كان يُلِحُّ عليها بأن يضع لها الكريم.
شَعَرَتْ تيريز بثِقَلٍ يَغْشَى صدرها، وفي الوقت نفسه كانت تُراجِعُ شَكَّها حول مكوناتِ ذلك الكريمِ الغامض.
انتَشَرتِ القشعريرةُ على جلدِ تيريز .
وقفتْ أمامَه بسحّاب فستان مفتوح تحتَ الأضواءِ المتأرْجِحة.
“هل أنتِ باردةٌ جدًّا؟”
“قليلًا، أخبرتُكَ أنَّني أَشْعُرُ بأنَّني بخير.”
“ومع ذلك لا يمكنُ التأكُّد. يجبُ فحصُ الأماكنِ التي لا تَرَيْنها أيضًا.
“ا-اِفْحَصْني بسرعةٍ من فضلك.”
“حسنًا.”
“بسرعةٍ…”
كان المكانُ الذي أشارَ إليه أسفل ظهرها، حيثُ لا تملكُ عيناها رؤيةً مباشرة.
“آه!”
“دعينا نَضَعُ المرهمَ هنا.”
صَدَحَ صوتُ فَتْحِ عُلبةِ المرهم.
سألَتْهُ تيريز على عَجَل:
“لكنْ، هل المكوناتُ موثوقة؟”
أجابَ بثقة:
“سألتُ العديدَ من الموظفين واشتريتُ الأفضلَ حسبَ قولهم لا تقلقي.”
أخذَ كريمًا بكميةٍ وفيرةٍ على يدهِ ووضعهُ على ظهرها ثمَّ دَلَّكَه.
“إنَّه بارد.”
“تحمَّلي قليلًا. منطقةُ الكتف تبدو أيضًا على وشكِ التشقُّق.”
أخذَ كميةً أخرى ووضَعَها على كتفها.
ومع حركاتِ يدِه اللطيفةِ والدَّعْكَة، بدأَ شعورُ تيريز يَصيرُ غريبًا.
“يبدو أنَّكَ تدلِّكُ بلطفٍ زائد، أم أنَّ هذا خيالي؟”
“إنَّه خيالك.”
وبصوتٍ جامد، أكملَ دهنَ الكريمِ على ظهرها وكتفيها، ثُمَّ قال لها:
“انتهيتُ.”
وبمجردِ أنْ انتهى كلامُه، أغلق سحّاب فستانها بسرعةٍ وأطلقَتْ زفيرًا.
عندها أغلقَ غطاءَ عُلبةِ الكريمِ وقال وكأنَّه يتراجعُ خطوةً إلى الوراء:
“انتظري وسترين سأضعهُ كلَّ مساء.”
“كلَّ مساء؟ سأضعهُ بنفسي.”
“وكيف ستضعينه وأنتِ لا ترَينه بشكلٍ صحيح؟”
“……”
فقط لأنَّها لم تتمكَّنْ من رؤيةِ مكانٍ واحدٍ بشكلٍ صحيح، صارَ يُعاملُها وكأنَّها عاجزةٌ عن وضعِ المرهمِ وحدَها…
ساعدَها في ارتداءِ ثوبِها.
وكانتْ يَدُه ما تزالُ محايدةً بلا أدنى عاطفة.
❀ ❀ ❀
انتشرَ خبرُ حملِها في العاصمة.
تدفَّقَتِ الهدايا وطلباتُ الزيارةِ بأعدادٍ أكبرَ من تلكَ التي جاءتْ عندَ انتشارِ خبرِ عودتِها إلى العاصمة.
كان بنيامين يُرَتِّبُ الهدايا والرسائلَ الواردةَ لها وقال:
“سيدتي، هل أُرتِّبُ الهدايا اليومَ أيضًا وأضعُها في الغرفة؟”
“نعم، من فضلك. احرصْ على تدوينِ أسماءِ المُرسِلينَ بدقَّة، وأعطني الرسائل.”
