يبدو أنه لم يكن واثقًا رغم إذنها له بأن ذلك مقبول.
“……”
نظرت في عينيه.
كان هو الآخر يحدق بها بعينين حائرتين.
رغم أنها أذنت له بأنه لا بأس، بقي كالجذع الخشبي. نظرت إليه وهو متصلب للغاية وابتسمت ضاحكة.
“لماذا أنت متصلب هكذا؟”
“… هل أنتِ متأكدة حقًا أنه لا بأس؟”
أمسك بيديها و قال بوجه قلق.
كانت يداه مبللتين بالعرق.
“… وماذا لو حدث خطأ ما؟”
“ومن الذي قد يخطئ؟”
“أنتِ. و… الطفل الذي في بطنك.”
“أحقًا تعتقد أن الأمر قد يصل لحد الخطأ؟”
“أنا خائف… لا أريد أن أفقدكِ. أشعر بالسعادة الشديدة الآن، بالفرح ماذا لو سلب أحدٌ هذه السعادة مني…؟”
تجعد ما بين حاجبيه. كان خائفًا حقًا.
أمسكت بيده الخائفة بقوة.
“لا تقلق. لقد تغلبنا معًا على الصعاب جميعها. وأنا لست ضعيفة إلى درجة أن يحدث خطأ ما بهذا الشكل.”
“أخشى أن أُترك وحيدًا في مكانٍ خالٍ منكِ، وحدي…”
“……”
غشيت عينيه رطوبة.
“لن أتركك وحيدًا ولن أذهب إلى أي مكان.”
“لكنكِ تركتِني لمدة عامين… وتركتني وحيدًا.”
“……”
يبدو أن العامين في الجزيرة، اللذين كانا وقتًا للشفاء بالنسبة لها، قد تحولا إلى رعب شديد بالنسبة له.
مرّت ببال تيريز للحظة ماضيه الذي روته دلفين. الأيام التي كان يصاب بنوبات لمجرد رؤية شخص يشبهها.
“هل عانيت كثيرًا أثناء غيابي؟”
“… نعم. ما زلت أحيانًا أستيقظ فجرًا وأتحقق من أنكِ نائمة بجانبي وإلا فإن كوابيس تلك الأيام تعاودني.”
“ماذا أفعل لكي تصدق أنني لن أتركك؟”
لم يجب. بدلاً من ذلك، مد يده ولمس خدها.
“قولي لي كل ليلة، كل صباح، أنكِ تحبينني، وأنكِ لن تتركيني مرة أخرى…”
“سأفعل.”
“ثم احتضنيني.”
“حسنًا.”
ربتت على كتفيه وعانقته.
انغمس في أحضانها.
شعرت بأن صدرها أصبح دافئًا ورطبًا، لكن تيريز تظاهرت بعدم الملاحظة.
❀ ❀ ❀
كان يتهادى بخطوات قلقة أمام باب الغرفة.
الوقت كان يقترب من الفجر بالفعل.
منذ أن دخلت حجرة الولادة مساء الأمس، لم تظهر أي نية للخروج.
“متى ستخرج؟”
عندما همس بكلماته التي كررها عشرات المرات، وبّخته إلودي.
“اجلس بهدوء قليلاً.”
عند توبيخ إلودي، جلس في مكانه، لكنه ما إن يسمع أي صوت من داخل الغرفة حتى يقفز فزعًا.
من بين جميع الموجودين في القصر، كان بنيامين الوحيد الجالس بهدوء.
بالطبع، حتى شعبه الأنيق دائمًا كان أشعثًا بعض الشيء.
“رئيس الخدم. هل عادةً تستغرق كل هذا الوقت؟”
كرر سؤاله للمرة العاشرة تقريبًا.
ابتسم بنيامين ابتسامة رحيمة وطمأنه.
“بما أنها ولادتها الأولى، فالأمر طبيعي إلى هذا الحد.”
لم تكن كلمات بنيامين مقنعة على الإطلاق.
