مرت عدة أيام منذ نزول الوفد من العاصمة.
ولا تزال تيريز عاجزة عن مغادرة غرفتها.
يبدو أن هاكان قد أمر رجاله بعدم السماح لها بالخروج.
ولهذا السبب لم تكن تعلم شيئاً عن سير الأحداث.
بدأ القلق يتسلل إلى نفس تيريز تدريجياً.
لدرجة أنها صارت تتمنى حدوث شيء ما، أي شيء.
وفي صباح أحد الأيام، بينما كانت تتناول الإفطار مع هاكان كالعادة، قدم رسول وزير الخارجية رسالة إليه.
كانت تدعوه إلى اجتماع في قاعة المفاوضات صباح الغد.
«لقد انتظرت طويلاً.»
وكأنه كان ينتظر هذا، ارتسمت على وجه هاكان ابتسامة راضية.
«تيري ستأتين معي.»
«نعم. حسنًا.»
أجابت وهي تبتلع ريقها الجاف.
لقد حان دورها أخيراً للظهور أمامه.
غشيت ملامح تيريز سحابة من التوتر.
ألبس هاكان تيريز زيَّاً على الطريقة الهوانية ثم اصطحبها إلى مكان المفاوضات.
سارت تيريز منخفضة الرأس خلف رجال هاكان.
عندما رأى الوفد القادم من العاصمة وجهاً مألوفاً بين مجموعة من الغرباء، ارتسمت على وجوههم تعابير الذهول.
حتى أن سيلبانغ أسقط الورق والقلم اللذين كان يحملهما من شدة الدهشة.
“إنها…”
تعذر على الجميع استكمال جملهم.
شخص لا يمكن وصفه بأي لقب.
المرأة التي كانت زوجة رئيس الوزراء السابق، والمذنبة.
«إنها مترجمتي.»
قال هاكان ذلك ورفع زاوية فمه مبتسماً.
بدا في غاية السرور، واثقاً من أن ورقة الرهان التي أخفاها بعناية قد أصابت الخصم بالصدمة.
“……”
جلست تيريز بأدب خلف هاكان محدقةً في الطاولة فقط.
لم تكن تملك الجرأة للتأكد.
ما التعبير الذي قد يكون على وجهه؟
أطبقت جفنيها ثم رفعت رأسها.
كان هو جالساً في المقعد الرئيسي بقاعة المفاوضات محدقاً في الأوراق فقط.
فتح هاكان فمه أولاً بصوت منخفض يشبه زمجرة وحش.
«إن سقوط مملكتكم فالوا أمر مؤسف ولكنني في غاية السرور لأن اتفاقية الهدنة قد ألغيت بسببه.»
ثم نظر إلى تيريز وأشار بذقنه.
إشارة للترجمة.
نظمت تهيز كلمات هاكان المتغطرسة ونطقت بها.
“… نظراً لإلغاء اتفاقية الهدنة، نطلب إعادة التفاوض بشأنها.
بدأت المفاوضات، وكان صوتها يرن بخفوة في كل مرة تترجم فيها كلام هاكان.
شعرت أحياناً بنظرات دينيس تتجه نحوها.
في تلك اللحظات، كانت كلمات تيريز تتباطأ دون وعي منها.
«جمهوريتنا هي الوريثة لبورواز، لذا فإن مفاوضات الهدنة لا تزال سارية.»
قال وزير الخارجية وهو ينظر إلى تيريز.
عندما ترجمت كلماته، أجاب هاكان ضاحكاً:
«أنا لا أعترف بجمهوريتكم لمَ يجب عليَّ قبول التفاوض؟»
“……”
نظر هاكان حول القاعة بنظرة ازدراء.
«تيري. انقلي كلامي. كاملاً دون نقص.»
عندما حدق هاكان فيها، فتحت تيريز فمها بالقوة.
«… تمت مفاوضات الهدنة مع ملك بورواز. لذلك يصعب علينا الاعتراف بأن التفاوض لا يزال سارياً.»
“……”
مرت عدة جولات من المناقشات.
تصادمت وجهتا نظر متعارضتان: جانب يصر على الاعتراف، وجانب يرفض ذلك.
«لنأخذ استراحة قصيرة ونستأنف بعد الظهر.»
أُعلن عن استراحة قصيرة.
بعد انتهاء المفاوضات المترددة، عاد هاكان إلى الغرفة واستدعى تيريز.
ثم نظر إليها وضحك بصوت عالٍ.
«لقد رأيت تعابير وجوه أولئك الأوغاد، أليس كذلك؟ هاه؟ وجوه مذهولة!»
