إشعال السيجار، شرب الخمر، ثم إيذاء النفس بأداة على المكتب…
رؤية الدم كانت تجعله يشعر بتحسن.
كانت مشاعرًا مركبة: تكفير عن ذنب وعقاب، ولومٌ لنفسه لأنه ما زال حيًا لم يمت بعد.
رفع سكين ورق (الستانلي) وأداره بين أصابعه.
لمع نصل سكين الورق المصنوع خصيصًا له بحدّة.
عادةً ما تكون أطراف سكاكين الورق (الستانلي) بَلِيدة.
لكنه فضّل النصل الحاد.
لذا، كان سكين الورق الموضوع على مكتبه أشبه بسلاحٍ قاتل.
لم يكن يحب النصل الحاد لأنه توقّع أن يصل إلى هذه الحالة.
لكنه احتوى على السُم.
أليس ذلك ملائمًا للغاية؟
وجود شيءٍ في متناول يده يستطيع أن يؤذيه به.
مع مرور الوقت، اختفت الأشياء الحادّة من حوله.
لم يبقَ سوى الأشياء البليدة وغير الحادّة.
لكنه استمر بالشعور وكأنه يُطعن من مكانٍ ما.
أحيانًا كان يجلس في مكتبه بذهولٍ مُحدّقًا إلى مكانٍ بعيد.
عندها قال له مساعده:
“سيدي الوزير مع مرور الوقت، ستتحسّن حالتك أرجوك، عُد إلى ما كنت عليه.”
“مع مرور الوقت؟”
ردّ وهو في حالة ذهول.
“نعم. أليس هناك مثل يقول ‘الوقت دواء’؟”
“…….”
لم يجب.
أولئك الذين عرفوا حالته الليلية نصحوه بأن الوقت دواء، وأن يفكّر بطريقة إيجابية.
كيف يمكن للوقت أن يكون دواءً؟
كيف يستطيع الآخرون العيش والضحك هكذا؟
كيف يعيشون يومهم الثقيل هكذا؟
متى كان ‘الماضي’ بالتحديد؟…
عند سماع عبارة ‘الوقت دواء’، اجتاحته موجةٌ من القلق والتوتر التي لا يعرف مصدرها.
خاف من أن يأتي وقتٌ يصبح فيه الوقت دواءً، فلا يشعر بأي شيء حتى لو تذكّر اسمها.
أو خاف من ألا يأتي ذلك الوقت.
أنتِ ما زلتِ لم تعودي، وأنا ما زلتُ هنا…
في النهاية، أخذ يلوّح بالسكين الحاد حتى رأى الدم.
لم يستطع التغلّب على قلقه دون ذلك.
طالما لم يلتئم هذا الجرح، لن أنساكِ.
بهذا الجرح، سأستعيد ذكراكِ، سأكرّر استعادتها…
عند مروره بقاعة المؤتمرات، أو أثناء تنقّله، كان يلتقط الأشياء التي تبدو حادّة ويخبئها في جيبه دون أن يعلم أحد.
يومًا بعد يوم، ازدادت الأشياء الحادّة في جيبه.
شظايا زجاج وحصى ذات أطراف مدبّبة، ونصلٌ مكسور…
في الليالي الهادئة، كان يُلحق الجروح بجسده.
لن أنساكِ حتى يلتئم جرحي.
لم تبقَ بقعةٌ سليمة تحت رقبته.
“أيها الأمير، ألا تنام جيدًا؟”
صوتٌ قلق.
سمع صوتها المألوف قادمًا من مكانٍ ما.
التفّت مندهشًا.
لم يكن هناك أحد خلفه.
كان مكتبه المعتاد مغمورًا في الظلام.
“أسمع صوتًا ألم تناديني الآن؟”
“إنه صوتٌ وهمي.”
أخبره سيلبانغ، وهو يفحص الأوراق، بلا اكتراثٍ أنّه صوتٌ وهمي.
“تعالَ إلى هنا، أيها الأمير.”
“أتقصد أنني وحدي أسمع هذا الصوت الآن؟”
“إنه صوتٌ وهمي، سيدي المستشار.”
ذكّره سيلبانغ مجددًا بأنه صوتٌ وهمي.
أيمكن أن يكون هناك صوتٌ وهمي بهذه الوضوح؟
سمع ضحكة امرأة عالية وناعمة.
سدّ أذنيه.
تسلّل صوت المرأة من خلال الشقوق بين أصابعه.
كان الناس مخطئين.
الوقت لا يصبح أبدًا دواءً.
لقد شرب الخمر أيضًا ليُنسي غيابها.
كان يعتقد أنه لن يلمسه طوال حياته.
بعد أن توفّيت والدته بسبب إدمان الكحول، وهي التي كانت تشرب الخمر كل يوم، ظنّ أنه لن يلمس الخمر طوال حياته.
أراد أن يظهر للناس أنه مختلف عن والدته.
لكن ذلك كان حكمًا متعجرفًا.
في تلك اللحظة، استطاع فهم مشاعر والدته الميتة ولو قليلًا.
