هل شبح “الرجل الأشقر” الذي يطوف بمبنى الحكومة حقيقي؟
منذ عهد مملكة فالوا، اشتهرت المباني الحكومية العريقة بأشباحها الكثيرة.
ولعل أشهرها على الإطلاق هو “إيميلي الباكية في ليالي الظلام”.
لكن مؤخراً ظهر شبح طفا على سمعته حتى تجاوز إيميلي، إنه “الرجل الأشقر”.
لُقّب بهذا الاسم ليس لأنه رجل أشقر، بل لأنه يطارد من يرى شعره أشقر ويصدر أصواتاً غريبة.
بسبب “الرجل الأشقر”، أُصدر تحذير لموظفي الحكومة ذوي الشعر الأشقر: مُنِعوا من العمل ليلاً.
وبما أنه يُعرف بظهوره في ساعات متأخرة من الليل، يُنصح الموظفون الأشقر بمغادرة العمل قبل غروب الشمس قدر الإمكان.
وأضاف موظف طلب عدم الكشف عن هويته مصداقيةً لوجود “الرجل الأشقر” بقوله: “استقالت مؤخراً ثلاث موظفات من ذوات الشعر الأشقر”. طلبنا من المسؤولين التأكد من صحة الخبر، لكن لم نتلقَّ ردّاً حتى بعد مرور أسبوع.
من هو “الرجل الأشقر”؟ وهل هو حقيقي؟ سنواصل التحقيق بدقة لكشف هذا الغموض.
مجلّة “رغيف” للأسرار الغامضة – الصحفي باستيان سينيه
هزّ سيلبانغ رأسه وهو يقرأ مقالاً من مجلة أسرار رخيصة تليق بعشاق نظريات المؤامرة.
“الرجل الأشقر”؟ يا له من لقب مبتذل.
حوّل سيلبانغ نظره.
على مكتبه كانت هناك مذكرة تحمل اسم “باستيان سينيه”.
الورقة المكتوب عليها: “هل الرجل الأشقر هو رئيس الوزراء؟ نطلب التحقق من الحقيقة” وألقى بها في الموقد.
أمسك سيلبانغ برأسه الذي ينبض بالألم ونظر إلى المكتب الفارغ.
مكتبٌ خالٍ منذ أيام.
مكتب رئيسه المباشر، الملقّب بـ”الرجل الأشقر”.
لقد ظلّ دينيس حبيس غرفته لعدة أيام دون حراك.
نظر سيلبانغ إلى أوراق المصادقة المتراكمة على المكتب.
أطلق تنهيدة، جمع الأوراق بين ذراعيه ونهض من مقعده.
غادر سيلبانغ مكتب العمل وتوجه إلى غرفة نوم دينيس.
حين صادف موظفين في الطريق، بدأوا يهمسون بمجرد تبادل التحيات معه.
سمع كلمتين تترددان بخفوت: “رئيس الوزراء” و”أشقر”.
انتشرت مؤخراً إشاعة غريبة في مبنى الحكومة: إشاعة عن جنون رئيس الوزراء.
وتفصيلاً للإشاعة التي يحاولون إخفاءها بحذر، يقال إن رئيس الوزراء يصاب بنوبة إذا رأى شعراً أصفر اللون.
كانت تلك الإشاعة نصف صحيحة ونصف خاطئة.
كان يصاب بنوبة لمجرد رؤية ظهر يشبه ظهر زوجته السابقة.
مُنعت النساء ذوات الشعر الأشقر من الاقتراب من مقر إقامة رئيس الوزراء.
ثم مُنع لاحقاً جميع ذوي الشعر الأشقر والعيون الزرقاء، بغض النظر عن جنسهم.
كان يصاب بنوبة إذا رأى عيوناً زرقاء تشبه عينيها، أو أحياناً إذا رأى شخصاً بطولها المماثل.
لقد مرّ شهر منذ أن نُصِحَ بالراحة العلاجية بسبب تفاقم نوباته.
في النهاية، وُضعت ستائر ثقيلة على نوافذ غرفة نومه لمنع دخول أي شعاع من الشمس، وأُزيل كل ما قد يثير نوبته.
واقتصر دخول غرفة نوم رئيس الوزراء على مساعده الشخصي فقط.
وقف سيلبانغ أمام باب غرفة دينيس.
فتح الباب بحذر، فانزلق الباب المُدهَن بلا صوت.
دخل سيلبانغ إلى الغرفة محاولاً عدم إصدار صوت.
في منتصف الغرفة المعتمة، ظهر السرير.
رائحة خانقة بسبب عدم التهوية، ورائحة قوية لعشبة النوم.
كبح سيلبانغ سعالاً كاد يندفع.
على السرير، كان دينيس نائماً كالميت.
