“ظننتُ أن هذه العلاقة لن تنقطع ما دام أبي على قيد الحياة… وقد أصبحتُ الآن أكثر حريةً بعض الشيء…”
توقفت تيريز عن الكلام برهة،حدّقت في الأفق وكأنما تستعيد ذكريات الماضي.
مرت عليها سنين عديدة، وانقضت كما لو كانت تعبرها هباءً.
“والسيد دينيس… يبدو أنه يدير الأمور بكفاءة رغم كل هذه الفوضى.”
استغربت دانيال من وصف تيريز لدينيس بـ”السيد”، لكنها تمالكت نفسها وتظاهرت بعدم الاهتمام.
“فكرتُ كثيرًا منذ مجيئي إلى هنا أدركتُ كم كنتُ مستريحةً في عالمٍ صُمّم لصالحي.”
“أحقًا؟”
ابتسمت تيريز بسخرية خفيفة ردًا على سؤال دانيال.
“حتى رغبة المتمردين في قتلي… أصبحت أفهمها إلى حدّ ما فأنا نفسي كنتُ رمز العصر البائد وأثره الباقي، تمامًا كما وصفوني.”
شعرت دانيال بغرابةٍ شديدةٍ وهي تسمع هذه الكلمات من فم تيريز.
فحتى أثناء وجودها في العاصمة، كانت ترفض تقبّل فكرة أن يكون للعامة رأي.
كانت ترى من البديهي أن يحكم النبلاء العامة.
“لكن مع ذلك…”
حاولت دانيال الاعتراض، لكن تيريز بادرتها:
“إيواي جزيرة صغيرة بلا حاكم إداري ومع ذلك، لا توجد مشاكل إذا واجههم أمر صعب، يجتمعون ويتباحثون ويتعاونون لحله أما أنا، فقبل أن أنزل إلى هنا، كنت أظن العامة أغبياء سذجًا حتى.”
“ذلك طبيعي، سيدتي. لقد نشأتِ في تلك البيئة.”
عارضت دانيال كلام تيريز.
فبما أنها من سلالة ماركيز إنجيلغر المتعجرفة والنبيلة لحد التطرّف، وتعلّمت وفق ذلك، كان لا بدّ أن ترى تلك الحقيقة وحْدَها كجوابٍ صحيح.
لذا لم يكن تفكيرها هذا مُجافٍ للمنطق.
فكلّ شخص لا يملك سوى التفكير كما تعلّم.
“لكنّ ليس كل من وُضع في نفس الموقف سيفكر هكذا.”
قالت تيريز وكأنها تُحدث نفسها.
“معظم الناس سيفكرون كما تعلّموا، وسيعملون كما اعتادوا.”
رغم رد دانيال، لم تَنبس تيريز ببنت شفة، واكتفت بالتحديق في السقف بصمت.
“كان وهمًا مني أن أظن أن العامة الأغبياء يجب أن يحكمهم النبلاء المتعلمون… إنه… سيكون قائدًا جيدًا. سواء عندما كان أميرًا، أو الآن.”
بدا في نبرة تيريز وهي تقول ذلك شيءٌ من الحسرة والتمسك بالذكرى.
“أنا أؤمن بذلك.”
“……”
“أنا أثرثر هراءً الآن لعلّ الليل قد تَعمّق؟ يجب أن ننام، أنتِ متعبة على الأرجح.”
“……”
لم تجد دانيال ردًا.
لم تستطع أن تقدّم عزاءً ولا تعاطفًا ولا أي شيء.
ففتحت فاهها بهدوء قائلة:
“طابت ليلتك، سيدتي.”
“و أنتِ أيضًا.”
في صباح اليوم التالي، بدأ ميلبي ودانيال الاستعداد للمغادرة إلى الميناء.
لقد خصّصا أكثر من أسبوع ذهابًا وإيابًا ليُمكّنا نفسيهما من قضاء يومٍ واحدٍ معها فقط.
لذا، رغم رغبتهما في حثّها على الراحة الكافية، لم يكونا قادرين على ذلك، وكان ذلك مُحزنًا لهما.
فكلاهما أتى إلى هنا متخذًا وقتًا فراغًا من جدول أعمالٍ مزدحم.
ومن المؤكد أنه سيتعين عليهما التعامل مع الأعمال المتراكمة عند عودتهما.
كانت دانيال تساعد دلفين في أعمال الشركة، بينما كان ميلبي يعمل مديرًا في “فلامينغو” الذي أعيد افتتاحه حديثًا.
قبل المغادرة، وضعت دانيال شيئًا في يد تيريز.
“ما هذا؟”
سألت تيريز دانيال بوجهٍ مليء بالاستفهام.
فتلعثمت دانيال مجيبة:
“بذور… من حوض الزهرة…”
“آه.”
أدركت تيريز ما تقوله دانيال بمجرد أن سمعت هذه الكلمات.