شعور الحاجة إلى عزاءٍ لتهدئة إحساس الخيانة من قِبل الحبيب.
لأن لا شيء كان يستطيع عزاء والدته، وجدت العزاء في الخمر وحده.
لذا، فهو الآن لا يشرب الخمر، بل يعزي نفسه.
وهو يفكر في والدته، التي تعلّقت بحبٍّ لم تُكافَأ عليه طوال حياتها وانتهى بها الأمر غارقةً في ذلك الحب، يفهم أخيرًا امرأةً أحبت رجلًا.
أمي، لقد أحبتّ ذلك الرجل.
الرجل الذي هجركِ بقسوة.
ولهذا عانيتِ كثيرًا حتى وصلتِ إلى الموت…
وأدرك كم هي عديمة الفائدة المُعتقدات أمام الحب.
أمام الحب، يصبح الخلود، والحياة كلها، وحتى المُعتقدات، عديمة الجدوى.
اللحظة التي ظننتَ أنك ستكون فيها سعيدًا للأبد مجرد طرفة عين، والعهد بأن يحرس مكانه بجانبك طوال الحياة يصبح كالفقاعة.
وأيضًا، الحب يهدم بعناية مُعتقدات الشخص المتراكمة بقوة، ويجثوه راكعًا متوسلًا تحت قدمي الحب.
أريد الوصول إليكِ حتى لو زحفتُ.
“أرجوك، افِقْ من هذا، سيدي المستشار…”
“أنا في كامل قواي العقلية أكثر من أي وقتٍ مضى، يا سيلبانغ.”
أجاب بذلك وابتسم ابتسامة باهتة.
كان يقتل نفسه يومًا بعد يوم.
بينما كان يراقبه سيلبانغ يذبل ويتحول إلى ظلّ نفسه، سالت دموعه حزنًا.
بالنسبة لـسيلبانغ الذي دعمه عن قرب لفترة طويلة، كانت تلك المرة الأولى التي يرى فيها رئيسه بهذا الضعف.
لكن لم يستطع أحدٌ إيقافه.
بعد الأصوات الوهمية، بدأ يرى رُؤى.
كان يُعثر عليه في أماكن غير غرفة النوم.
في أحد الأيام في الحديقة، وفي يوم آخر في القصر المهجور بالفعل.
في صباح اليوم التالي لوجوده في الدفيئة الزجاجية، قال -وكان يرتدي معطفه ويبدو متوترًا كما لو كان ينتظر أحدًا- عندما اقترب منه سيلبانغ، بعد أن استدعاه الموظف الذي وجده:
“قالت إنها ستنتظرني هنا.”
“من قال ذلك؟”
“زوجتي…”
“زوجتك السابقة الآن في جزيرة إيواي، سيدي المستشار.”
عندما نقل سيلبانغ الحقيقة، هزّ رأسه رافضًا.
كأنه يقول: هذا مستحيل.
“مستحيل.”
“لقد مرّ عامٌ على رحيلها.”
“قالت إنها ستنتظر في الدفيئة لقد قالت ذلك بالضبط الليلة الماضية.”
“… هل تحتاج إلى رؤية أوراق الطلاق مرة أخرى لتُصدّق؟”
“الطلاق؟ آه.”
كلمة ‘طلاق’ أعادته إلى الواقع، فتقطّبت ملامحه.
كان وجهه كما لو أنه على وشك الانفجار في البكاء.
“أعتذر عن إزعاجك في هذا الوقت المبكر فلنعد فورًا.”
“يجب أن تعود الآن لتتمكن من القيام بجدول أعمال اليوم، سيدي المستشار.”
“… دقائق قليلة أخرى فقط…”
“إذاً 10 دقائق فقط لا يمكنني السماح بأكثر من ذلك.”
عندما قال سيلبانغ ذلك وهو يتنهد، أجاب بابتسامة باهتة:
“شكرًا لك، يا سيلبانغ يبدو أنني حظيت بمساعدٍ كُفء حقًا.”
“…….”
والشخص الذي كان ينتظره لم يظهر حتى بعد ساعة.
نقل قدميه بصعوبة، وكأنهما مثقلتان.
***
“تلميحات وردية بين ممثلة مسرحية ورئيس الوزراء؟
من المعروف أن رئيس الوزراء جراموار والممثلة الشهيرة جولي فيريشييه، التي اكتسبت شهرتها بدور البطولة في المسرحية <بائعة الزهور>، شاهدا مسرحية الأسبوع الماضي.
المسرحية التي شاهداها هي عمل يتناول حياة بطل اسمه <رونالد>.
كُشف أن الاثنين جلسا جنبًا إلى جنب في مقاعد الضيوف وشاهدا المسرحية ثم تناولا العشاء معًا.
لم يُكشف عما إذا كان هناك شخصٌ آخر حاضرٌ في العشاء.