لقد جاء على أمل أن يحصل على توقيعه على الأوراق لو كان مستيقظاً.
لكن يبدو أن اليوم ليس اليوم المناسب.
همّ سيلبانغ بالعودة دون أن يضع الأوراق التي يحملها.
لكنه سمع حفيفاً من خلفه.
التفت سيلبانغ ليرى دينيس يحاول النهوض بوجه شاحب.
فأسرع سيلبانغ بإعادته إلى الفراش.
“استرح أكثر، سيدي.”
“كم الساعة الآن؟”
سأل دينيس سيلبانغ بصوت أجش كالنهر الجاف.
“وقت العشاء قريباً.”
“…أها.”
ثم وضع دينيس يده اليمنى على رأسه.
يبدو أنه لم يستعد وعيه بالكامل.
حاول سيلبانغ إعادة إخلاده للنوم مرة أخرى.
ما الفائدة من استيقاظه الآن وهو لا يستطيع فعل شيء؟
“نم أكثر، سيدي.”
“لا داعي، كح- كح-“.
رفض دينيس كلام سيلبانغ وحاول النهوض فسعل.
ثم تناثرت قطرات حمراء فاقعة على ملاءة السرير البيضاء.
دم.
“سيدي!”
بوجه ذاهل، ألقى سيلبانغ أوراق المصادقة وأسرع نحو دينيس.
أمسك بكتفيه، فشعر بصغر الكتفين وهزالهما في يده.
لقد نَحَلَ حتى أصبح من الملموس عظامه، وهذا بعد سنتين.
اعتاد سيلبانغ على رؤيته قوي البنية، فذهل من حالة دينيس الهزيل حتى العظام ورفع يده عن كتفه فجأة.
حتى لو حاول ألا يظهر ذهوله، لم يستطع إخفاء رد فعله.
“يبدو أنني أفزعتك.”
ابتسم دينيس بوجه ملطخ بالدم.
يبدو أنه لاحظ ذهول سيلبانغ من لمس كتفه.
“كلا.”
أجاب سيلبانغ وهز رأسه.
لكن دينيس استمر في الابتسام الشاحب وكأنه يعرف كل شيء.
سعل دينيس عدة مرات أخرى، فامتلأ فمه ولثته بالدماء.
وضع سيلبانغ منديلاً على فمه.
كان المنديل الأبيض الناصع يتحول إلى اللون القرمزي الغامق بفعل الدم.
قال سيلبانغ بلهفة:
“سأحضر الطبيب.”
أسرع الطبيب المعالج له بحقيبته الطبية.
بسبب كثرة الحالات الطارئة، أصبح الطبيب مؤخراً يقيم ويأكل بالقرب من غرفته.
دخل الطبيب إلى غرفة دينيس بتلقائية وفحص حالته.
تجعدت جبهة الطبيب عندما رأى المنديل الملطخ باللون القرمزي.
بعد فحص درجة الحرارة والنبض والتنفس، قدم الطبيب تشخيصه:
“هذه آثار جانبية لعشبة النوم.”
كان دينيس قد غرق في نوم عميق بوجه مستريح، كما لو كان قد أغمي عليه.
وذلك بسبب ما وصفه له الطبيب من مهدئ.
رد سيلبانغ على الطبيب:
“تقصد آثاراً جانبية؟”
“لقد استنشق أكثر من عشرة أضعاف الجرعة المناسبة من عشبة النوم من المستحيل ألا تكون هناك آثار جانبية.”
كان تعبير الطبيب يقول: أنت تسأل عن شيء بديهي.
“يجب عليه حتماً تقليل جرعة عشبة النوم من الآن فصاعداً. إذا استمر على هذا النحو، فلن تسير الأمور إلا نحو الأسوأ.”
تغير لون وجه سيلبانغ إلى الشحوب عند سماع كلام الطبيب.
“…لكن سيدي لا يستطيع النوم دون عشبة النوم!”
“إذاً سيزداد سعاله الدموي حدة حتى الآن، تعرضت قصباته الهوائية لإجهاد كبير يجب عليه الإقلاع عن التدخين من أجل صحته.”
“…حسناً.”
أجاب سيلبانغ بصوت كئيب.
أوصاه الطبيب مرة أخرى ثم غادر.
شعر سيلبانغ بالحيرة.
كيف يأمر من لا يستطيع النوم حتى لو دخن عشبة النوم بالإقلاع عنها؟
لقد كانت عشبة النوم هي ما سمحت لرئيسه بالتحرك والتصرّف كإنسان.
لكن بدونها…
لم تكن مشكلة دينيس مجرد مشكلة صحية، بل كان في حالة قد يموت فيها في أي لحظة دون أن يكون ذلك مفاجئاً.
مهما أحضر له سيلبانغ طعامه المفضل أو أراه ما يحب ليشجعه، كان دينيس يبتسم ابتسامة هادئة فقط.
