.”
“الغرفة مُهَيَّأَةٌ بما يكفي أيضًا، أليس كذلك يا بارون؟”
“بالتأكيد ستبدو الصورة وكأنها تُبرز الشكل الفاخر والفاسد.”
“همم.”
بعد أن تفحصت صاحبة الغرفة المقال لفترة طويلة، أومأت لدانيال بأن الأمر أصبح جيدًا هكذا ثم أعادت إليها المخطوطة.
“حسنًا الآن اذهب واطلب منهم التقاط الصور.”
“حاضر.”
“لا تنسَ أن تُوَزِّعَها عندما يَخْرُجْنَ.”
أشارت تيريز إلى الحقائب التي كانت قد أعطتها لدانيال من قبل.
كانت الحقائب مليئةً بعملات الإيكوي الفضية اللامعة.
(يتْبَعُ في الفصل القادم)
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 29"