«نعم.»
«لا تغادري جواري لحظة واحدة أفهمتِ؟ ستحضرين حفل العشاء الليلة أيضاً، أليس كذلك؟»
«عذراً، سيدي هاكان. لست على ما يرام.»
قالت ذلك وهي تمسك رأسها.
كانت تعاني من صداع.
فعبس هاكان وجهه ولمس وجهها.
«أين يؤلمكِ؟»
«إنه صداع فقط.»
تذمر هاكان.
«واهنة للغاية. أليس هذا حال سكان القارة؟ بشرتهم شاحبة وكأنهم على وشك الموت.»
“……”
كان هاكان ينتقد لون بشرتها الأبيض الأصلي.
ففي هو إنأن، يميلون إلى اعتبار النساء ذوات البشرة الداكنة جميلات.
حاولت ألا تظهر مشاعر الاستياء أمام هاكان.
«حسناً. استريحي إذاً. فلدينا ما نفعله غداً أيضاً.»
ربت هاكان على كتف تيريز انحنت تيريز أمامه ثم عادت إلى غرفتها.
حل وقت العشاء، فدخل أحد رجال هاكان – الذي صارت تعرفه الآن – وسلمها الطعام.
«أمرني سيدي هاكان أن أعتني بطعامكِ.»
«شكراً لك. هل تعلم ماذا يفعل الآن؟»
«يحتفل في وليمة مع أولئك الأوغاد من فالوا. لا أدري كيف يمرر الشراب ووجوههم أمامه لا تفكري في الخروج وابقِي في الغرفة.»
كان ذلك الطعام من نوعية أطباق البدو التي يحبونها، وليس طعام القارة الذي اعتادت عليه.
لا يمكنها تناوله بشكل صحيح.
كان الأفضل لو قدموا لها فواكه غير مطبوخة أو عصيراً.
استلقَت تهيز على جانبها على السرير دون حتى النظر إلى الطعام الذي قدمه رجل هاكان.
لم يكن لديها أي شهية على الإطلاق.
كان وجهه الذي رأته لفترة وجيزة في قاعة الاجتماعات يعود إلى ذهنها مراراً.
«… كأنه شخص غريب.»
حين نطقت تيريز بهذه الكلمات، غمرها شعور بالحزن فجأة.
ليس هناك ما يدعو للحزن.
أليس كذلك؟
فالعلاقة بينهما انتهت، فما الجديد الذي يدعو للحزن؟
بذلت تيريز جهداً كبيراً أثناء جلوسها بجانب هاكان في قاعة الاجتماعات لتجنب النظر نحو دينيس.
ومع ذلك، كانت عيناها تعودان إليه مراراً.
كطفل يعود إلى بيته عند غروب الشمس.
أطبقت تيريز عينيها بشدة.
حتى عندما أغمضت عينيها كي لا تفكر فيه، ظل حياً وواضحاً في ذهنها.
داخل عينيها المطبقتين، كانت ملامحه التي رأتها لأول مرة منذ عامين، وهيئته، تعود للحياة مراراً.
شعره الأطول قليلاً، ذقنه الأكثر حدة، صوته الهادئ.
أدركت تيريز أنها كانت تتباهى بثقة زائفة.
تلك الادعاءات الكبيرة بأنها نسيته تماماً، وأنها تستطيع نسيانه.
لم يكن الأمر كذلك على الإطلاق.
فقط لأنها اعتقدت ذلك، لأنه كان بعيداً عن ناظريها.
لأنها لم تكن تراه، استطاعت أن تعتقد ذلك.
بمجرد أن رأت هيئته، شعرت وكأنها عادت إلى الماضي. إلى تلك الأيام التي قضياها معاً، إلى ليوبرن حيث كانا معاً…
هزت تيريز رأسها. ثم شتتت أفكارها.
هذا الشعور أيضاً مؤقت.
بعد أن يغادروا، سأعود إلى حياتي.
هكذا شددت على نفسها.
ثم حاولت النوم قسراً.
بينما كانت نائمة بعمق، دخل شخص ما غرفتها ولمس وجهها.
لمسة دافئة ومطمئنة.
اتكأت تيريز دون وعي على تلك اليد.
كما في ذلك الوقت…
متى كان ذلك الوقت؟ حاولت تيريز في ذاكرتها الضبابية أن تتذكر متى كان ذلك.
ولكن الذاكرة كانت تزداد ضبابية، وكان النعاس يزداد.
حاولت جاهدة أن تظل واعية في نعاسها المتخامر.
