“سأفعل أي شيء تطلبينه أو اعتبريني مجرد رجل مسكين تحتفظين به.”
“…ارجع اليوم.”
نظرت تيريز إلى عينيه لتقول له مرة أخرى: توقف عن تعذيبي وارجع إلى مكانك.
وبينما كانت تحدق فيه بتمعن، وكأنها اكتشفت شيئاً ما، قالت له بوجه مذهول:
“ماذا حدث لعينيك؟”
“ماذا؟”
أعرض بصره وكأنه في حيرة.
أمسكت تيريز وجهه وأجبرته بقوة أن يوجه رأسه نحوها.
“لماذا، لماذا أصبح لون قزحتي عينيك رمادياً باهتاً؟ لماذا؟”
لون عينيه الخضراء التي تشبه الغابة التي أحبتها، كان باهتاً كأنه ميت.
وكأنه غابة احترقت بأكملها وتحولت إلى رماد، دون أي حياة.
“لا شيء. إنه فقط…هكذا حدث تيريز أبدو مسكيناً الآن؟”
ابتسم وكأنه يمزح.
وكأنه يحاول تخفيف الجو المتوتر.
ثم أدار وجهه وأخرج النظارات من جيبه وارتداها.
لكن حقيقة أن قزحيتي عينيه أصبحا رماديين باهتين لم تتغير.
“ما الذي حدث لك حتى وصلت إلى هذه الحالة. لماذا…”
نسيت تيريز أنها في خضم دفعه بعيداً عنها، ولم تستطع إلا أن تتمسك به وتسأل.
“لا تقولي ذلك، فقط… قولي إنكِ اشتقتِ إليّ… فقط ارحميني قليلاً.”
“…….”
“ألا يمكنكِ ذلك؟ لو فعلتِ، فسيكون كل شيء على ما يرام أظن أن كل شيء سيكون على ما يرام…”
لم تستطع تيريز أن ترد على كلماته المشبعة بالدموع، وظلت تحدق في الأرض فقط.
“…لا تقل ذلك لأن حقيقة أننا انفصلنا تبقى كما هي.”
أجابت تيريز وهي تلتفت بوجهها.
لم تتحلَّ بالشجاعة للنظر إلى وجهه.
“أتعلمين، تيريز؟”
خفت صوته تدريجياً.
“كل ليلة، انفصلت عنك.”
“…….”
“عندما أغمض عيني، أعود إلى تلك اللحظة إلى ذلك اليوم، إلى ذلك السجن، حين طلبتِ مني الطلاق ثم أحاول التمسك بك، لكن قدماي لا تتحركان، فأظل أراقبك وأنت ترحلين.”
“…….”
“كل ليلة، كنتِ ترحلين عني…”
وكأن كلماته كانت تلومها.
تقول إننا انفصلنا كل ليلة…
في تلك اللحظة، استطاعت تيريز أيضاً تخيل تلك اللحظة بوضوح.
لأنها رغم مرور عامين، كانت تتذكرها بوضوح أيضاً.
لأنها فكرت مراراً في نفسها التي تعود إلى ذلك الوقت وتقول له “أنقذني” بدلاً من أن تقول “لنتطلق”.
حيث كانت تجلس في غرفة صغيرة وتندم وتندم…
يا ليتك تسامحني على تفكيري الأناني.
كانت أياماً كررت فيها كتابة رسائل لم ترسلها أبداً إليه ثم أحرقتها.
“تيريز، إذا لم أتأخر كثيراً…”
“…….”
“هل يمكنني أن أقول إنني أحبك؟”
اعتراف أطلقه كما لو كان يتقيأ شيئاً لا يستطيع تحمله.
“منذ وقت لم أكن أعرف فيه، كنت أحبك في تلك اللحظة التي قلت فيها إنني لا أؤمن بشيء اسمه الحب، كل شيء…”
سقطت دمعة من عيني دينيس الرماديتين.
“هذا ليس خداعاً لك، ولا وَهْماً، ولا كذباً.”
الشخص الذي لم يؤمن بالحب، استجاب لها.
الرحمة التي لم تُمنح لها قط، الرد الذي لم يصلها أبداً.
تغشى بصرها وانغلقت حنجرتها.
مر الوقت الماضي أمام عيني تيريز.
لم يكن وقتاً يمكن تلخيصه بكلمة “أحبك” منه أبداً.
وقت الألم والدموع، أو الوحدة.
مسحت تيريز دموعها المتدفقة وأجابت:
“تقدم لي ما كنت أتمناه بشدة، فقط عندما لا تعود تريده… هل تشعر بالارتياح الآن؟ بعد أن قلتَ كل ما تريد قوله؟”
رغم أنها لا تريد البكاء، استمرت الدموع في الانهمار.
كان المرهُم لزجاً على راحتي يديها المحمرتين من الحرارة.
لابد أن وجهها أصبح أحمر من ارتفاع الحرارة أيضاً.
