عندها، تذكّرتُ فجأةً حقيقةً كنتُ قد نسيتُها مؤقّتًا.
كم كان المالُ الذي جلبهُ ثيون لكاليستا
في حياته السابقة عظيمًا…
عندما خضع والدي لضغط كلَايْن المُباغت، وأهدر جزءًا كبيرًا من ثروة عائلة الدوق، استطاع ثيون أن يُحقّق أموالًا تفوق ما خُسِر، من خلال استثمارٍ جريءٍ ودقيق.
وقد كان ذلك المالُ هو الذي قاد كاليستا
في النهاية إلى النصر.
ومَن هذا الذي يتردّد حينما يقول له شخصٌ ذو ‘يدٍ ذهبية’ إنه سيجعله غنيًّا؟
رغم أنّني كنتُ قد ادّخرتُ قليلًا من نفقات مصاريفي الخاصّة التي منحني إيّاها ثيون، إلا أنّها لا تزال غير كافية لأن أعيش بها طوال حياتي.
بل لقد اعتدتُ مؤخرًا، خلال الأيام الماضية، على تدليك الخادمة الجديدة الماهرة لدرجة أنّني أصبحت أضمن عدم مقدرتي على العيش بأموالٍ قليلةٍ بالمستقبل.
أن رفاهيةَ التدليك لا تفوت!
“أُعيريني أُذنكِ قليلًا.”
قال ذلك ثم انحنى دون تردّدٍ وهمس بشيءٍ في أذني.
كانت كلماته بسيطةً وواضحة، لكنها في الوقت ذاته مليئةٌ بتوقّعاتٍ وخُططٍ ضخمة.
“…هل فهمتِ المقصود؟”
“هُمم…”
وقفتُ في منتصف الرواق أتأمّل كلامه مليًّا.
حقًّا، إنّه عبقري.
فبناءً على معرفته الواسعة، يستطيع توقّع المستقبل بدقّةٍ وزيادة الأرباح إلى أقصى حدّ.
مع ذلك، هززتُ رأسي نافيًة.
فقد خطرت ببالي فكرةٌ أُخرى من خلال حديثه ذاك.
نظر إليّ ثيون بدهشةٍ وسأل:
“…هل ترفضين؟”
لم يكن رفضًا، بل كانت لديّ فكرةٌ أفضلُ من فكرته.
“بل أُفضّل أن نفعل هذا بدلًا من ذلك.”
جذبتُ أُذنه وهمستُ له بكلماتٍ قصيرة.
حلّ صمتٌ قصير.
ثم بدأت عينا ثيون تتوسّعان تدريجيًّا، وتجمّدت الابتسامة الهادئة التي كانت تعلو شفتيه.
“…سيّدتي.”
“ألا يعجبك الاقتراح؟”
لعلّ ما قلته كان غير منطقيّ؟
شعرتُ بالقلق قليلًا وحدّقتُ في ثيون.
صمت طويل، ثم قال:
“مِن أين…مِن أين تعلّمتِ مثل هذه الأمور؟”
كانت عيناه الرماديتان ترتجفان قليلًا خلف نظّارته.
اكتفيتُ بابتسامةٍ هادئةٍ وأجبتُه في سرّي:
لقد علّمني إيّاها ذلك الأمير القمامة.
***
“هـااه…”
عضضتُ على أسناني وأحكمتُ قبضتي بكلّ قوتي.
“هـياا!”
لكن دون جدوى.
ظلّ الكتاب مغلقًا بإحكامٍ ولم يبدُ عليه أيّ نيّةٍ لأن ينفتح.
لقد كان كتابَ سحرٍ مجدّدًا.
يا ترى، لِمَ تمتلىء هذه المكتبة بالكتب
النادرة والعجيبة؟
لا أعلم مَن يكون ذاك الكاتبُ المجنون، لكنّه قد وضعَ تعويذةً غريبة على الكتاب.
بحيث لا يستطيع مَن يظنّ الكتاب مملًّا أن يفتحه أصلًا.
ليس ذنبي أنّك ثقيلٌ وصلبٌ كقطعة طوب!
رمقتُ غلاف الكتاب الصلب بنظراتٍ غاضبة.
كان الغلاف أسود قاتمًا، وكُتب عليه بالخطّ الأبيض:
『السلالة الإمبراطورية: من الإمبراطور الأول إلى جميع الناس.』
دون أن يحمل أيّ رسمٍ أو زينة.
ليس ذنبي أيضًا أنّ غلافك قبيح.
تنفّستُ بعمقٍ مجدّدًا، وبذلتُ قُصارى
جهدي حتى احمرّ وجهي.
لكن الكتاب ظلّ ثابتًا كقطعة طوبٍ لا تتحرّك.
“ذلك الكتابُ لا يخضع بهذه الطريقة.”
سمعتُ صوتًا مألوفًا من خلفي.
إنّها كاليستا.
لا أعلم منذ متى كانت هناك، لكنها كانت تراقبني من مسافة ثلاث أو أربع خطوات.
“…أُختي.”
“ناوليني إيّاه.”
اقتربت بخطواتٍ هادئة وأخذت من يدي كتاب الإمبراطورية.
آه، هل كنتُ بحاجةٍ إلى تعويذةٍ لفتحه؟
راقبتها في ترقّب، متوقّعةً أن تلقي تعويذةً بهيّةً ساحرة.