لا بدّ أنها تقصد حوض الزهرة الذي أعطاها إياه زوجها السابق في عيد ميلادها الأخير الذي قضته في القصر.
“كنتُ مترددة في إعطائِكِ إياها… لكنها نجت رغم كل تلك الفوضى سأذهب الآن.”
استدارت دانيال عن تيريز قبل أن يتملّكها الندم.
“إلى اللقاء، يا عزيزتي!”
لوّح ميلبي بيده لتيريز.
فصرخت تيريز نحو ظهريهما المتجهين للرحيل:
“أتعرفين ما هي هذه البذور؟”
“كانت بذور نبات ‘الزنبق’.”
قالت ذلك وصعدا إلى العربة.
وقفت تيريز ساكنةً لبعض الوقت أمام الكوخ الذي سادَه الصمت فجأة، حاملةً الكيس الذي يحتوي على البذور.
فتّشت البذور الموجودة في يدها ثم دخلت إلى الكوخ.
أصبح المنزل، بعد رحيل الاثنين، صامتًا للغاية.
أخرجت سلة صغيرة من داخل الخزانة.
عند فتح السلة، وجدت القلادة التي كانت تلبسها دائمًا.
وضعت البذور بجانب القلادة، ثم أغلقت غطاء السلة وأعادتها إلى أعماق الخزانة.
ثم نهضت من مكانها وبدأت في أداء مهامها كالمعتاد.
لكنها استمرت في التوقف فجأة بين الحين والآخر بسبب شعورٍ بالثقل يراودها من الخلف.
إنها مجرد بذور قليلة، لا أكثر.
نفضت الغبار عن تنورتها التي ترتديها رغمًا عنها، وبدأت تفكر بسرعة في ما ستفعله اليوم.
في أوقات تشتت الذهن مثل هذه، من الأفضل أن تشغل الجسد بالحركة.
في يومٍ جميلٍ كهذا، يمكنها حتى الذهاب إلى أماكن بعيدة لجمع الأعشاب الطبية.
عندما تُراودها أفكارٌ متشعبة، فإن الخروج هو الحل الصحيح.
فالبقاء ساكنة يجعلها تغرق أكثر في تلك الأفكار.
أخذت حقيبة صغيرة وأدوات لجمع الأعشاب وخرجت.
كانت أشعة الشمس قوية جدًا.
عند خروجها من الغابة، رأت نباتات خضراء واسعة وبحرًا تتلاطم أمواجه.
اقتربت تيريز من البحر.
عند سماع صوت الأمواج المتلاطمة هكذا، تشعر وكأن شيئًا ثقيلًا يتحرر في داخلها.
عندما أتت إلى هذه الجزيرة أول مرة، قضت ساعات لا تحصى تحدق في البحر بذهول.
كانت ترمي بكلماتها التي لم تستطع قولها لأحد في البحر، أو تطمسها بأمواجه، وهكذا عاشت.
نعم.
العامين الماضيين لم يكونا الأسوأ كما توقعت.
بل على العكس، ربما كانت تلك الفترة هي ما مكّنها من العيش، هكذا كانت تشعر أحيانًا.
ومع ذلك، بين الحين والآخر…
وبينما كانت تحدق في البحر الأزرق الداكن، تذكرت رجلًا.
رجلٌ لم يأتِ لرؤيتها أبدًا، ولم يودعها.
في جريدة تعود إلى شهر مضى، كان يبتسم بوجهٍ مشرق.
حدقت طويلًا في صورته وهو يبتسم حتى تطوى عيناه الجذابتان اللتان كانتا تجعلانها تقع في الحبّ مع كل نظرة، دون أن يعلم أحد.
لماذا لا ينطوي القلب كما تطوى الورقة؟
حتى في كرة الخيط المتشابكة يوجد لها بداية ونهاية، فلماذا تبدأ هذه المشاعر وفقًا لهواها، ولا تنتهي كما نشاء؟ حتى مع مرور الوقت.
دلكت تيريز عينيها.
كانتا جافتين.
مرة أخرى، لم تنم جيدًا الليلة الماضية كما هو الحال دائمًا.
ربما لأن دانيال كان على مقربة منها؟ حتى أنها حلمت به.
على الأقل مؤخرًا، لم تكن قد حلمت بهذا الحلم…
نظرت إلى السماء مرة واحدة ثم عادت للسير.
***
في العربة العائدة، تردد ميلبي كأن لديه ما يقوله، ثم تحدث إلى دانيال.
“هل كان من الصواب إعطاؤها إياها؟ لعلنا تسببنا في…”
بدا أنه أصبح قلقًا من إعطاء دانيال البذور لها.
“أجل. أعتقد أنني قد ارتكبت حماقة.”
تنهدت دانيال.
كل ما أرادته هو أن تكون سيدتها سعيدة بشكل عادي.
