لم يكن هذا المنزل، ولا تذكرة اليانصيب، شيئين خطرا لهما على بالها أبداً.
“لقد ترددت قليلاً بشأن القصر… ظننت أنه قد لا يعجبك.”
قال وهو ينظر إليها، وكأنه يشعر بالحرج قليلاً.
“وكيف قد لا يعجبني؟”
“الحمد لله كنت لأفعل أي شيء حينما أفكر بك.”
نظراته كانت مفعمة بعاطفة لا تُضاهى.
عيناه الرماديتان كانتا مكتظتين بالنجوم.
نظرت تيريز في عينيه وربتت على خده.
أمسك بيدها وسارا معاً في الحديقة.
“لقد أعددت كل شيء بكل استعجال، خوفاً من أن تتغيري بعد عودتك إلى العاصمة.”
“أحقاً فعلت ذلك؟”
نظرت تيريز إلى وجهه وضحكت بتكتم.
“كم يمر الوقت سريعاً أردت أن آتي بكِ قبل نهاية العام لحسن الحظ أنني نجحت وإلا لكانت الأمور انقلبت رأساً على عقب وكدت أتخلى عن كل شيء وأذهب إلى الجزيرة.”
“لا ينبغي لمعاليك أن تترك ليوبرن.”
“بالضبط لا فائدة من ذلك. هل أستقيل فحسب؟ كل ما أسمعه يومياً هو طلباتي للزواج.”
“…أحقاً حدث ذلك؟”
كاد قلب تيريز أن يتوقف عند سماع كلماته، لكنها أجابت وكأن شيئاً لم يكن.
“نعم. أتعلمين أن وزير المالية سُجن بتهمة فساد؟ على الأقل لن أضطر لرؤية وجه هنري ذلك الحقير… آه، أنا حقاً… ربما كان هذا الحديث غير مناسب؟ أنا آسف… على أي حال، بدأت أعتقد أن الاستقالة قد لا تكون فكرة سيئة عاد روبرت أيضاً والآن أريد الزواج.”
“…أها، فهمت.”
وكأنه لا يدري بما يدور في قلب تيريز، واصل دينيس حديثه وهو ممسك بيدها ويمشي.
“لدي أشياء أريد فعلها عندما أتزوج سأزرع بذور زهور في الحديقة، وسأراقبها وهي تنمو وسأعلمكِ قيادة الدراجة أيضاً.”
“……”
“أتتذكرين؟ اليوم الذي لعبنا فيه الشطرنج اليوم الذي فزت فيه.”
كانت تلك قصة تعود لعدة سنوات مضت.
بدا وكأنها ماضٍ بعيد جداً.
وما علاقة لعبه بالزواج أصلاً؟
مع موضوع المحادثة القافز فجأة، أجابت تيريز بحيرة:
“نعم، أتذكر.”
“حينها كان لي أن أتمنى أمنية واحدة، أليس كذلك؟ أود استخدامها الآن.”
نظرت إليه تيريز بنظرة تتساءل عن ماهية الأمنية.
“سأعلمكِ قيادة الدراجة هل ستزرعين الزهور في الجناح الخلفي؟”
أخرج شيئاً من جيبه ووضعه في كفها.
نظرت تيهيز إلى ما وُضع على راحتها.
ثلاث بذور زهور.
بذور الزهور البرية الأرجوانية التي كان قد وضعها خلف أذنها ذات مرة…
“أو يمكنني أنا أن أزرعها، ويمكننا معاً مشاهدة الإزهار.”
هبت الريح، فتمايل شعر تيريز الذهبي كأمواج البحر.
كان القمر البدر الساطع يضيء عليهما.
الظلال التي كانت اثنين، التحمت الآن في ظل واحد.
***
في يوم خريفي تعلو فيه السماء، أُقيم حفل زفاف في قصر عريق حتى في العاصمة.
كانت العروس تبدو سعيدة.
دخلت امرأة إلى الغرفة التي كانت تجلس فيها العروس، وقد خففت خطواتها.
“سيدتي!”
“ألم يحن الوقت لتتخلّصي من ذلك اللقب؟”
“ما زال اللقب يعلق بلساني.”
“يا للعجب! لكن عليكِ التدريب هكذا ستستطيعين مناداة زوجك بسهولة.”
قالت تيريز لدانييل بنبرة مداعبة.
فإذا بدانييل تحمر وجهها على غير المتوقع.
“هذا طلب صعب…”
“لا يمكن أنكِ ما زلت تنادين زوجك باسمه فقط، أليس كذلك؟”
“الأسماء وُجدت لتنادي بها، أليس كذلك؟ فبماذا إذاً سأناديه؟”
ردت دانييل بنبرة متذمرة.
نظرت تيريز إليها وابتسمت.
“من الأفضل أن تناديه بلطف وحنان.”
“وماذا الجيد في ذلك؟”
“لكن الأمر ليس سيئاً أيضاً.”
عند سماع كلمات تيريز، ردت دانييل بصوت صغير ووجه محمر:
“… إنه مقبول.”