كانتْ تجلسُ إلى المكتبِ تقرأ كتابًا، ثُمَّ استلمَتْ حزمةَ الرسائلِ التي قدَّمها لها بنيامين .
“يبدو أنَّ العددَ يزدادُ يومًا بعد يوم.”
كانَ في نبرةِ صوتِ بنيامين غَبْطةٌ خفية.
“هناكَ أسماءٌ أسمعُها لأولِ مرَّة أيضًا. همم.”
نظرَتْ ببطءٍ إلى أسماءِ المُرسِلينَ المكتوبةِ على الأظرف.
“هل هناكَ رسائلٌ من الجزيرةِ بالصدفة؟”
“لا، ليس هناك.”
قالتْ لنفسِها بقلق:
“لا تصلُني أيُّ أخبارٍ عن الآنسةِ إلودي هذه الأيام… هل حدثَ لها شيءٌ ما؟”
منذُ أنْ أرسلَتْ لها رسالةً تخبرُها فيها بخبرِ الحمل، لم تتواصلْ إلودي لعدَّةِ أسابيع.
كانتْ قلقةً من أنْ يكونَ قد حدثَ شيءٌ لـ إلودي التي تعيشُ وحدَها.
“أتمنَّى ألَّا يكونَ قد حدثَ شيءٌ سيء…”
“سيدتي.”
في تلكَ اللحظةِ اقتربَ خادمٌ مندفعًا ناداها:
“هناكَ شخصٌ يُثيرُ ضجَّةً عندَ مدخلِ القصر.”
“همم؟”
نظرَتْ إلى الخادم.
قالَ بوجهٍ متعسِّر:
“حاولنا إرجاعَه لأنَّه ليس لديهِ موعدٌ مُسبَق، لكنَّهُ عنيدٌ جدًّا. يرفضُ المغادرة! وهذا منذُ ساعتين.”
“أوه.”
مع ازديادِ شهرتِها، ازدادَ أيضًا عددُ الأشخاصِ الذينَ يأتونَ لزيارتِها دونَ موعد.
على الرَّغمِ من وضعِ حراسٍ حولَ القصرِ منذُ عيشِها معه، إلا أنَّ الأشخاصَ المصرِّينَ كانوا يجدونَ طريقةً للوصولِ وطرقِ الباب.
مثلَ ذلكَ الصحفيِّ من “الصحيفةِ الصفراء”، ومثلَ ذلكَ الشخصِ الذي ادَّعى أنَّه قريبٌ بعيدٌ لها لم ترَه من قبل.
“إنْ كانَ بحاجةٍ إلى المالِ يمكننا إعطاؤه القليل.”
“سألتُه كمْ يحتاج، فقالَ إنَّه ليسَ بحاجةٍ إلى المال. كلُّ ما يطلبهُ هو إبلاغُ اسمِه لسيادتِك. إلودي، كانَ الاسمُ شيئًا كهذا…”
“ماذا؟”
وقفتْ تيريز فجأةً من مكانِها.
وصفَ لها الخادمُ هيئةَ ذلكَ الزائرِ غيرِ المرغوبِ فيهِ الذي كان يُثيرُ الضجَّةَ عندَ المدخل.
“كانت فتاةً صغيرة. طويلةُ القامةِ لكنَّ وجهَها يبدو صغيرًا، لذلكَ يصعبُ تخمينُ عمرِها…”
عندما سمعَتْ تيريز هذا الكلامَ حتى هذه النقطة، أسرعَتْ نحوَ مدخلِ القصرِ وهي تُنادي:
“افتحِ البابَ سريعًا!”
كان القصرُ شاسعًا والمسافةُ بينَ المدخلِ والمبنى الرئيسيِّ تستغرقُ بعضَ الوقتِ سيرًا على الأقدام.
هرولَتْ تيريز دونَ أنْ تنتبهَ لألمِ شدٍّ في بطنِها.
رأتْ من بعيدٍ هيئةَ فتاة.
“آنسةُ إلودي!”