لابد أنها بدت مضحكة.
“…إلى متى تريد أن تجعلني أبدو سخيفة؟”
أرادت أن تتحدث بثقة، لكنها شعرت وكأنها تصبح حمقاء وغبية بمجرد وقوفها أمام ذلك الرجل.
يتلاشى المنطق، وتنغلق الشفاه.
تشعر وكأنها طفلة تئن وتصرخ دون توقف.
“ليس الأمر كذلك.”
قال دينيس وهو ينظر إليها بوجه حزين.
“إذا قلتِ ذلك… هل كنتِ تعلمين أنني سأقول أحبك أيضاً؟”
صرخت تيريز تاركة دموعها المتدفقة.
“محال! لا تقل إنك تحبني لأنه لن يكون هناك رد ستحصل عليه مني.”
خرجت تيريز من المنزل مسرعة.
بدا وكأنه يلحق بها، لكن عندما هربت تيريز إلى وسط الغابة، لم يعد قادراً على ملاحقتها.
ذهبت إلى أسفل الشلال الذي اعتادت الذهاب إليه كثيراً، وغسلت وجهها المغطى بالدموع.
حتى المرهم الذي وضعه عليها جرفته المياه كلها.
كانت سعيدة لأنها استطاعت مقابلته مرة أخرى، وسؤاله عن أحواله التي اعتقدت أنها لن تسألها أبداً.
لكنها كانت تكرهه بشدة لأنه يسألها الآن إن كان يمكنه أن يقول إنه يحبها.
بهذا التأخير، بوجهه الحنون، وبمظهره البائس…
مهما كانت تيريز قد اشتاقت إلى دينيس خلال العامين الماضيين، فلا يمكنها أن توافق على قوله لمجرد سماع تلك الكلمات.
ما قاله لم يكن موضوعاً بسيطاً يمكن التلفظ به بعد أيام قليلة من لقائهما مرة أخرى.
بل على العكس، حين رأته يتلفظ بكلمة الحب بسهولة، شكت في أنه صادق في مشاعره.
ألم يكن هو الشخص الذي لم يعطها أبداً ما كانت تتوق إليه طوال حياتها الزوجية…؟
فقط لأنه نفسه لم يكن يؤمن بهذه الكلمة.
لذا، ربما كانت كلماته لها مجرد اندفاع مؤقت، أو نزوة عابرة.
لا يزال من الصحيح أن يعود إلى حياته.
كان ذلك هو الاستنتاج العقلاني.
حدقت تيريز في الشلال المتدفق بذهول، وحاولت تهدئة نفسها.
يبدو أنها تظهر دائماً بشكل غير عقلاني، وانفعالي، وعاطفي أمام ذلك الرجل.
أرادت أن تظهر بأفضل صورة فقط، ولم تكن بحاجة إلى الهرب كالطفل…
لكن يبدو أنها تصبح شخصاً تافهاً وأحمقاً باستمرار أمام ذلك الرجل.
“…علي العودة.”
قالت تيريز لنفسها بلا قوة.
جفَّت دموعها ولم يعد لها أثر.
مرت ساعة تقريباً منذ خروجها من المنزل، وتساءلت متى يكون الوقت المناسب للعودة.
لن يتمكن من المجيء إلى هنا للبحث عنها، لذا يجب عليها أن تعود.
لكن من المحرج أن تواجهه بعد عودتها بساعة واحدة فقط.
ولا تعرف ماذا تقول له إذا قابلته.
إذاً، هل الهروب من المنزل شيء يفعله فقط من جربوه…؟
فكرت تيريز في أفكار تافهة واستلقت على ظهرها.
تعلمت الآن أنه لن يحدث شيء كبير إذا استلقت، فليس هناك من يراقبها.
“الطقس جميل حقاً…”
كانت السحب تمر عبر الأشجار الشاهقة التي تبدو وكأنها تخترق السماء.
أغلقت تيريز عينيها.
شعرت بمرور الرياح على أنفها.
وبينما كانت مستلقية بهدوء، هدأ قلبها وأصبح مطمئناً.
سمعت صوت تغريد الطيور في الغابة.
يبدو أن أي شيء ليس مهماً جداً في وسط الغابة.
وهكذا، بينما كانت تيريز تنوي إغلاق عينيها للحظة فقط، غفت.
بعد مرور بعض الوقت، استيقظت نعسةً على صوت يناديها.
“تيريز! أين أنتِ؟”
كان صوت إلودي.
فركت عينيها ونهضت من مكانها.
يبدو أنها غفوت حينما استلقت للحظة.
نفضت تيريز فستانها ونهضت من مكانها.
ثم صاحت لتنادي إلودي.
“آنسة إلودي!”
وعندما ظهر شعر إلودي البني من الجهة الأخرى، لوَّحت بيدها.
حينئذٍ، ركضت إلودي التي اكتشفت تيريز وصعدت وهي تلهث.
التعليقات لهذا الفصل " 115"