ربما يمكنها قول ذلك.
ألم تكن هي من قالت إنها لن تتزوج أبداً، والآن تجلس هناك بهذا المظهر؟
شعرت تيريز بالارتياح.
لأن دانييل بدت سعيدة.
كانت تشعر ببعض اللوم لأن طلاقها أدى إلى افتراقها عن دانييل، لكن رؤيتها أخيراً تتزوج وتلتقي مجدداً خفف عنها عبئاً.
أمسكت تيريز بيد دانييل وربتت عليها.
“شكراً جزيلاً لك.”
قالت دانييل لها بصعوبة، وكأن شيئاً عالق في حلقها.
لم تكن دانييل تشكرها على حضورها إلى هنا.
بل كانت تشكرها على وجودها معها حتى هذه اللحظة.
كانت تشكرها على بقائها معها طوال أكثر من عشر سنوات، منذ أن دخلت قصر إنجليغر خادمةً، وأصبحت خادمة لتيريز، ثم دخلت القصر الملكي.
وشكرتها أيضاً على مساعدتها في الزواج بسلام.
“لقد تعبتِ كثيراً خلال هذه الفترة.”
طمأنتها تيريز وكأنها تفهم كل شيء.
حتى بدون كلمات، استطاعت فهمها.
ذات يوم، عندما سمعت نبأ لقاء دانييل وسيلبانغ مجدداً، وسمعت أنهم قد يتزوجون قريباً.
كانت تهنئها وتقول لها “أحسنتِ”، لكن وصلتها أخبار محزنة أيضاً.
لأنها سمعت أن دانييل تواجه صعوبة في الحصول على موافقة والدتها للزواج.
ربما لأن والدتها نفسها تزوجت أرستقراطياً عجوزاً ثرياً فقط.
أو ربما لأن إسرافها وتباهيها أفقر العائلة.
كانت والدة دانييل مهووسة بالمال لحد ما.
رفضت الموافقة بحجة أنها ستتزوج رجلاً عادياً وليس رجلاً ثرياً.
لأن دانييل أخبرتها أن سيلبانغ مجرد شخص عادي، خوفاً من أن تطلق والدتها العنان لأوهامها.
فلو عرفت أنه مساعد رئيس الوزراء، سيبدو لها أنه ثري وستبدأ بوضع شروط متعجرفة.
والدة دانييل ذهبت إلى حد ترتيب لقاءات لها مع رجال أثرياء ولكن يعانون من عيوب ما.
بعد ذلك، سمعت أن دانييل هربت من المنزل وقالت إنها لن ترى والدتها مجدداً.
بقلق حزين، فكرت تيريز كيف يمكنها مساعدتها.
لو كانت بحاجة للمال، لكانت مستعدة لإعطائها أي مبلغ.
لكن دانييل رفضت مساعدتها.
“والدتي لا تريدني أن أكون ثرية. بل تريد أن يكون زوجي ثرياً.”
كان التعب بادياً بوضوح على وجه دانييل وهي تقول ذلك.
بينما كانت تبحث عن طريقة لمساعدة دانييل، حل دينيس المشكلة دفعة واحدة.
فقد أرسل رسالة باسم رئيس الوزراء مع هدية زفاف باهظة الثمن لسيلبانغ.
فحصلت دانييل أخيراً على الموافقة.
على الرغم من أنه شهد كل هذه الفضائح، إلا أن سيلبانغ وقف إلى جانب دانييل بقوة.
كان من حسن حظها أن وجدت شخصاً يسير معها في حياتها المتعرجة.
كانت تتمنى أن يحل القليل من النور في حياتها.
بينما كانت تتحدث مع دانييل، ظهر فجأة شخص من خلفها.
كان هو.
“ها أنتِ هنا.”
“معاليك!”
حياه الحاضرون في الغرفة.
“كيف تتجول لترى فستان العروس قبل أن يراه العريس نفسه؟”
وبخت تيريز دينيس.
فأمسك بيدها، وقبل ظهر يدها بقبلات خفيفة، ثم أجاب:
“لأن زوجتي اختفت. لا يمكنني البقاء ساكناً.”
“آه…”
نظرت خادماتها السابقات اللواتي عدنَ من مسقط رأسهن لحضور زفاف دانييل بعيداً، وكأنهن رأينَ ما لا يُرَى.
“لنغادر الآن. المكان مزدحم.”
“تعالَب معي أيضاً.”
“حسناً بعد أن أقول وداعاً.”
“يجب أن تأتي سريعاً.”
“اخرج للحظة فقط!”
انفجر الجميع في الضحك أمام رئيس الوزراء المتواضع الذي خرج بعد أن وبخته.
نظرت تيريز إلى الباب الذي خرج منه وابتسمت وكأنها تقول “لا حول لي”، ثم أمسكت بيد دانييل.
“عيشي حياةً سعيدة.”
“شكراً لكِ.”
“كوني سعيدة، دائماً.”
حينها دخل خادم وأعلن:
“أيتها العروس! سيبدأ الحفل قريباً! أسرعي!”
