وعندما استدَرتُ، رأيتُ رجلًا في منتصفِ العمرِ يرتدي قناعًا. كان أصلعَ الرأسِ، كرشُهُ بارزٌ، وعرقٌ غزيرٌ يَسيلُ من جَبهته، حيث بَدَت هيئتُه معدومةَ الهيبةِ.
“…أوسين؟”
“يبدو أنّكِ قد تعرَّفتِ عَليَّ رغم القِناع، هذا
يدُلُّ على حُسنِ ملاحظتِكَ.”
أمسك أوسين بخلفِ عُنقي وتقدم من زاويةٍ مُظلِمةٍ في الغرفة. في اللحظةِ نفسها، أطلَقَت كاليستا وأراميس هالةَ طاقةٍ على أيديهِما وسيوفِهِما.
“أوسين، منذ متى وأنتَ مُختبئٌ هناك؟”
“كنتُ هنا منذُ قليلٍ، لكن يبدو أنَّكُم لم تلاحظوا! يا للعَجَب!”
بعد لحظةٍ من التذمُّر، بدا أنه تمالك نفسَه ورفعَ صوته.
“هُمم، على أي حال، لم أتمكن من الإمساكِ
بالرهينة بشكلٍ جيدٍ…لكن إذا ألقيتُ الآن الآنسةَ هاربر من النافذة، فسوف تُجبرين يا آنسةُ كاليستا على التورط في مقتلِ أختِكِ.”
“ماذا؟”
تساءلت كاليستا باشمئزاز، بينما قُطِّبَ وجهُ أراميس.
“إن لم تَعجبكِ الفكّرة، فأرجعي الطاقةَ التي أطلقْتِها. لم أكن أودُّ مواجهتكم، لكنني بحاجةٍ لمغادرة هذا المكان. سأقتل الطفلةَ وأرميها في مكانٍ ما، لذا إذا أردتم العثور عليها أولًا، لا تُطاردوني.”
قالها بابتسامةٍ خبيثةٍ تُشبه ابتسامةَ إيفان قبلَ قليل. تجمدت مكاني حتى نَسيتُ آلامي، رغم شعورٍ طفيفٍ بعدم الارتياحِ تَسَلَّلَ إلى نفسي.
يبدو وكأن الإيقاعَ يتكرر الآن كما حدث منذ قليلٍ، حينَ يعتقدُ القاتلُ أنه انتصرَ، ومن ثم يحدثُ شيءٌ يَقلبُ الموقف…
“حسنًا، إذن يا آنسةُ كاليستا، وأنتَ يا أراميس، افتحوا ليّ الطريق…”
شِك- بَف!
وكما توقعتُ، صَوتُ شيءٍ حادٍ اخترقَ جسدًا لينًا ترددَ في الغرفة. تجمد أوسين في مكانه قبل أن يُنهي جُملتَه.
“آغغه! من…من الذي…”
انهار ساقطًا، وسكينٌ صغيرةٌ عالقةٌ في منتصفِ ظهرهِ تمامًا.
نظر حوله بين كاليستا وأراميسَ بذهول، لكنَّهما لم يتحركا قيدَ أنملة. وأنا أيضًا، وقفتُ مذهولةً أبحثُ بنظري حولي.
دُمب-
بعد سقوطِ أوسين، ظهرت فيكتوريا، ويدها ممدودةٌ لتوها بعدَ أن ألقَت السكين.
تساءلتُ عن سببِ وجود كاليستا هنا، لكن سرعان ما وجدتُ الإجابة.
‘آه، إنّهُ حلمٌ مجددًا.’
فليس من المعقولِ أن تكون كاليستا الحقيقيةُ تلامس رأسي بتلك النظرةِ القلقة.
***
“ماذا حلّ بنائبِ الرئيسِ وإيفان نيترا؟”
سألتْ كاليستا وهي تخرجُ من غرفةِ هاربر.
“ما زالا على قيد الحياة، لكن رغم تعذيبهما لم يفصحا عن الجهةِ التي تقفُ وراءهما.”
أجابَ ثيون، وهو جالسٌ على طاولةِ غرفةِ الاستقبال.
“من المؤكدِ أن الجميعَ يعلمُ أن رئيسَ المجلسِ هو الجهةُ المدبرة.”
“لكن لا دليلَ ملموسَ لدينا؛ فكلُّ المهامِ كان ينفذها أوسين.”
ردّتْ كاليستا بتعبيرٍ صريحٍ يعبر عن اشمئزازها قائلةً:
“ليس من المستغرَبِ أن يكونَ ذلك الثعلبُ العجوزُ ماكرًا، فهذه ليست المرةَ الأولى.”
“لكن ولاءَ من تمَّ القبضُ عليهم ليس مقنعًا تمامًا.”
“يبدو أنه بسبب السحرِ أو بعض الأدوية؛ فلم يكونوا يحاولون كتمانَ الأمر، بل كانوا يتألمون كلما حاولوا الإفصاح.”
“ألم يذكروا شيئًا عن كلاريسا؟ يبدو أنها واثقةٌ تمامًا بأنها ستكونُ في أمانٍ حتى إن فشلت الخطة.”