هل سأشهدُ معركةً بين كاليستا وكتاب السحر؟
هل ستنبعث أضواءٌ زرقاءٌ لامعة؟
وفجأةً-
كوآآآنغ!
رفعت كاليستا الكتاب عاليًا فوق رأسها، ثم هوت به بكلّ قوّتها نحو زاوية الطاولة.
كوآآآنغ، كوآآآنغ، كوآآآنغ!
بعد ثلاث ضرباتٍ عنيفة، انفتح الكتاب مُترنّحًا.
قالت كاليستا بهدوء:
“تذكّري. إذا لم يُطِعك الشيء، فاضربيه أوّلًا. تلك هي أسهل طريقة.”
“وإن لم يُجْدِ الضربُ نفعًا، عندها فقط تستدعين مختصًا.”
ثم أعادت إليّ الكتاب بوجهٍ ساكنٍ، وكأنّ شيئًا لم يحدث.
“…شكرًا لكِ.”
في تلك اللحظة، تداخلت صورة كاليستا أمامي مع صورة أراميس حين شقّ جدار غرفة رايلي المُسحور بسيفه الطويل.
حقًّا، يبدو أنّ التابع يشبه سيّدته.
جلست كاليستا بهدوءٍ على الجانب الآخر من الطاولة.
كان هناك كتابٌ آخر نصف مفتوحٌ أمامها، ويبدو أنّها كانت قد وصلت إلى المكتبة قبلي وغادرت للحظة.
“…رائحة الشوكولاتة تفوح في أرجاء القصر.
ظننتُ أنّ المكتبة ستكون أهدأ.”
قالت، وكأنّها شعرت بنظرتي نحوها.
بالفعل، كنتُ قد لاحظتُ أيضًا انتشار رائحة الشوكولاتة في كلّ مكان.
فقد اقترب موعد مهرجان ‘آسيمور’ حيث تُقدَّم الحلوى للأحباب والأصدقاء.
خلال هذا المهرجان، يقدّم العشّاقُ، والعائلاتُ، والسيّدُ وتابعهُ، الشوكولاتة والحلوى لبعضهم البعض.
كما ينتهز الكثيرون الفرصة للاعتراف بمشاعرهم لمن يُحبّون عن طريق هدية الشوكولاتة.
أنا، بالطبع، لم يسبق أن استلمتُ شيئًا كهديةٍ في هذا المهرجان، لذا لم يكن لهذا اليوم مغزىً خاصٌّ لديّ.
ومع ذلك، كانت رائحة الشوكولاتة لذيذة.
“بمجرّد أن أشمّ الرائحة، أجدُ نفسي أرغبُ بالأكل، رغم أنني لم أرَ الشوكولاتة بعد.”
قالت كاليستا مُفسّرةً وجهة نظرها.
آه، بالفعل، معها حقّ.
عند سماعي تفسيرها، اقتنعتُ تمامًا.
ثمّ رمقت الكتاب المفتوح أمامي وسألتني مجدّدًا:
“هل تدرسين التاريخ؟”
“أنا أحفظ الأنساب حاليًّا، عن العائلة
الإمبراطورية وعائلات النبلاء.”
أجبتُها. حيث لقد طلب منّي ثيون أن
أبحث في هذا التاريخ.
فقال: لا بدّ أن تعرفي عائلات النبلاء الذين يعملون في التجارة قبل أن تدخلي مجال الاستثمار.
“دراسةٌ ضرورية إذًا. وما مقدار معرفتكِ حاليًّا؟”
لا أدري هل سألتني مجاملةً أم من فضولٍ حقيقي.
“…لا أعرف بالضبط.”
أجبتها بتردّد.
رغم أنّني قضيتُ في حياتي السابقة وقتًا طويلًا في القصر الإمبراطوري، إلا أنّني كنتُ تحت رقابة كلاين الدائمة.
لذا لم أتفاعل كثيرًا مع الناس، ولهذا توجد فجواتٌ كثيرةٌ في معرفتي.
مالت كاليستا برأسها قليلًا وسألتني مجدّدًا:
“هل تعرفين الإمبراطور الحالي والإمبراطورة؟”
أومأت برأسي.
الإمبراطور أليك فابوس بيان وزوجته الإمبراطورة ليتانيا، كنتُ قد التقيتُ بهما عدة مرّاتٍ في حياتي السابقة.
بل إنّ كلاين قدّمَني أمام الإمبراطورة على أنني خطيبته، مع أنّها كانت تعلم تمامًا أنّ خطبتنا تلك لم تكن طبيعية، لكنها رغم ذلك رتّبت مراسم الخطوبة بطريقةٍ مُبطّنة وسرية.
كانَ يُصرُّ على أداءِ المهامِّ بنفسِهِ بدلًا من الاستعانةِ بأشخاصٍ موهوبينَ، فكانَ يُفسِدُ كثيرًا من الأمورِ.
“بسببِ طمَعِهِ في القيامِ بالأعمالِ التي تفوقُ قدراتِهِ، تفسُدُ الأمورُ. ومَنْ يرغبُ في العرشِ، عليهِ أن يُحسِنَ توزيعَ الأشخاص الموهوبين والوظائف في أماكنِها المناسبةِ.”
التعليقات لهذا الفصل " 22"