عندما وصلت العروس إلى نهاية الممر، أشرق وجه العريس بابتسامة عريضة.
ثم بدأ يتململ، وكأنه يريد رؤيتها عن قرب.
أيمكن أن يكون الوضع بهذا السعادة؟
“جميل أن نرى لقاءهما مجدداً، أليس كذلك؟”
سألت تيريز وهي تتشبث بذراعه.
“ربما. هل هو جميل كما كان لقاؤنا؟”
“ماذا؟”
“أتعلمين يا تيريز؟ في فالوا، نحن المرتبة الأولى في قائمة أكثر الثنائيات التي يُحسد عليها-“
“-لنبدأ الحفل، اصمت!”
قبل أن ينطق الكاهن بإذنه، سرق سيلبانغ قبلة من شفتي دانييل.
وكأن الأمر لم يكن سيئاً بالنسبة لدانييل، نظرت إليه بنظرة خاطفة، ثم أمسكت بكتفيه وقبلته بعمق.
تحول الحفل المهيب إلى بحر من الضحك.
بعد انتهاء الحفل، وعندما بدأ العريس والعروسان رقصتهما الأولى، أمسك الضيوف الواحد تلو الآخر بأيدي شركائهم ورقصوا.
“هل تشاركينني رقصتي الأولى؟”
مد دينيس يده لها بأدب.
نظرت تيريز إلى وقاحته وضحكت وكأنها لا تصدق، ثم أمسكت بيده.
عندما احتضنها، شممت رائحة جسده المألوفة.
“أتذكر-“
“أتذكرين حفل زفافنا؟”
“نعم.”
أومأت تيريز برأسها وهي تبتسم.
تزوجت مرتين من نفس الرجل.
مرة في الربيع، ومرة في الصيف.
خبأت تيريز وجهها في كتفه.
في حفل الزفاف الثاني، رقصا حتى غروب الشمس.
و…
“في ذلك اليوم، شربتِ كثيراً وذهبتِ مبكراً للنوم وكانت ليلتنا الأولى.”
قال دينيس وهو يبرز شفتيه.
ما زال يحتفظ بذلك الأمر في قلبه.
“آه.”
“آه؟ هل ستتخلّين عني اليوم أيضاً؟”
“لا.”
هزت رأسها.
لا يمكنها ذلك.
لا تعرف كم من الجهد بذلت لاسترضائه بعد أن استاء.
“لكن، هل يمكن اعتبار ذلك ليلة زفاف؟ نحن-“
“ليلة الزفاف الأولى رسمياً! رسمياً! أنتِ تحبين الأمور الرسمية.”
“……”
لم يكن لدى تيريز ما تقوله.
كان السبب أنها التقت به خفية بسبب قلقها من أن يتسرب خبر زواجهما قبل الزفاف ويتسبب له بمشاكل سياسية.
بالطبع، كان يحاول طمأنتها بأن لا داعي للقلق.
“طيبة أنتِ. سأنتظر الليلة بفارغ الصبر.”
كان صوته مليئاً بالضحك.
قبل جبهة تيريز بقبلة خفيفة.
“افعل ما يحلو لك.”
وصلت تيريز إلى مرحلة الاستسلام.
إذا كان يريد تفريغ غضبه المتراكم على مر السنين، فمن يستطيع منعه؟
***
في تلك الليلة، حلمت تيهيز حلماً غريباً.
كان يبدو مثل الغابة التي عاشت فيها في جزيرة إيواي، لكن أثناء سيرها أدركت أنها ليست غابة، بل بستان فاكهة.
كان بستان خوخ، تفوح رائحة الخوخ الحلو في كل مكان.
حتى في الحلم، كاد اللعاب يسيل على فمها.
بدأت تمشي ببطء في بستان الخوخ.
ثم واجهت شجرة خوخ ضخمة جداً في وسط البستان.
عليها كانت ثمرة خوخ هائلة الحجم، لم ترَ مثلها من قبل.
اشتهت تيريز تلك الخوخة، فتسلقت الشجرة.
عندما صعدت إلى أعلى الشجرة، وجدت أنها أعلى مما تصورت.
لكنها لم تشعر بأي خوف.
قطفت الخوخة الكبيرة وقضمت منها.
كانت حلوة ومنعشة، وألذ خوخة أكلتها في حياتها.
شعرت بالسعادة ونظرت إلى الأسفل.
شاهدت الأفق العريض ممتداً تحت البستان.
كانت الشمس تغرب في الغرب.
كان عالماً جميلاً.
<النهاية>
ترجمة مَحبّة
انتهى ثاني عمل لي، كانت الأحداث معقدة وصادمة وغير متوقعة أتمنى أن العمل أعجبكم ارجوا مشاركتي أرائكم، تجدون الفصول الجانبية في قناة التليجرام الرابط في التعليق المُثبت، نلتقي في رواياتٍ أخرى دمتم في حفظ الله ورعايته🌷
التعليقات لهذا الفصل " 120"