لم أكن لأتخيل في أحلامي أن يأتي يومٌ أسألُه فيه: “هل كنت بخير طوال السنتين الماضيتين؟”
راحت تيريز تتجرع الشاي، وكأن شيئاً ما يقف في حلقها دون أن تدري.
فأجابَ ببرود:
“كما ترين.”
“إذاً، كنتَ بخير.”
“إذا بدا لكِ الأمر كذلك.”
ثم حوّلَ الحديث:
“وماذا تفعلين عادةً لقضاء الوقت؟ سمعتُ أن معظم سكان هنا صيّادون.”
“أجمع الأعشاب وأبيعها وأقدّم النصائح لقاء أجرٍ أحياناً.”
“أي نوع من النصائح؟”
“نوعيات مختلفة سكان الجزيرة بسطاء، لذا فهم عرضة للخداع بسهولة.”
“……”
انقطع الحديث بينهما.
وظل الحوار يدور في فلك بعيد، بعيداً عن كل ما يود كلٌ منهما سؤال الآخر عنه.
أكانت الأيام ثقيلة عليه؟
وهل فكر بي قليلاً، حتى لو قليلاً…؟
أمثال هذه الأسئلة التي لا يجوز طرحها، كانت تيريز تودّ لو تسألها.
لكنها ظلت تتجرع الشاي الساخن بلهف كي تمنع تلك الأسئلة التي تقفز إلى ذهنها فجأة من الانبعاث على لسانها. ثم قالت، وكأن شيئاً خطرَ لها فجأة:
“أتريد كوباً آخر من الشاي؟”
“لا.”
هزّ رأيه.
وعاد الصمت.
غمرَ الدفءُ المكان.
لكن المطر لم يتوقف، وظل يهطل بشدّة وصخب.
ومع كل هطلة، كان الماء يتساقط في الدلو: طَقْ… طَقْ… طَقْ، وكأنه يعزف موسيقى.
لم تدْرِ ماذا تقول.
وفي خضم ذلك الصمت الخانق الذي أشعرها بالاختناق شيئاً فشيئاً، وبينما كانت تفكر فيما إذا كان عليها أن تقول شيئاً – أي شيء – دقّ أحدهم الباب.
هرعت تيريز وفتحت باب المدخل، فوجدت إلودي ترتدي معطف المطر وتحدّق بها بينما تحتضن شيئاً ما.
“آنسة إلودي! والمطر يهطل بهذا الشكل! تعالي إلى الداخل بسرعة.”
“أحضرتُ هذا لعشاء اللي—”
وعندما أدخلتها إلى الداخل، اتسعت عينا إلودي من الدهشة؛ فقد ظنت أن المنزل خالٍ.
وكان دينيس مثلها في الدهشة.
فمن كانت تيريز تدخلها بحنانٍ هي فتاةٌ ذات وجهٍ طفولي.
“…….”
“آه، أهلاً.”
حينما خلعت إلودي معطف المطر وحيّت دينيس بوجهٍ مرتبك، ردّ دينيس التحية.
ثم حدّقت إلودي في وجه دينيس ملياً، وعندما أدركت من يكون، صرخت في ذهول:
“ه- هل أنتَ ذاك! ذاك الـ.. الـ.. الذي في الجريدة!”
“آنسة إلودي، أعطيني معطف المطر.”
“الـ.. الـ.. رئيس الوزراء الـ.. الـ.. الذي في الجريدة!”
“نعم، هذا صحيح آنسة إلودي، اجلسي هنا قليلاً.”
أخذت تيريز الخبز الطازج الذي أحضرته إلودي إلى المطبخ.
وبعد أن بقِيَ إلودي ودينيس وحدهما، اقتربت إلودي منه بعينين مليئتين بالفضول وسألته:
“أليس كذلك؟”
ماذا سينفع النفي بعد أن اكتشفت الحقيقة كلها؟
“أجل.”
“ولكن! لماذا! أنتَ هنا! آه!”
ثم صفقت إلودي بكفّيها وعبّرت بنظراتها أنها فهمت شيئاً.
“الزوج السابق! لـ تيريز!”
لم يعجب دينيس ذلك اللقب، لكنه لم يستطع سوى أن يهزّ رأسه موافقاً.
“إذاً، لكن لماذا أنتَ هنا؟”
“آنسة إيلودي، اشربي الشاي أولاً.”
عندما قدمت تيريز الشاي لإيلودي، انقطع الحديث.
“المطر شديد هكذا، كان عليكِ أن تأتي غداً.”
عندما وبّختها تيريز، ردت إلودي بفخر:
“أعدّت صاحبة النزل الكثير من الخبز.”
“فهمت، سيغادر هذا الرجل عندما يتوقف المطر.”
بهذه الجملة، أنهت تيريز استفسارات إلودي.