وحاولت أن تتذكر متى كان الوقت الذي تحاول استذكاره.
ذاكرة يد تمسح شعرها بحنان، ثم تنام في أحضان تلك الذراعين.
كان ذلك الوقت.
عندما كان دينيس وهي يجففان شعريهما وينامان في نفس المكان.
مضى ماضيٌ يشبه الزمن السحيق فجأة، عابراً.
فتحت تيريز شفتيها الملتصقتين كما لو كان بهما غراء.
“أنت…”
هل هذا أنت؟
أرادت تيريز أن تسأل.
هل هذا أنت؟ الذي أمسك بكتفي في الشتاء البارد وسار…
ولكن جاء رد الطرف الآخر أولاً.
«ماذا قلتِ؟»
لغة بلد لا يمكن سماعها أبداً في ليوبرن.
«… آه.»
استيقظت تيريز من نومها فزعةً من صوت رجل غير مألوف.
الذي كان ينظر إليها ويمسح خصلة من شعرها، كان هاكان.
تحطمت وتناثرت ذكريات الماضي البعيد.
أمامها كان رجلاً غريباً من بلد أجنبي.
شخص لم يجفف شعرها قط، ولم يمسك بكتفها في الشتاء.
هزت تيريز رأسها.
أمامها كانت الواقعية القاسية فقط.
امرأة مذنبة، مطلقة تحولت إلى عامية، ساعدت بلداً عدواً.
«لا شيء.»
نهضت تيريز من مكانها.
بدا أن هاكان قد أتى إلى غرفتها مباشرة بعد انتهاء الوليمة، فقد كان تفوح منه رائحة الطعام والخمر بكثافة.
وتلك العينان اللامعتان المغطاتان بالشهوة…
تقلصت تيريز دون وعي.
لأنها شعرت بقلق كأنها ستُؤكل.
عندها سحب هاكان يده التي كانت تمسح رأسها.
ثم نظر إليها صامتاً.
ربما كان هاكان ينوي امتلاكها هذه الليلة.
في الواقع، حتى لو امتلكها بالقوة، لما كان ذلك يمثل أي مشكلة بالنسبة له.
ففي الماضي كانت أميرة، لكنها الآن مجرد عامية.
بل كان من الغريب أن هاكان تركها وشأنها حتى الآن.
في تلك اللحظة، مر وجه دينيس في ذهنها.
كان الأمر مفارقة.
أن يخطر ببالها في هذه اللحظة الرجل الذي تجاهلها طوال الوقت.
“……”
نظرت تيريز إلى هاكان وهي تقبض يديها بشكل دفاعي.
«إذا انتهى ما جئت من أجله، فارجع رجاءً. أنا متعبة.»
قالت تيريز محاولة أن تبدي شجاعة غير خائفة، ثم أدارت ظهرها.
لكن هاكان، المفترس بطبعه، التقط بسرعة رائحة القلق التي تفشت منها.
«أتظنتين أني أخاف؟ لا تجرؤي على إظهار ظهركِ أمامي.»
“……”
انقبضت تيريز على يديه القاسيتين التي أمسكتا بكتفيها.
كان كتفها المؤسر يؤلمها بشدة لكنها لم تظهر ذلك.
«لست على ما يرام.»
كانت تيريز تحاول فقط صرف الحديث.
لكن هاكان كان لا يزال ممسكاً بكتفيها.
إذا تركها هكذا، فمن الواضح أن كدمات زرقاء ستظهر غداً.
تصرف هاكان كما لو أن عدم لمسها حتى الآن كان كذبة.
كان همجياً وعنيفاً.
«أجيبي. ماذا تظنين أنني سأفعل بكِ الآن؟»
تنفست تيريز بعناية حتى لا يلاحظ هاكان، ثم أجابت.
متوسلة أن تكون إجابتها صحيحة.
«كما فعلت حتى الآن، لن تلمسني.»
ابتسم هاكان مظهراً أسنانه.
بدت أنيابه حادة ولامعة.
«لقد ظننتني رجلاً نبيلاً للغاية.»
«ألم تكن كذلك؟ أيها الملك العظيم.»
ضحك هاكان بسخرية.
ثم أزاح يده عن كتفيها.
قال هاكان بصوته المنخفض المثير للاشمئزاز:
«جئت لأن لدي رسالة لأبلغكِ إياها.»
«ما هي؟»
«طلب أولئك الأوغاد الذهاب للصيد غداً ستأتين معي.»
(يتبع في الفصل القادم)
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 110"