فهو يقول أن غثيان تيريز الشديد طبيعي، وأن حجم بطنها طبيعي، وحتى وقت المخاض طبيعي.
“……”
على ذقنه الذي لم يحلقه جيدًا، كانت شعيرات بارزة تظهر بوضوح.
“لم تتناول وجبة منذ الأمس، فلتبدأ بالطعام أولاً.”
قال بنيامين وهو يربت عليه.
“ماذا لو ولد الطفل أثناء نزولي للحظة؟”
“لن يخرج بهذه السرعة.”
“… لكن مع ذلك.”
اكتفى بترطيب حلقه بالماء الموضوع بجانبه وهو يحدق في الباب.
كانت يداه مبتلتين بعرق بارد.
مرت فترة أخرى من الهدوء.
من الداخل، كان يسمع صراخ متقطع.
ثم صياح القابلة طالبة ببذل المزيد من الجهد.
أرجوك، أرجوك، لا دعوى ولا داء…
صلى وتوسل لإله لا يؤمن به حتى.
كادت دموعه أن تنهمر لأنه شعر أنها تعاني بشدة بسببه.
لا داعي للولادة مرة أخرى.
لن أتحدث عن الأطفال مرة أخرى حتى الموت… يجب أن أتحكم بنفسي جيدًا في المستقبل.
عقد يديه وهو يعاهد نفسه مرارًا وتكرارًا.
مرت ثلاث ساعات أخرى.
السماء التي كانت على وشك الفجر أصبحت الآن مشرقة بشمس الصباح، وقد تبدد الضباب تمامًا.
كان الطقس جميلًا بشكل مزعج.
بعد فترة من الانتظار القلق، سمع أخيرًا صوت بكاء من الداخل.
كان بكاء طفل…
رفع دينيس رأسه فجأة.
“هل هذا صوت بكاء طفل؟…”
“نعم، سيدي.”
أجاب بنيامين بوجه شاحب.
فتح الباب من الداخل ودعته القابلة.
“تعال للحظة.”
أمسك بقلبه المرتجف ودخل ببطء.
انتشرت رائحة غريبة في الغرفة.
رائحة دم قوية وعرق…
تلك الكومة المليئة بالبقع الدموية بجانبه…
قبل أن تتحول عيناه إلى ذلك المشهد الغريب، قدمت له القابلة الطفل.
“إنها فتاة صحية.”
“آه.”
تسلم ذلك الشيء الصغير المغلف بالقماط.
كان هناك طفل صغير جدًا، وأحمر اللون.
“مرحبًا، يا صغيرتي.”
أمسك بيد الطفل.
“لقد كنتِ أنتِ من عذّبتِ تيريز كل هذا الوقت.”
كأنها ردت على كلامه، انتفضت الطفلة.
هل يمكن لإنسان أن يكون بهذه الصغر في العالم؟
طفلتي أنا و تيريز…
عدّ أصابع الطفلة الصغيرة جدًا.
يمكنه التأثر بعد التأكد من سلامة الأطراف.
“خمسة…”
“وأصابع القدم أيضًا خمسة.”
قالت تيريز وهي تضحك بصوت أجش، بعد أن رأت ما يفعله.
يبدو أنها فعلت الشيء نفسه.
“تمييز.”
أعاد الطفلة للقابلة واقترب منها.
كانت عيناها المبتلتين بالعرق محتقنتين بالأوعية الدموية.
“لقد عانيتِ كثيرًا.”
ارتجف صوته.
مَرّر يديه في شعرها المبلل بالعرق.
ثم أمسك بيدها وقال:
“لقد عانيتِ حقًا كثيرًا.”
اكتفت بهز رأسها.
“لن أقول ذلك مرة أخرى. لا حاجة لطفل أو شيء. حقًا. سأتحسن في المستقبل…”
وفي النهاية، أمسك بيدها وبدأ في البكاء بصوت عالٍ.
“بصدق، لن… أنا آسف، تيريز.”
