غادرت تيريز هاكان وعادت إلى كوخها الصغير في ساعة متأخرة من الليل.
على الرغم من أنها تركت المنزل لبضعة أيام فقط، إلا أن رائحة عفونة استقبلتها عند فتح الباب.
جلست ببطء على السرير.
شعرت وكأنها غابت عن هذا المكان لفترة طويلة للغاية.
كم اشتاقت لهذا المساحة الصغيرة…!
عندما رأت الطاولة الموضوعة في مكانها، والوعاء الصغير، والسرير، شعرت حتى بشوقٍ مؤلم.
استلقت تيريز كما لو أن قواها قد نضبت من جسدها بأكمله.
ثم حدقت في السقف بذهول.
“…”.
كان الكوخ الذي لم تُشعل فيه الأنوار مظلماً تماماً.
تدريجياً، تسلل ضوء القمر الساطع عبر نافذة الغرفة المعتمة.
حاولت تيريز ترتيب أفكارها.
لكنه لم يكن أمراً سهلاً لأن الكثير من الأحداث وقعت دفعة واحدة.
علاوة على ذلك، مهما حاولت التفكير في شيء آخر، فإن وجهه كان يعود ليطفو في ذهنها باستمرار.
ذلك الوجه المجروح الذي سألها إن كان من الممكن ترك الماضي وراء الظهر…
لقد تجنبت ذلك الوجه الذي بدا متألماً للغاية بكل ما أوتيت من قوة.
حولت تيريز نظرها نحو أسفل، لتحدق في قدمها التي ما تزال ملفوفة بالضماد.
لو لم يظهر هو في تلك اللحظة، لربما ضاعت في تلك الغابة.
في تلك اللحظة التي ضلت فيها الطريق وجُرحت قدمها، تحول خوفها عندما ظنت أن شخصاً غريباً يقترب منها، إلى ارتياح حين رأته.
تذكرت كل شيء بوضوح: وجهه القلق وهو ينظر إلى قدمها المصابة، ويده التي لامستها بخفة وكأنه يسندها، وذاتها في تلك اللحظة التي بدت فيها مرتبكةً للغاية.
ألم يكن اعتقادها بأنها نسِيته وأصبحت بخير، مجرد نتيجة لأنها دفعت كل تلك المشاعر إلى أعماق قلبها وتجنبتها؟
“…”.
لأنها ببساطة لم تكن تملك الشجاعة لتحمل تلك المشاعر…
ولكن حتى لو فعلت، فما الذي كان بوسعها أن تفعله؟ حتى لو نظر إليها بتلك النظرة الحنونة، فقد انتهى كل شيء الآن.
كان لديه مكان يجب أن يعود إليه.
كان عليه أن يعود إلى حياته الأصلية، وعليها هي أيضاً أن تعود إلى روتين حياتها اليومية.
هذا هو الصواب، وهي تعرف أنه الصواب، فلماذا إذاً، عندما تتذكر وجهه، تندفع مشاعرها بشكل لا يمكنها السيطرة عليه…
“لا، لا ينبغي هذا.”
هزت تهيز رأسها بعنف وأغلقت عينيها بشدة.
ثم بذلت جهداً كبيراً لتحجب الأفكار التي حاولت التدفق نحوه.
كان عليها أن تنسى.
كان عليها أن تنسى وجهه، وكلماته الدافئة، ودفئه.
كل شيء.
لكنها تذكرت الكلمات التي قالتها له.
الكلمات التي كانت في الحقيقة موجهة لها هي أيضاً.
تذكرت فقط تلك الكلمات القائلة إن الوقت سيمكنها من النسيان.
همست بكلمات صغيرة لنفسها:
“كل ما نحتاجه هو وقت للنسيان فقط.”
استدارت تيريز على جانبها في محاولة لتشتيت الأفكار التي احتلت رأسها.
***
في عمق الليل، كان الوجه المألوف هو ما أوقف خطوات جيزيل وهي تتجول في شوارع الليل جائعة.
“أنخيل!”
نادت جيزيل أنخيل باسمه بوجهٍ فرح.
بقي أنخيل ساكناً حتى بعد سماع صوتها، ولم ينظر إليها إلا بعد أن نادته مرة أخرى.
تحدث بوجه بارد بشكل غريب:
“ما الذي تفعلينه هنا، سيدتي؟”
“وأنت يا أنخيل، عدت إلى العاصمة دون أن تخبرني؟”
كان كلام جيزيل حاداً، لكن أنخيل ضحكة ساخرة وتجاهل الأمر.
“أهكذا تخلّصتِ من تلك التحيات التافهة الآن؟”
صاحت جيزيل رداً على كلام أنخيل:
“هل هذا مهم الآن؟ لماذا عدت دون أن تخبرني؟”
“كان لدي بعض الأمور.”
أجاب أنخيل بلهجة متلاعبة وغير محترمة، ثم أضاف:
“وعلاوة على ذلك، لم تعودي تملكين المال لتعطيني إياه، أليس كذلك؟ إذاً يجب أن أبحث عن طريقة لأعيش حياتي أيضاً.”
