كنتُ واقفةً في وسط الغرفة، جامدةً، أحاول استيعاب ما جرى.
وفي تلك الأثناء، عاد ثيون وجيانا والخادمات إلى الداخل، وبدأن ينهمكن في أعمالهن بنشاط.
استدارت كاليستا فجأةً، ونظرت إليّ.
“لقد كنتِ واقفةً طوال الوقت، يا هاربر.”
“ما هذا… كلُّه؟”
اخترتُ أحد الأسئلة العديدة التي ازدحمَ بها رأسي، ونطقتُ بها بينما أنظر إلى طاولة الرخام والخادمات.
“الخادمات، والأثاث، والثياب، هي ثمنُ إنقاذكِ لفيكتوريا. وأمّا…”
قالت كاليستا وهي تهزُّ كتفيها وكأن الأمر بديهي.
“…فمساعدتكِ لي كانت ثمينة، وسأُسدِّدُ لكِ الدين شيئًا فشيئًا فيما بعد.”
قالت ذلك وهي تحدّق بي، بنبرةٍ بدا عليها لطفٌ خفيٌّ لم أعهده منها حين كانت تتعامل مع كلاريسا.
“وهذا فائدة الدين. تعالي، اجلسي.”
أشارت إلى الأريكة التي جلست عليها كلاريسا قبل ان تغادر.
وعندما دققتُ النظر، لاحظتُ أنّ الأريكة قد استُبدلت بأخرى أكثر فخامة.
الدين…
لم يكن في رأسي سوى الحيرة، لكنني سرعان ما بدأت أفهم مقاصد كاليستا.
كانت، مثل ثيون، إنسانةً بالغة الحِساب والدقة. لم تكن تُحبُّ العطاء المجانيّ، ولا أن تكون مَدينةً لأحد.
بمعنى آخر، هذا كله كان ثمنًا حقيقيًّا. ثمَنَ مساعدتي في قضية فيكتوريا.
فقط عندما تسدِّدُ هذا الدين، ستتمكن من أن تكرهني بارتياحٍ كما تشاء… أليس هذا هو المعنى الضمني؟
عندما أنصتُّ لها، جذبت كاليستا الحبل مرة أخرى لتستدعي أحدهم.
وبالفعل، دخل الغرفة خمسةُ فرسان.
“نُقَدِّمُ تحيّاتِنا لسيّدتيْنا!”
انحنوا جميعًا في نفس اللحظة بزاويةٍ مثالية، ثم اصطفّوا في صفٍّ مستقيم. بدا أن كلًّا منهم يحمل شيئًا في صدره.
“رأيتُ أنّه من الحكمة أن يكون لكِ حارس شخصي. لِكَيْلا تتكرَّرَ أحداث الحفل. جميعهم ذوو مهارات قتالية مُثبتة. اختاري واحدًا منهم.”
قالت كاليستا ذلك، ثم اقتربت من جانبي وأشارت إلى الرجل الواقف أقصى اليسار.
“ابدأ.”
“أمركِ!”
…ابدأ؟
ابدأ ماذا؟
الرجل الذي بدا أطول من ثيون، وعرض كتفيه ضعف عرض كتفيه تقريبًا، والذي تغطي الندوب وجهه، تقدَّم خطوة إلى الأمام وهو يحتضن شيئًا صغيرًا ولينًا.
“ما الذي تُجيده؟”
“اللعب بالدمى!”
مدَّ ذراعيه مُظهِرًا دمية أميرة صغيرة.
“انظري! هذه الدمية من أشهر صيحات العاصمة الملكيّة! صنعها حرفيٌّ شهير، بإمكانها أن تفتح عينيها وتغلقهما وحدها! وشعرها الأشقر الناعم شبيه تمامًا بشعر سيدتي الصغيرة!”
قال ذلك بصوتٍ غليظ كصوت دب، وهو يفيضُ فخرًا.
“لا تَبِعِ الدمى. عرِّف بنفسك.”
“إنِ اخترتِني، فسأقضي النهار كلّه ألعب مع سيدتي الصغيرة! في هذا القصر الواسع الذي يخلو من أقرانها في نفس السن، ستكون هذه الدمية صديقةً رائعة لها!”
نظرت كاليستا إليّ من طرف عينها، وكأنها تراقب ردة فعلي.
كنتُ أنصتُ دون أن أشعر، لكنني حرّكتُ رأسي رافضةً ذلك غريزيًا.
‘آسفة…لا أحب الدمى التي تشبه البشر.’
ارتسمت خيبة الأمل على وجه الرجل الضخم، فعاد
إلى مكانه بخطواتٍ حزينة.
“التالي، ماذا تُجيد؟”
“أُجيدُ العزفَ على الآلات الموسيقية!”
أجاب بذلك فتى فارس ذو شعرٍ طويل ووجهٍ جميل.
لكنني هززتُ رأسي.
“كان بين الخادمات واحدة تُجيد العزف أيضًا.”
ولستُ بحاجة إلى اثنين؛ لن أعيش على الموسيقى وحدها. كنتُ أريد شخصًا أكثر تميُّزًا.
ضمَّ الفتى آلته الوترية الصغيرة إلى صدره بحزن، بينما لم تستطع الخادمة التي كانت تُرتب الفراش من بعيد أن تُخفي ابتسامةَ غبطة.
شيئًا فشيئًا، وجدتُ نفسي مندمجةً بجدية في ‘اختبار الحرّاس’ الذي رتّبته كاليستا.
“الثالث.”
نادت كاليستا بلا تردُّد على الشخص التالي.
هاه؟!
الرجل الثالث كان مظهره مألوفًا جدًّا!
“رقم ثلاثة، سوير مارسيل!”
هتف وهو يُؤدي التحية العسكرية بإتقان.
سوير، قائد الفيلق الثالث من فرسان لوبيرن!
نظرتُ إلى كاليستا بدهشة، فأجابتني بنبرةٍ باردة:
“قال إنه سيتنازل عن منصبه لقائد آخر إن كان بوسعه أن يكون حارسَكِ الشخصي. أوصي به شخصيًّا.”
“بقائي في قصر الدوقية بفضل الآنسة هاربر! إن سمحتِ لي بمرافقتك، فسيكون هذا شرفًا عظيمًا ليّ!”
عندها فقط تذكّرتُ ما حدث في الماضي يومَ حطَّمت كاليستا ذراع لويس، كنتُ قد غطّيتُ على خطأ سوير.
ظننتُ أنني سددتُ ديني في الحياة السابقة، ولم أفكّر كثيرًا في أثر ذلك على الآخرين.
لكن يبدو أنه ترك أثرًا عميقًا فيه.
تقدَّم سوير، الذي لا يقل ضخامةً عن المُرشَّح الأول، ووضع قبعةً من الصوف على رأسي.
كانت القبعةُ سميكةً، حمراءَ بلونٍ أفتح قليلًا من شعر أراميس وفيكتوريا، تعلوها كرةٌ صغيرة لطيفة.
“أنا أُجيدُ الحياكة! إن اخترتِني، فلن تُصابِي بالبرد أبدًا!”
التعليقات لهذا الفصل " 21"