“يبدو أن رئيسَ المجلسِ ما زال يرى أنها ذاتُ قيمةٍ للاستفادةِ منها؛ فهم لا يستطيعون حتى الإدلاء بشهادةٍ ضد دوقةِ القصر.”
“ربما تملكُ خادمةُ الدوقةِ بعضَ المعلوماتِ، لكن هذا قد لا يكونُ كافيًا لربطها بالقضية.”
“يجب علينا أن نغضَّ النظر إذًا.”
“قد نتعرضُ لهجومٍ مضادٍ من المجلسِ الأكبر إنْ حاولنا الكشفَ عن كل شيءٍ بسُرعةٍ. إلا إذا قررتِ استخدامَ القوةِ العسكريةِ أيضًا…”
“هذا ليس خيارًا متاحًا الآن؛ فليس
الوقتُ مناسبًا بعد.”
“إذًا…”
“سنسقطُ سلالةَ نيترا، ولن نلاحقَ الآخرين للأستجواب مرة أخرى. أما أوسين…فسوف نتخلصُ منه فحسب. فقد خدمَ رئيسَ المجلسِ بقراراتٍ منفردةٍ رغمَ معارضةِ عائلته، لذا سنتركُ عائلتَه وشأنَهم.”
أومأَ ثيون برأسهِ، وبابتسامةٍ
ساخرةٍ ختمتْ كاليستا حكمَها.
“ذلك العجوزُ يجدُ دائمًا طُرقًا للالتفاف؛ ألا يكفيهِ أنه لم يحاولْ قتلي مباشرةً؟”
“لأنَّ الالتفافَ أسهلُ من محاولةِ اغتيالِك، آنستي.”
توقفتْ كاليستا قليلًا، ثم استأنفتِ الحديث.
“سمعتُ أن السمَّ…لا، العُشبةَ التي قدمتها ليّ، قد عالجتْ تسممَ فيكتوريا، كما عالجتْ سُعالَك أيضًا.”
“أجل، لقد أدهشني الأمر. يبدو أن ذلك حدث بسببِ استنشاقي المتكررِ للرائحة أثناءَ عمليةِ البحث. لقد كان الحظُّ حليفَنا.”
كان ثيون يتحدثُ، غير واثقٍ مما إذا كانت كلمةُ ‘حظّ’ هي الوصفَ المناسب؛ فالذي اكتشفَ الدواءَ وأعطاهُ لفيكتوريا كان هاربر، بل إنه هو من طلبَ منها مراقبةَ حالةِ فيكتوريا.
“كيف تمكّنَت تلك الطفلةُ من دخولِ غرفةِ رايلي؟”
“…”
لم يستطع ثيون الإجابة؛ إذ كان يتساءلُ عن الأمر ذاته، فتزايدَ شعورهُ بأنه لا يعرفُ الكثيرَ عن هاربر.
‘لنذهب معًا، كاليستا أختي، لذا إذا عرفنا الموقع سيمكننا الدخولُ وإيجاد فيكتوريا بسهولة لأجلها.’
قالت تلكَ الكلماتِ قبل أن تهرعَ إلى مكانٍ ما.
ولم يتوقعْ أن تكونَ قد سبقتهم بالفعلِ إلى الغرفة.
“لقد قلتِ يا آنستي إنهُ من الصعب أنّ
الدخول إلى غرفةِ رايلي…”
“ألم ترَ؟ الغرفةُ محميةٌ بتعويذاتٍ معقدة؛ يجب إما فكُّها أو استخدامُ أثرٍ سحري للولوج. أنا استخدمتُ الخيارَ الأول، أما نيترا فاختارَ الثاني، وأراميس حطّمَ الجدارَ عند محاولتهِ فكَّها.”
بدتِ الحيرةُ في وجهِ كاليستا وهي تفكّر بقولها:
“أنْ تدخُلَ ببساطة يعني…أن الغرفةَ ذاتها هي من استدعتْها، أيْ أنَّ القوةَ السحريةَ التي تحملُها قد تفاعلتْ مع القوةِ السحريةِ للغرفة.”
“…”
“الغرفةُ محصّنةٌ بتعويذاتٍ سحريةٍ محكمة.”
قطبَ ثيون حاجبَيْه؛ فالأمرُ يبدو نظريًّا بحتًا، لم يسمعْ أبدًا عن طفلٍ يملكُ مثلَ هذه القوةِ التي تفوقُ حتى السحرةَ الكبار.
“يبدو أنَّ الآنسةَ هاربر تعتقدُ أنه لا يوجدُ في جسدها أيُّ أثرٍ للقوةِ السحرية.”
“لو كانتْ عديمةَ السحر، لما استطاعتْ رؤيةَ الهالةِ الشفافةِ التي صنعها أوسين. لقد كانت أولَ منْ رآها، حتى قبلنا أنا وأراميس.”
“…”
“ما الذي جعلها تؤمنُ بأنها قادرةٌ على
أنْ تأتي بيّ الى تلك الغرفة وراءها؟”
قالتْ كاليستا وقد بدا عليها الشرودُ، في حينِ رفعَ
ثيون حاجبَيْه استغرابًا.
“رأيتها مرتعبةً كلما اقتربتُ منها، حتى أنها شهدتْ طردي لسوير في اليومِ الذي وصلتُ فيه.”
التعليقات لهذا الفصل " 19"