“… هذا!”
“على الأقل أعطيتِني مالاً كثيراً فقمتُ بعملي بجسدي، هل كنتِ تتوقعين حتى الولاء مني؟ يا للسذاجة.”
ارتجف جيزيل من سخرية أنخيل وضمّت قبضتيها بشدة.
“أيتها السيدة الساذجة هذا المظهر يناسبكِ تماماً الآن.”
نظر أنخيل إليها من أعلى إلى أسفل وهو يضحك عليها بوقاحة.
“أطبق ذلك الفم.”
“نعم. سأفعل.”
أصيب كبرياء جيزيل بجرحٍ عميق.
“آه. ليس لديكِ مكان تنامين فيه، أيتها السيدة.”
“… هذا صحيح.”
أجابت جيزيل بصوت خافت.
“وأين تسكن أنت؟”
“أسكن مع بعض الأصدقاء.”
“أحقاً؟”
ردت جيزيل بوجهٍ مشكك.
هل كان لأنخيل أصدقاء في العاصمة؟
لم ترَه قط يلتقي بأحد بشكل خاص.
“يمكنك بالتأكيد أن تقدم لي غرفة، أليس كذلك؟ ليس لدي مكان أنام فيه الليلة.”
رفعت جيزيل رأسها بتعالٍ وقالت:
“والصغير في بطني يقول إنه جائع، لذا قدم لي شيئاً آكله أيضاً.”
“إذا كنتِ تريدين، فسأرشدكِ.”
سواء كان كلامه عن العيش مع أصدقائه صحيحاً أم لا، فإن القصر الذي أرشدها إليه كان يعيش فيه عدد غير قليل من الناس.
“أين هذا المكان؟”
“إنه منزل أملكه، سيدتي.”
كان أكبر مما كانت تتوقعه.
“ومن أين أتيتَ بمال لشراء قصر بهذا الحجم؟”
عندما سألته جيزيل مذهولة، رد أنخيل ببرود:
“أنتِ من أعطيتنيه، سيدتي لقد تركتِ لي كل شيء، الجواهر والحسابات المصرفية، كلها.”
كان أنخيل يبتسم لها ابتسامة عريضة.
بينما كان يرشدها إلى إحدى غرف القصر.
من طريقة توجيهه الطبيعي، بدا أنها الغرفة التي يستخدمها.
كان في الغرفة طاولة وأريكة على الطراز القديم، وصورة تبدو باهظة الثمن معلقة على الحائط.
“متى فعلتُ ذلك؟”
“ألم تفعلي؟ لقد كان الأمر كذلك منذ سنوات عديدة.”
كان ذلك صحيحاً.
في البداية، كانت تدير الجواهر والأموال بنفسها، لكنها تدريجياً سلّمتها لأنخيل.
طبعاً، كان ذلك نابعاً من إيمانها بأنه لن يخونها أبداً.
عندما رأت الغرفة المزينة بأناقة، اشتعلت عينا جيزيل غضباً.
بأي مالٍ كل هذا!
هل يعني هذا أنه بينما كنتُ أنا أتسول وأبحث في القمامة، كان هو يعيش ويأكل في غرفة جميلة كهذه؟!
“هل أنت في عقلك؟ هذا مالي، أم مالُك؟”
“أنتِ من علمتني، سيدتي، أنه يمكن أخذ الأشياء التي لا تملك صاحباً أنا مالك هذا المنزل.”
“…”
حدقت جيزيل بأنخيل وهي تلهث.
“وأرجو أن تتصرفي بأدب تجاهي داخل نطاق ملكيتي وإلا قد تتعرضين ‘للتربية’.”
نظر أنخيل إليها بنظرة تهديد.
حاولت جيزيل ألا تذعر، لكن نظرته المتعالية أخافتها، فحاولت الإجابة وكأن شيئاً لم يكن:
“هل فعلت شيئاً خاطئاً؟ يا لهذا الكلام البذيء!”
“يبدو أن عليكِ تحسين أسلوب حديثك أولاً بما أن الكلمات لا تجدي، فبالطريقة التي اعتدتِ عليها.”
ذهب أنخيل إلى أحد الأدراج وأخرج شيئاً ما.
كان صندوقاً بحجم مألوف.
“لنرى ذلك ببطء، سيدتي.”
أخرج أنخيل سوطاً ملتفاً كالأفعى، وكأنه شيء ثمين للغاية.
“أنت، أنت مجنون!”
“كلا. أنتِ من تتصرفين بوقاحة دون معرفة مكانتك، سيدتي.”
هوى أنخيل السوط بيدٍ خبيرة.
تلمع عيناه بشكل غريب.
***
كان ليلاً طويلاً.
تمكنت جيزيل بالكاد من الهروب من القصر.
كان الدم يسيل من جسدها بأكمله.
وذلك لأن أنخيل استخدم السوط عليها بلا رحمة تحت ذريعة “التربية”.
“لن أسامحك أبداً!”
خرجت جيزيل بحذر بينما كان أنخيل نائماً.
كان الأمر مؤلماً ومحزناً.
لم تستطع جيزيل فهم سبب حاجتها لتلقي مثل هذه المعاملة.