لكن في بعض الأحيان، كلما صادفت زوج سيدتها السابق، لم تستطع دانيال معرفة ما هو الصواب والخطأ.
ذلك الرجل الذي بدا مختلفًا تمامًا عن الرجل الذي يزين الصفحة الأولى من الصحف يوميًا، بدا كأنه يطارد شبحًا في مكان لا يمكن الوصول إليه.
صورة ذلك الرجل الواقف أمام دانيال كانت صورة لن يعرفها أولئك الذين يقرؤون الصفحة الأولى فقط.
كانت أشبه بنية المؤلف المخبأة بين السطور، لا يمكن معرفتها إلا بالنظر بعناية.
كان الناس يقولون بسهولة إنه يبدو أكثر راحة بعد الطلاق.
لكن دانيال كانت تعلم.
لقد كان ذلك لأنه أخفى داخله المتجمد بعناية، وأظهر للعلن فقط ما يبدو مقبولًا.
استطاعت دانيال الجزم بذلك لأنها عرفت وجهيه المختلفين تمامًا بوضوح.
وعيناه… تلك العينان اللتان تفتقران إلى الحيوية، بدتا وكأنهما لا تحملان ذرة من تعلقٍ بالحياة.
كانتا عينين فارغتين كدميةٍ تتحرك فقط بدافع المسؤولية المتبقية.
“سيدتي لم تسأل عنه أبدًا.”
“إذاً فقد انتهى كل شيء الآن.”
هزّ ميلبي كتفيه وقال بنبرة خفيفة.
فأجابته دانيال بهدوء:
“لكن الليلة الماضية… كانت تتقلب في فراشها ولم تستطع النوم على الإطلاق، ثم نادت اسمًا عند الفجر.”
“اسم من، آه…”
تصلّب وجه ميلبي فجأة.
نظرت دانيال أيضًا بنظرة جامدة من النافذة وأضافت:
“وبينما كانت تبكي… أردت الاعتناء بالأمر، لكنني كنت سأمتنع عن إعطائها إياها لو بدا أنها قد نسيت كل شيء.”
كانت نبرة دانيال وهي تقول ذلك حازمة.
مهما كان زوجها السابق محبطًا لدرجة فقدان الإرادة للحياة، إذا بدا أن سيدتها قد نسيت كل شيء، فقد كانت تنوي عدم ذكر الأمر إطلاقًا.
كانت دانيال تحب سيدتها إلى هذا الحد.
زوج سيدتها السابق كان خارج نطاق اهتمام دانيال أيضًا.
بالنسبة لدانيال، كان رئيس الوزراء مجرد شخص كان زوج سيدتها ذات يوم.
قال ميلبي بوجه مرتبك وكأنه لا يفهم:
“هل تتمني أن يلتقيا مرة أخرى؟ لا أعرف لأنني أعرف كم عانت عزيزتي لقد بدت أفضل من قبل، لذا ظننت أن ذلك حسن الحظ، لي أنا على الأقل.”
كان ميلبي ينظر إلى دانيال بقلق.
كان وجهه مليئًا بقلقٍ صادق على تيريز.
في هذه اللحظة، كان الاثنان متفقين في الشعور.
رغبتهما في أن يكون الشخص الذي أنقذهما سعيدًا.
حوّلت دانيال نظراتها التي كانت تحدق في مكان بعيد ونظرت إلى ميلبي.
“أن يشتاق كل منهما للآخر ولا يلتقيا فهذا قاسٍ… هذا…”
“أحقًا؟ هذا حديث معقد وأنتِ أيضًا يا سيدة دانيال…”
قطعت دانيال كلامه.
كانت تعني أنها لا تريد سماع المزيد.
“اترك حديثي أنا حقًا أكره الرجال الأصغر سنًا لهذا السبب.”
“أوه، هذا صعب.”
أطلق ميلبي تنهيدة كبيرة.
فضحكت دانيال بخفّة وقالت لميلبي مازحةً:
“عالم الكبار معقدٌ بطبيعته، أيها الصغير.”
ابتسم ميلبي أيضًا بابتسامة طفولية.
“سأعيش كصغيرٍ للأبد. أنا على الأقل.”
كان تجاهل الصعاب أريح للبال.
لم يكن يريد التظاهر بأنه بالغ عمدًا.
أراد ميلبي فقط العيش بخفة كما هو الآن، ومقابلة من يريد بسهولة.
ابتسمت دانيال ابتسامة ناضجة.
“حسنًا عدم معرفة ما ليس جيدًا هو الأفضل لأنه مؤلم فقط، فهم شعور الاضطرار للفراق رغم أن الحب يحدث فقط عندما تمرّ بتلك التجربة ستفهم.”
في تلك اللحظة، شعر ميلبي بأن دانيال شخص ناضج للغاية.
التعليقات لهذا الفصل " 103"