فأجاب دينيس وهو يطلق زفيراً:
“… صحيح أنا ضيف عابر، سأرحل ولكن، ما هي علاقتكِ بـتيريز، يا سيدتي؟”
عندما سأل دينيس، أجابت إلودي بحماس:
“إيلودي! أنا أقرب صديقة لتيريز في الجزيرة!”
“هذا صحيح آنسة إلودي هي من أنقذتني حين لم يكن لديّ مكان أذهب إليه.”
“رائع. إنها مُنقِذة حياتكِ، إذاً.”
عندما أومأ دينيس برأسه وأظهر آدابه، احمرّ وجه إلودي.
ذلك لأنها، خلال عيشها في الجزيرة، عاشت بعيداً عن حياة الصالونات الاجتماعية أو قواعد السلوك الرسمية.
والتحية التي أظهرها دينيس لإلودي كانت شيئاً لم ترَ مثله في حياتها من قبل.
كانت تحية أمير حقيقي، كما تراه أحياناً في الكتب أو الصحف.
آداب دينيس التي تعلّمها بصرامة في القصر وارتّسخت في جسده، حتى في أبسط صورها، كانت أنيقة جداً وجميلة.
أما وجه إلودي المحمرّ، فقد أصبح قرمزياً لدرجة أنه كاد ينفجر في الحال.
إذا تُركت هكذا، ستصبح إلودي مثل تلك السيدات الكثيرات المنتشرات في العاصمة اللاتي يعانين من آلام القلب.
لصرف نظر إلودي بسرعة، خاطبتها تيريز:
“لا تسخر منها آنسة إيلودي، هل نتناول العشاء ثم تذهبين؟”
أجابت إلودي، التي استعادت وعيها بصعوبة:
“حسناً! هذا ما أتيتُ من أجله.”
عندما ذهبت تيريز وإلودي إلى المطبخ لتحضير العشاء، تبعهما دينيس.
“أيمكنكما أن تتفضّلا وتُظهرا هذه الرحمة لمسافرٍ بلا مأوى أيضاً، يا سيدتي.”
قال ذلك وهو يتظاهر بتعبيرٍ بائس وإيماءات مبالغ فيها.
“……”
كم مرة سقطت في فخ ذلك التعبير!
رغم تفكيرها هذا، إلا أن قلبها لانَ أمام وجهه الحزين.
رغم أنها تعرف أنه من المستحيل ألا يكون له مكان يذهب إليه…
حتى لو استوقف أي شخص في الطريق وطلب منه المبيت لليلة واحدة، لاستجابوا له.
لأنه كان محبوباً جداً من الشعب.
وبينما كانت تيريز تتردد، أجابت إلودي بسرعة:
“إذا ساعد في غسل الأطباق! لا بأس، أليس كذلك يا تهيز؟”
“حسناً.”
أومأت تيريز رأسها بتردد.
يبدو أن هذا القدر مقبول.
فردّ على ردّها برفع زاوية فمه، وبأدب بالغ:
“بالتأكيد. شكراً لكما، أيّتها السيدتان اللطيفتان.”
لم يكن تحضير العشاء صعباً.
كان عبارة عن الخبز الذي أحضرته إلودي في منتصف الطاولة، مع الشاي الساخن والنبيذ، وشوربة الخضار المطبوخة بزيت الزيتون مع الفطر والجبن.
ساعد دينيس إلودي في تقشير البصل، وأضاف حطباً إلى الموقد.
تذوّقت تيريز شوربة الخضار ثم ملأت الأطباق.
حملت إلودي الشوربة التي أعدّتها إلى طاولة الطعام.
وبذلك اكتملت وجبة العشاء الغريبة لثلاثتهم: تيريز، وإلودي، ودينيس.
“تفضّل.”
عندما قدمته تيريز، تناول دينيس ملعقةً من الشوربة ووضعها في فمه.
كانت تراقب تعابيره بقلق.
رغم أنها وجدتها لذيذة حسب ذوقها، إلا أنها شعرت أنها فقيرة جداً بالنسبة لرجل اعتاد تناول أطعمة فاخرة باهظة الثمن.
“تيريز. إنها لذيذة. شكراً لك.”
ابتسم دينيس وهو ينظر إليها.
عندها فقط بدأت تيريز تناول الطعام.
وتناولت إلودي، التي كانت تراقبهما باهتمام، عشاءها بهدوء.
وحتى بعد انتهاء العشاء، لم يتوقف المطر.
“يبدو أنه خفّ قليلاً…”
مدّت تيريز يدها خارج النافذة وهمست لنفسها.
ارتدت إلودي معطف المطر واستعدت للعودة.
“طابت ليلتكِ إذاً، يا تيريز.”
“آنسة إلودي. يبدو الأمر خطيراً، ابقي ونامي هنا.”
عندما ألحت تيريز، هزّت إلودي رأسها.
“أظن أن لديكما الكثير لتتحدثا عنه سأعود إلى منزلي الآن وهو ليس بتلك الخطورة.”