كانت رسالة تقول: لا فائدة.
مثل ضفة بحيرة لا تعرف الأمواج.
عندما استيقظ دينيس بعد أيام، قُدمت له سيجارة تحتوي على عُشر كمية عشبة النوم المعتادة.
تمتم بأن رائحتها أصبحت أقل جودة من قبل.
ثم شرع في معالجة الأوراق المتراكمة.
نظر سيلبانغ إليه وظن للحظة أن دينيس عاد إلى سيرته الأولى.
ربما يحاول الآن حقاً نسيان زوجته السابقة التي طلقها…
لكن ذلك الظن كان وهمياً.
فقد استمر في الإصابة بنوباته كالمعتاد.
كان يقف فجأة في منتصف الممر ويضع يديه على أذنيه بوجه متألم، وأحياناً يصاب بفرط التنفس، وأحياناً أخرى يغمى عليه.
بعد تقليل عشبة النوم إلى عُشر الكمية، لم يعد يستطيع النوم إطلاقاً.
ولهذا، كانت ليالي دينيس طويلة بلا نهاية.
كانت أياماً يقاوم فيها فقط.
بدلاً من عشبة النوم، تناول الدواء المرّ الذي وصفه الطبيب.
لكنه لم يتحسن بسهولة.
فجسده الذي أنهكته الأمراض لم يعد يتقبل الدواء جيداً.
وما زال يسعل قطرات من الدم.
وسط كل هذا، استمر في معالجة الأوراق، واستقبال النواب، وعقد اجتماعات على العشاء، وتفقد مرافق المستشفى الجديد الذي سيفتتح.
وكأن لم يحدث شيء.
وما زال الناس يحثونه على الزواج مرة أخرى بسرعة.
فكان يرفض مبتسماً فقط.
في ليلة متأخرة.
أراد سيلبانغ أن يأخذ دينيس إلى غرفة نومه ثم يعود.
لكن دينيس أشار إليه باستدعاء.
“هل يمكنك إحضار الصندوق الصغير الموجود في درج مكتبي؟”
ذهب سيلبانغ إلى مكتب عمل دينيس دون كلام وفتش الدرج.
صندوق هدية لامع من كثرة الاستخدام.
تسلم دينيس الصندوق وبدأ بلمس الرباط بحرص بالغ، وكأنه شيء ثمين.
كان سيلبانغ قد رأى دينيس يلمس ذلك الصندوق مرات عديدة.
في ليالٍ طويلة لم يستطع فيها النوم، وعندما كان يتخذ تعبيراً كمن يتأمل مكاناً بعيداً.
سأل سيلبانغ بلهجة عابرة:
“ماذا بداخله؟”
ابتسم دينيس ابتسامة بلا قوة وقال:
“أتتساءل؟”
“نعم. لأنك تنظر إليه كثيراً.”
“لقد استخدمته مرة واحدة فقط منذ أن حصلت عليه.”
فتح دينيس الصندوق، فكان بداخله قارورة صغيرة.
قارورة زجاجية مملوءة بسائل.
أدرك سيلبانغ أن الصندوق هو صندوق عطر.
“إذا استخدمته، سينفد…”
همس كمن يحدث نفسه، وفي صوته ألم وحسرة.
“أتعرف أي الحواس تبقى أطول، يا سيلبانغ؟”
“لا أعرف.”
هز سيلبانغ رأسه ردا على سؤال رئيسه المفاجئ.
“حاسة الشم.”
شرح دينيس وهو ينقر بإصبعه على أنفه.
“حاسة الشم تدوم أطول من البصر أو السمع عندما أشم رائحة هذا العطر، أعود إلى تلك اللحظة إلى الوقت الذي كنت فيه معها.”
توقف عن الكلام كأن شيئاً علق في حلقه.
نظر سيلبانغ إلى دينيس.
بدا وجهه متألماً للغاية.
“……”
“ألا تعتقد أنها كانت تعرف مسبقاً؟ أنني سأعاني هكذا.”
مع هذه الكلمات التي أطلقها كهمسة، تشوه وجهه.
رأى سيلبانغ معاناته فقال له.
راجياً أن تكون كلماته عزاءً ولو بسيطاً.
“سأطلب رش نفس الرائحة في الأماكن التي تتواجد فيها، سيدي.”
“لكن هذا لن يجدي نفعاً، لأنه ليس ما أعطتني إياه هي.”
“……”
“ما أعطتني إياه هي هو الثمين…”
وضع العطر في الصندوق بحرص ثم بدأ بلمس الرباط مرة أخرى.
الرباط البالي.
عندها فقط أدرك سيلبانغ لماذا كان دينيس يلمس رباط صندوق الهدية طوال الوقت.
(يُتبَع في الفصل القادم)
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 105"