عند سماع كلماتها، غطى فمه بيده في محاولة لإخفاء الابتسامة العريضة التي غمرت وجهه.
لكن رغم كل جهوده، لم يستطع كبح شعور السعادة الذي انعكس على ملامحه.
لأن عينيه قد تغيرتا.
لقد تحولت من نظرات شخص يتأمل كيف يمكنه التخلص من ذلك الشخص بشكل قانوني، إلى نظرات طفل فرح بتلقيه هدية غير متوقعة.
حاول بإصرار أن يخفّض زوايا شفتيه المرتفعتين بيده.
“هل تقولين أنكِ رأيتِني فقط حتى في أحلامك؟”
ولكن كان من الصعب إخفاء الحماسة في صوته. أجابت تيريز بصوت خافت يتسلل إلى الأذن:
“… نعم.”
“كم مرة؟”
“كثيراً… لذا توقف عن ذلك من فضلك لا أريد أن تتعرض للخطر مرة أخرى بسبب هذا.”
“دعينا ندخل أولاً.”
بدون إطالة في الكلام، قادها إلى داخل القصر.
خرج رئيس الخدم لاستقبالهما.
ولكنه أدرك سريعاً أن الجو غريب، فابتعد بسرعة عن نطاق رؤيتهما.
أمسك بيدها وقادها إلى غرفته.
وبمجرد أن أُغلِق باب الغرفة طَق، وضع ذراعيه على جانبيها محاصراً إياها بينهما، ثم التهم شفتيها كما لو كان يبتلعها.
خرج من حنجرته صوت هدير كالوحش.
نظرت تيريز إليه بذهول، ثم أسرعت وأغلقت عينيها بإحكام.
بينما كان صدرها يعلو ويهبط بسبب تنفسها المتسارع ضحك هو ضحكة مكتومة أشبه بصوت الهواء الخارج من بالون.
“هل نسيتِ حتى كيفية التقبيل خلال هذه المدة؟”
كان صوته أعمق من ذي قبل.
بسبب إمساكه بذقنها، لم تستطع تيريز إلا تثبيت نظرها عليه.
“يبدو ذلك.”
“من قال لكِ أن تتصرفي بكل هذه الظرافة، هاه؟”
“أنا… ظريفة؟”
“هل هذا سؤال تسألينه؟”
كانت نهاية كلامه تحمل شتيمة بذيئة أشبه بأداة تعجب.
ثم ربّت على خدّها كما لو كان يستأذن، بينما ظلت يده الأخرى مثبتة على ذقنها.
في تلك اللحظة، شعرا وكأنهما الشخصان الوحيدان في هذا العالم. لم يكن جدول أعمال بعد الظهر، أو من في الطوابق السفلى من القصر، يمثلان أي أهمية لهما. الشيء المهم الوحيد كان وجودهما معاً في هذه اللحظة.
كما لو كانا آخر شخصين في عالم متوقف، عانقها دينيس بشوق. وهي أيضاً قبلته بكل رحابة صدر. كما لو لم يكن هناك ما يمنعها.
لأنه كان لقاءً بعد غياب طويل. لأول مرة منذ افتراقهما على الجزيرة مرة أخرى. كان الشوق أمراً طبيعياً.
❀ ❀ ❀
“هيا. دعينا نشرب هذا.”
أجلَسها على حجره وقرّب فنجان الشاي المتصاعد منه البخار الساخن إلى شفتيها.
أخذت الفنجان الذي قدمه لها ورشفته.
وعندما دافئ الشاي إلى داخلها، بدا وكأن وعيها يعود قليلاً.
يبدو أنها بحاجة للاسترخاء في ماء دافئ.
في الماضي، لم يكن جسدها يتعب بهذا الشكل، وأدركت تيريز فجأة أنها تقدّمت في العمر حقاً.
“ألست جائعة؟”
انتبهت فجأة من تأملاتها.
عندما استمعت لكلامه، أدركت أنها جائعة جداً.
يبدو أن الساندويتش الذي تناولته على الغداء قد هُضم بالكامل.
“كلي.”
أدخلت تيريز ما قدمه لها إلى فمها دون أن تتأكد مما هو.
أول ما شعرت به هو ملمس ناعم، ثم رائحة حلوة.
وعندما مضغت، أدركت أن ما قدمه لها هو “فوندان أو شوكولا”.
ذابت الشوكولاتة في فمها وتدفق.
وقبل أن تبتلعه بالكامل، قدّم لها لقمة أخرى.
قبلتها وأكلتها كما لو كانت فرخ عصفور يلتقط الطعام.
“هكذا أحبها.”
راقبها وهي تأكل بشراهة ثم ابتسم ابتسامة راضية.
“لكن ألم تقل إن لديك جدول أعمال بعد الظهر؟”
“نعم.”
عبس وجهه للحظة.
ثم وضع فنجان الشاي الذي كان يحمله وقال:
“لهذا يجب أن أذهب الآن لا أعتقد أنني سأستطيع تناول الطعام معك.”
رفعت تيريز عينيها ونظرت إلى الساعة.
لقد مر وقت طويل، هل سيكون الأمر على ما يرام؟
وكأنه فهم ما فكرت فيه، أجاب:
“لا تقلقي. لم أتأخر بعد.”
انهمر بقبلات صغيرة على خدي تيريز وجبهتها، ثم رفعها ووضعها على السرير.
لفها بالبطانية بإحكام حتى لم يبق ثغرة واحدة يتسلل منها البرد.
“سأعود غداً.”
قال هذا ثم نظر إلى المرآة المعلقة في الغرفة وهيئ ملابسه.
أغزر أزرار قميصه المفتوحة، وربط الوشاح الأحمر حول عنقه من جديد.
ثم نفض طرف سرواله المتجعد قليلاً.
بينما كانت هي جالسة ملفوفة ببطانية فقط، كان كفاه أن ينفض ملابسه قليلاً ليعود إلى هيئته المعتادة التي قد تثير التساؤل عما إذا حدث شيء.
كانت هيئته مرتبة لدرجة أنه لا يبدو غريباً لو دخل قاعة اجتماعات في الحال.
“أراك غداً.”
“ل، لحظة!”
أوقفته تيريز وهي تمد يدها.
قررت أن تسأل عما كان يدور في ذهنها منذ قليل.
لأنها إن لم تسأل اليوم، فلن تتاح لها الفرصة أبداً.
نظر إليها بتعبير مشوب بالتساؤل.
تلّوت يديها قليلاً ثم سألته:
“لماذا…”
استطاع أن يفهم سؤالها الذي لم تكملَه.
تقدم خطوة نحوها وابتسم بشكل طبيعي ومسح خصلة شعرها المتدلية.
ثم قال بصوت حنون:
“إنه أمر بديهي، ماذا لو حملتِ -لا سمح الله- وأنتِ غير متزوجة حتى؟”
التعليقات لهذا الفصل " 125"