كان على وشك أن يقول: لن أدعك تحملين مرة أخرى.
كان وكأنه يعترف بخطاياه، يحاول التوبة عن كل أخطائه السابقة.
“هيا. اخرج الآن. لم ينتهِ كل شيء بعد.”
القابلة الخبيرة لم تمنحه وقتًا للاستغراق في المشاعر وأخرجته.
مسح دموعه بكمه وخرج من الغرفة.
كانت إلودي تنتظره بقلق أمام الغرفة.
“لماذا تبكي؟ هل حدث خطأ ما؟”
“لا.”
“إذاً؟”
“فقط…”
كانت المشاعر تتقاذفه من كل اتجاه، فلم يعرف كيف يشرح.
“هل هي فتاة أم ولد؟”
“فتاة. طفلة تشبه تيريز…”
نفخ أنفه في منديل قدمه بنيامين.
“شكرًا لك.”
المنديل النظيف الذي قدمه بنيامين أصبح عديم الفائدة من سيل الدموع والمخاط.
ربت بنيامين على كتفه وقال:
“لقد عانيت كثيرًا، سيدي.”
عند سماع ذلك، أجهش في البكاء مرة أخرى.
“رئيس الخدم. لم أكن أعلم أن قلبك قوي إلى هذا الحد.”
“ماذا تقصد…”
“كيف تحملت هذا ست مرات؟”
“الأولى فقط هي هكذا، لكن فيما بعد…”
قبل أن يكمل بنيامين كلامه، انفجر في نوبة بكاء شديدة.
وبخته إلودي بنظرة مليئة بالشفقة.
كان تعبير إلودي وهي تنظر إليه يشبه من تنظر لأخيها الصغير.
ربما بَكَى أكثر مما بَكَت هي في الداخل.
لم يكن يعلم شيئًا عن مستقبله.
أنه بعد فشل آخر في التحكم، سيرزق بولد.
وأنه، كما قال بنيامين، سيتحسن في الانتظار مقارنة بالمرة الأولى.
وأنه في المرة الثانية سيدرس أكثر منها وسيخبرها بأنه وصل لمرحلة الاستقرار قبلها.
ولم يكن يعلم أيضًا.
أنه بعد تقاعده المشرف من منصب رئيس الوزراء، سيشترى منزلًا صغيرًا في إسكونه الذي كان يحلم به وسيعيش هناك.
وأن ابنته ستتفوق عليه في صيد السلمون.
وأن تيريز ستستمتع بتذكيره بذلك كل مرة كنوع من الانتقام للماضي.
لم يكن يعلم شيئًا.
أن ابنه سيلتحق بوزارة العدل ويعمل تحت إمرة صديقها القديم اللعين.
وأنه سيتمتم مستاءً: لماذا وزارة العدل من بين كل الدوائر الحكومية؟ وأنها ستسمعه فتقول له: مازلت على كلامك هذا؟، اعقل نفسك، وسيُوبخ.
حقًا لم يكن يعلم شيئًا.
أنها ستحافظ بكل أمانة على أمنيته التي طلبها: أن تقول له كل يوم أنها تحبه ولن تتركه.
وبذلك سيعيشان سعيدين إلى الأبد.
•النـــــــــــهاية ❀
~ مع فراق تيريز ودينيس، اللذان صيغت قصتهما بالغموض وعدم التوقع والواقعية! تمنيت أن لا يكون لها نهاية، عشنا مع الثنائيات جميع أنواع المشاعر ابتدأت بكره وعدم تفاهم وحديث وانتهيت بأطفال ثمرة لحب وانتظار وصبر! أبدعت الكاتبة بكتابتها للرواية، وبالأخص القصص الجانبية التي تفيض بالعاطفة، وأرجوا أنها أعجبتكم كما فعلت، نلتقي برواية أخرى ممثالة أو أخرى، تُرجم العمل بكل حبّ،
التعليقات لهذا الفصل " 140"