منذ طلاقه قبل عامين، كان رئيس الوزراء يؤكد باستمرار للصحفيين عند سؤاله عن نيته بالزواج مرة أخرى أنه لا ينوي إعادة الزواج”
أغلقت تيريز الجريدة بعد قراءة هذا الحد.
كانت الجريدة صادرة قبل شهر بالفعل.
نظرًا لأنها في مكان بعيد عن البر الرئيسي، فإن جريدة قبل شهر تعادل الجريدة الأخيرة.
كل شيء في الجزيرة كان بطيئًا، وكل شيء كان ناقصًا.
في البداية، كان من المستحيل التأقلم مع ذلك.
ذات مرة، كانت الجزيرة الرئيسية إيواي مزدحمة لدرجة أن السفن كانت تصل يوميًا، لكنها الآن أصبحت حيًا هادئًا وخلابًا أشبه بمنتجع سياحي منهار.
لكنها كانت مكانًا يحتفظ بإحساس كبير بالفخر لكونها مسقط رأس الملك المؤسس، حيث كانت تمثال الملك المؤسس أول ما يظهر عند دخول الميناء.
على الرغم من انهيار الملكية وأصبحت البلاد جمهورية يديرها البرلمان، إلا أن هناك الكثيرين في الجزيرة المنغلقة لا يزالون يحترمون الملك المؤسس.
طوت الجريدة ووضعتها على الطاولة، ثم جلست بلا حراك تنتظر حتى قدّموا الطعام الذي طلبته.
أومأت تيريز برأسها قليلًا لتشكر دون أن تلتقي عيناها بناظر النادل، ثم حوّلت نظرها إلى الطعام.
على الرغم من مرور عامين على مجيئها إلى الجزيرة، إلا أنها ما زالت تخفي معصميها الأبيضين داخل أكمامها.
مهما عملت في الخارج، كان جلدها يحمر فقط ولا يسمر مثل سكان الجزيرة.
لذا، بالنسبة لأي ناظر، بدت وكأنها ليست من سكان الجزيرة بل غريبة.
أخذت لقمة من الطعام.
كان المطعم بالقرب من الميناء مكتظًا بالزوار وقت الوجبات.
كانت المنطقة القريبة من الميناء أكبر مركز في الجزيرة الرئيسية إيواي.
حول الميناء، تكاثفت فنادق صغيرة ومطاعم ومتاجر.
دفعت بقبعتها إلى الأسفل أكثر لتخفي وجهها حتى لا يعرفها الآخرون، وأكلت طعامها ببطء.
لأن الوقت لم يحن بعد لوصول السفينة.
كان اليوم هو اليوم الموعود لوصول ضيوف من البر الرئيسي لأول مرة.
على الرغم من رفضها مرارًا وتكرارًا وطلبها منهم عدم المجيء، إلا أنهم أقنعوها بأن لديهم أشياء يجب تسليمها لها.
حتى لو كانت منفية في الجزيرة، فهذا يعني فقط أنها لا تستطيع مغادرتها، وليس أنها يجب أن تبقى داخل المنزل فقط.
كان عليها فقط أن تعمل في الجزيرة، وتكسب المال لشراء المستلزمات، وأن تفعل كل ذلك بنفسها.
هدأت قلبها الذي كان يدق قليلًا عند التفكير في رؤية شخص بعد فترة طويلة.
بعد مرور بعض الوقت، بدأ الناس يغادرون المطعم الذي كان ممتلئًا بدون أي مقعد فارغ، وسمعت صوت صفارة السفينة من الميناء.
كانت السفينة قد وصلت.
دفعت الحساب وخرجت.
كان المكان بالقرب من الميناء مزدحمًا جدًا بالفعل.
وقفت على بعد مسافة تنتظر حتى اكتشفت رأسًا مألوفًا.
وكأن الطرف الآخر قد اكتشفها أيضًا، فاقترب منها بخطوات واسعة.
كان بجانبه شخصٌ آخر لم تتوقعه.
اقترب منها زوجٌ غير مألوف من رجل وامرأة.
ابتسم الرجل لها بشرٍ وهو يحييها.
“مرحبًا، حبيبتي لقد مضى وقت طويل*.”
“… لقد أصبحتِ أكثر جاذبية منذ أن رأيتك آخر مرة.”
وعندما التفتت تيريز، كانت دانييل، التي كانت تدعمها يوميًا بجانبها، تنظر إليها بتعبير لا يُوصف.
“أخيرًا أراكِ مرة أخرى هل… كنتِ بخير خلال هذه الفترة؟”
الشخص الذي قال إن لديه أشياء ليُسلّمها إياها كان دانييل، والشخص غير المتوقع كان مالفاي.
أجابت تيريز وهي تخفي صوتها الذي كان على وشك الاختناق:
“… لا شيء جديد لقد تعبتما كثيرًا للوصول إلى هنا.”
(يتبع في الفصل القادم)
***
*تمت الإشارة على الجملة لأنها قيلت بلغة أخرى داخل سياق الرواية. لهذا أضيفت “لقد مضى وقت طويل” لتوحيد اللغة.
التعليقات لهذا الفصل " 101"