وهكذا، وبعد أن قالت إيلودي ذلك بشجاعة، ودّعت تيريز مجدداً وخرجت مسرعة.
نظر دينيس، الذي كان يغسل الصحون ويضعها في الخزانة، إلى تيريز وسأل:
“وماذا عن السيدة؟”
“… عادت إلى منزلها ماذا ستفعل الليلة؟”
“هاه؟”
سأل دينيس متظاهراً بالجهل، فردّت عليه تيريز:
“لقد حجزت مكان إقامتك، أليس كذلك؟”
فأجاب دينيس مبتسماً بخجل:
“لا.”
اتخذت تيريز تعبيراً يقول: “أعلم ذلك”.
“ألا يمكنكِ إيوائي لليلة واحدة؟ سأفعل أي شيء تطلبينه.”
عندما قال دينيس ذلك بمزاح، صرخت تيريز وهي تمسك جبينها:
“لماذا أنت فاقد للحلول إلى هذا الحد؟ ماذا كنت ستفعل لو أني طردتك؟”
“لكنكِ لن تفعلي.”
قال دينيس وهو يهزّ كتفيه.
“المطر يهطل بهذه القوة خارجاً، أنا واثق أنكِ لا تنوين طردي.”
أطلقت تيريز زفيراً وأرشدت دينيس إلى غرفة المخزن التي فكرت فيها منذ قليل.
كانت تلك الغرفة التي أعدتها لميلبي عندما زارها ذات مرة مع دانيال.
في ذلك الوقت، سمعت خبر زيارة ميلبي مسبقاً، فنظّفت الغرفة على مدار أيام.
لكنه اليوم أتى دون سابق إنذار، لذا لم تكن الغرفة مُرتبة على الإطلاق.
وبتعبيرٍ جاد وكأنها تقدم إنذاراً نهائياً، قالت له:
“إنها غرفة أستخدمها مخزناً إذا كان هذا مقبولاً بالنسبة لك، فبإمكانك النوم هنا ثم المغادرة.”
“ليس سيئاً.”
عندما قال دينيس ذلك ببرود، شرعت تيريز في ترتيب غرفة المخزن في منتصف الليل.
على أي حال، كان عليها ترتيب الغرفة بما يكفي ليمدّ رجليه ويستلقي.
جمعت الأعشاب التي كانت منشورة على الأرض، وفرشت لحافاً سميكاً.
ثم قالت تيريز لدينيس وكأنها تؤكد:
“لا سرير هنا، لا بأس بذلك أليس كذلك؟”
“بالتأكيد.”
“هاه…”
نفضت تيريز لحافاً قديماً وفرشته على الأرض.
وبينما كانت ترتب الغرفة، ساعدها دينيس أيضاً في تنظيم الأغراض.
عندما رأت الكتب والرسائل المتناثرة على الأرض، غمرها الخجل.
كان عليها ترتيبها منذ وقت طويل.
طالما عقدت النية على الترتيب، لكنها لم تستطع بسبب انشغالها بالعمل.
“سأرتبها بنفسي، اخرج للحظة من فضلك.”
قالت تيريز وهي تمنع دينيس.
لكنه أجاب وهو يضع الكتب في الأرفف:
“من المناسب أن يرتبها من سيسْتَخْدمها.”
لم تستطع تيريز منع دينيس، ونظّفت غرفة المخزن معه.
“الرسائل كثيرة جداً.”
“… بسبب العمل يبدو أننا رتبنا قدراً كافياً، فلتذهب للنوم إنها ليلة واحدة فقط.”
أجابت تيريز بفظاظة متعمّدة وسلمته وسادة وغطاءً رقيقاً كانت قد غسلتهما.
“نم جيداً.”
وقبل أن يتمكن دينيس من قول أي شيء، عادت تيريز إلى غرفتها.
“……”
لم يعد لها الإحساس بالواقع بعد.
تمايلت تيريز في الغرفة ثم جلست على السرير فجأة.
“إنه حقاً يوم غريب.”
همست لنفسها وهي تمسك رأسها الذي كان يدور وكأنه في دوامة.
لم تشعر بعد أن حقيقة وجوده في تلك الغرفة تبدو واقعية.
حدّقت تيريز في الباب.
لقد جاء إلى هذا المنزل الآن، إنه هناك خلف هذا الجدار…
هل يوجد شيء في هذا العالم ظننت أنه مستحيل الحدوث مثل هذا؟
علاوة على ذلك، من الصباح حتى الآن، كان اليوم مليئاً بأمور غير مفهومة.
زيارة سيلبانغ لها والتحدث بطريقة غامضة، ثم خروجها للبحث طويلاً لتتحقق من تفاصيل القصة، ثم وجوده أمام منزلها وهو يقطع الحطب…
أجبرت تيريز نفسها على النوم.
وظل صوت المطر يدق على السقف طوال الليل.
(يُتبع في الفصل القادم)
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 114"