الفتاةُ التي كانت جالسةً على الأرضِ في حالةِ إحباط، وقفتْ فجأةً عندَ سماعِها لاسمِها وتطلَّعَتْ حولَها.
لوَّحَتْ تيريز بيديها.
“أنا هنا! آنسةُ إلودي!”
عندها لوَّحَتِ الفتاةُ الصغيرةُ أيضًا بيديها نحوَ مصدرِ الصوتِ وردَّتْ:
“تيريز! لقد أتيتُ!”
فُتِحَ أخيرًا البابُ الضخمُ الثقيلُ المغلقُ بإحكام.
ركضَتْ إلودي نحوَها وعانَقَتْها.
“متفاجئةٌ أليسَ كذلك؟”
ضحكَتْ إلودي بصوتٍ عالٍ.
فوجئتْ تيريز ببرودةِ حرارةِ جسمِ إلودي.
“كيفَ أتيتِ في هذا البردِ القارس؟ آنسةُ إلودي.”
مسحَتْ على وجنتَي إلودي المتشقِّقَتَينِ من البرد.
“سمعتُ أنَّ تيريز حاملٌ فأتيتُ.”
“بأيِّ مالٍ فعلتِ ذلك… على أيِّ حالٍ، تعالي إلى الداخلِ أولًا. لقد تعبتِ كثيرًا.”
أدخلتْ تيريز إلودي إلى داخلِ القصر.
ثمَّ قدَّمَتْ لها شايًا ساخنًا وبطانية.
“العاصمةُ حقًّا باردةٌ بشكلٍ يُثيرُ الغضب.”
قالتْ إلودي ملفوفةً بالبطانيةِ وهي تَنفُخُ على الشايِ الساخنِ لتُبرِّدَه وتشربُه:
“أتيتُ في وقتٍ يكونُ البردُ فيهِ أخفَّ لو كنتُ قد أتيتُ الشهرَ الماضي لربَّما كنتُ قد متُّ تجمُّدًا.”
“يا إلهي، هذا مُريع.”
نظرَتْ إلودي إلى بطنِ تيريز المنتفخِ وقالت:
“عندما سمعتُ أنَّ تيريز حاملٌ، تمنَّيتُ المجيءَ إلى العاصمة.”
“كيفَ خطرَتْ لكِ هذهِ الفكرة…”
ما زالتْ تيريز تَذْكُر.
ذلكَ اليومَ الذي اقترحَتْ فيهِ على إلودي أنْ تأتي إلى العاصمةِ للدراسة.
لكنَّ إلودي رفضَتْ ذلكَ اليومَ بحجَّةِ رعايةِ والديها.
لذا، لا بدَّ أنَّ قرارَ إلودي بالمجيءِ إلى العاصمةِ كانَ قرارًا كبيرًا جدًّا.
لم تكنْ قد غادرَتِ الجزيرةَ في حياتِها قط…
شعرَتْ تيريز بتأثُّرٍ كبيرٍ لِما لا بدَّ أنْ يكونَ قرارًا عظيمًا اتخذَتْه إلودي للوصولِ إليها.
قالتْ إلودي وابتسامةٌ تعلو شفتيها:
“أنا صديقةُ تيريز الأقربُ أليسَ كذلك؟ لكنَّ التهنئةَ بالرسائلِ فقط بدتْ لي غيرَ كافية. كما أنَّني أشتقتُ إليكِ بعدَ انقطاعٍ طويل.”
أصبحتْ وجنتا إلودي مُحَمَرَّتَينِ من دفءِ حرارةِ الغرفة.
“مرحبًا بكِ أقيمي في العاصمةِ حتى يتحسَّنَ الطقس”
“هذا ما أنوي فعله ليسَ هناكَ الكثيرُ من العملِ في الشتاء، لذا سأعودُ عندما يأتي الربيع.”
“هذا جيد.”
نظرتْ تيريز إلى وجهِ إلودي ابتسمَتْ كالأمِّ تمامًا.
لقد كبرتْ إلودي كثيرًا خلالَ فترةِ الانقطاع.