لماذا يجب أن أتلقى الضرب بالسوط؟!
وبملابسها الممزقة التي أصبحت أشبه بخرق بالية، تحركت جيزيل بعيون متقدة غضباً بصعوبة بالغة.
في الصباح الباكر الخافت، انزعج الناس الذين رأوها وهم يذهبون إلى أعمالهم واحداً تلو الآخر وتجنبوها.
قررت جيزيل الذهاب إلى مركز الشرطة للإبلاغ عن أنخيل.
لا يمكن تركه يتجول في الشوارع بسلام بعد أن اعتدى على شخص بريء بهذه الوحشية.
في الماضي، كانت ستأمر أحداً بمعاقبته، لكن لم يتبقَ لها سوى جسدها فقط.
لذا كان عليها أن تستعين بسلطة الدولة على الأقل.
عندما دخلت مركز الشركة وهي تكاد تزحف، نظر إليها رجال الشرطة بوجوه مذهولة.
“لقد تعرضت للاعتداء!”
صرخت جيزيل بصوت مكتوم.
أجلسها رجال الشرطة الذين رأوا حالها على كرسي وناولوها الماء.
كانت على وشك البكاء بسبب لطفهم.
شرحت جيزيل القصة من البداية إلى النهاية.
طبعاً، بعد أن طلبت بضع قطع من الخبز لأنها لم تأكل شيئاً منذ أيام، تمكنت من شرح الحقيقة.
استمع رجال الشرطة حتى إلى وصف مظهره وقالوا إنهم فهموا.
ثم سألوها عن هويتها.
كانت إجراءات روتينية.
“أنا جيزيل لوماكسين.”
عندما ذكرت جيزيل اسمها، تغيرت تعابير وجوه رجال الشرطة في لحظة.
“إذاً، انتظري قليلاً.”
أصبح رجال الشرطة فجأة مشغولين، وخرج أحدهم على عجل.
أمسك أحد رجال الشرطة بكتفها وقال:
“نحتاج إلى بعض الوقت، انتظري هناك.”
كان المكان الذي أشار إليه الضابط هو الزنزانة الموجودة داخل مركز الشرطة.
قبل أن تتمكن جيزيل من الرد، وضعها الضابط في الزنزانة وأغلق الباب.
“لماذا تسجنونني هنا؟!”
صاحت جيزيل مطالبته بإطلاق سراحها على الفور، لكن الضابط تركها قائلاً إن عليها الانتظار قليلاً فقط وذهب إلى مكان ما.
استنفدت جيزيل قواها وغلبتها عيناها فنامت في الداخل.
كم من الساعات مرت؟
فتحت جيزيل جفنيها بصعوبة.
لكن المشهد أمام عينيها لم يكن مركز الشرطة الذي نامت فيه.
مكان أكثر ظلمة، ورطوبة، وبرودة…
“أين هذا المكان؟”
همست جيزيل بصوت منهك.
عندها اقترب منها أحدهم وخاطبها.
كان وجهه مألوفاً، قد رأته في الجريدة.
“القدوم إلى مركز الشرطة؟ يا له من غباء.”
كان ذلك الوجه لهنري.
لم يكن عقل جيزيل الذي استيقظ لتوه يعمل بشكل جيد.
ماذا يعني؟ من يكون هذا الشخص هنا؟
“أين نحن؟”
“أين؟ في زنزانة تحت الأرض.”
أضاف هنري بوجهٍ مبتهج:
“لنبق هنا بضعة أشهر ثم نذهب للمحاكمة لقد قبضنا على معظم النبلاء تقريباً.”
“ماذا؟”
“هل نعطيك حكماً بالإعدام؟ أم بالسجن مئة عام؟ فقط قولي ما تريدين.”
“لا تتحدث بكلام مجنون!”
“كلام مجنون؟ يا لهذا الكلام المحزن قال السيد قبل فترة إنه رآكِ، وها أنتِ تقعين في يدي! سأنام اليوم مرتاحاً.”
“ماذا قلت؟”
“طابت ليلتكِ!”
ابتسم هنري وذهب.
بعد مرور بضعة أشهر، حُكم على جيزيل لوماكسين بالإعدام.
وظهر ذلك لأنها كانت قد اختلست ودائع العملاء، التي هي أموال بنك لوماكسين، واستخدمتها لأغراض شخصية.
وبسبب ذلك، أُجبر أشخاص خسروا ثرواتهم بين عشية وضحاها على النزول إلى الشوارع.
بلغ عدد الضحايا آلافاً.
وانتحر بعضهم بسبب اليأس من وضعهم.
ولأن حجم الجريمة لم يكن صغيراً، حُكم على جميع أفراد عائلة لوماكسينغ بالإعدام.
علاوة على ذلك، خلال التحقيق مع الشرطة، ألقى الكونت لوماكسين بنفسه إلى حتفه دون أن يترك رسالة انتحار.
ومضت جيزيل نحو المقصلة وهي تلوم أباها، دون أن تعرف تلك الحقيقة.
(يُتبع في الفصل القادم)
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 112"