كالقمحِ الذي ينمو بسرعةٍ بعدَ المطر.
وليسَ هذا فحسب.
لقد تغيَّرَتْ تلكَ النَّزْقَةُ التي كانتْ تبدو عليها إلودي منذُ اللقاءِ الأول.
اختفتْ تلكَ الصورةُ النَّزِقة، وحلَّ محلها جوٌّ غريبٌ لم تَرَ مثلهُ في العاصمةِ من قبل.
“آنسةُ إلودي، لقد أصبحتِ سيدةً ناضجةً خلالَ فترةِ انقطاعنا سيُذيبُ الشبابُ الأعزاءُ في العاصمةِ قلوبَهم حَنينًا إليكِ.”
ازدادَ احمرارُ وجهِ إلودي الذي كانَ أصلًا مُحمَرًّا.
“هذا غيرُ معقول! من سيهتمُّ بشخصٍ ريفيٍّ مثلي.”
“من يدري. هذا ما سنراه.”
تخيَّلَتْ تيريز نفسَها تأخذُ إلودي إلى أشهرِ مقهى في العاصمةِ هذه الأيام.
حتَّى بتلكِ الملابسِ القديمةِ الباليةِ تبدو جميلة، فكيفَ الحالُ لو ارتدَتْ فستانًا أنيقًا نظيفًا؟
من المؤكَّدِ أنَّ خطابَ الشبابِ سيتقدَّمونَ بطلبِ ودِّها.
وهكذا جلسَتْ تيريز وإلودي في غرفةِ الاستقبالِ تتبادلانِ أخبارَهما خلالَ الفترةِ الماضية، ثُمَّ تناولا الطعامَ معًا.
ومع غروبِ الشمسِ تدريجيًّا وظلامِ الجوِّ، بدأَ تعبيرُ وجهِ إلودي يَعتِم.
“آنسةُ إلودي، هل من خطبٍ ما؟”
بعدَ تردُّدٍ طويل، نظرتْ إلودي إليها وقالت:
“تيريز… في الحقيقةِ لقد أنفقتُ كلَّ المالِ الذي ادَّخرتُه للمجيءِ إلى العاصمة. لذا ليسَ لدي مكانٌ أنامُ فيهِ اليوم.”
“يا إلهي، آنسةُ إلودي! ماذا تعتبرينني؟”
“ماذا؟”
ردَّتْ إلودي بتعبيرٍ حائر.
تغيَّرَ وجهُ تيريز فجأةً ليصبحَ جادًّا.
“هل كنتِ تفكِّرينَ حقًّا في النومِ في الخارج؟ وهنا بيتٌ مناسب؟ هل كنتِ تعتبرينني شخصًا بخيلًا في استقبالِ الضيوفِ إلى هذا الحد؟”
“ليسَ هذا ما أعنيهِ يا تيريز!”
احتجَّتْ إلودي.
“قرأتُ في كتابِ آدابِ التواصلِ الاجتماعيِّ أنَّه من اللائقِ حجزُ فندقٍ عندَ زيارةِ منزلِ شخصٍ آخرَ يعيشُ في منطقةٍ بعيدة… لكنَّ الفنادقَ غاليةٌ جدًّا لماذا لا توجدُ نُزُلٌ هنا في العاصمة؟”
استمرَّ غضبُ تيريز بسببِ كلماتِ إلودي المتلعثمةِ المحرجة.
“من كتبَ مثلَ هذا الهراءِ في كتاب! يا إلهي. هذا إهدارٌ للورقِ والأشجار.”
“إذاً يا تيريز… هل يمكنني البقاءُ هنا؟”
“بالتأكيد، آنسةُ إلودي! سنةٌ أو سنتانِ، يمكنكِ البقاءُ كما تشائين!”
“ليسَ في نيتي البقاءُ لسنةٍ كاملة…”
“المقصودُ مجازًا. آنسةُ إلودي، أُرحِّبُ بكِ بكلِّ صدرٍ رَحِبٍ في العاصمة.”
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 138"