“لو كنتِ هنا منذُ وقتٍ قصير، لسمعتِ ما قلته، يا آنسة.”
اقتربَ منّي بخطوتين مبتعدًا عن فيكتوريا.
بدا أنَّ فيكتوريا قد شَعَرَتْ بالدهشة، فمدَّتْ يدَها، لكنَّ أحدَ مرافقي إيفان سَحَبَ ذراعَها إلى الخلف.
“نحن لا نَتركُ شهودًا. أي أنَّ ما سيحدثُ…”
تراجعتُ ببطءٍ إلى الخلف، لكنَّني سرعانَ ما اصطدمتُ بالجدار. وعندما توقَّفتُ، ارتسمتْ على شفتيْ إيفان ابتسامةٌ خبيثةٌ.
“هذا يعني أنَّ حياتَكِ ستنتهي هنا. هذا هو ثَمَنُ التدخُّلِ في شؤونِ الكبارِ دونَ تفكير.”
“هل قالَ رئيسُ المجلسِ إيغارد إنه لا بأسَ بفعلِ هذا؟”
توقَّفَ فجأةً عندَ سماعِ سؤالي.
“…ماذا قلتِ؟”
“أنتَ تريدُ التخلُّصَ من أختي كاليستا، أليسَ كذلك؟”
تحدَّثتُ بوضوحٍ بحيثُ يستطيعُ الجميعُ سماعي.
“هذا لا يمكنُ إلا إذا كنتُ أنا الحاجز الذي يقفُ أمامَها. بدونِ وجودي، ستصبحُ كاليستا الابنةَ الوحيدةَ لأبي والوريثة، أليسَ كذلك؟”
رئيسُ المجلسِ وأتباعُه لا يريدون دوقًا كفؤًا وقويًّا ذا شرعية. والشخصُ الذي كانوا يخشَون أن يصبحَ الوارثَ كانَ كاليستا، والبديلُ الذي تمَّ النظرُ فيه كانت الابنةَ الصغرى، التي كانتْ والدتُها خادمةً، أي أنَّها أنا.
لاحقًا، سيقومون بالتعاونِ معَ عمي الذي يديرُ أسرةً أخرى، لكنَّ إيفان نيترا لا يعرفُ شيئًا عن ذلك.
“…أنتِ تعرفينَ الكثيرَ من الأمورِ الخطيرةِ حقًّا.”
تمتمَ إيفان وهو يمرِّرُ يدهُ على نصلِ السيف. بدا على وجهِه الهادئِ ملامحُ أفكارٍ عديدةٍ تتقلَّبُ في ذهنهِ.
“هيه، انتظرْ لحظة، ألنْ نتورَّطَ إذا قَتلناها؟”
“التعاملُ معَ ما بعد قتلها يبدو صعبًا بعضَ الشيءِ، أليسَ كذلك؟”
“ماذا عن الإمساكِ بها بدلاً من قتلِها؟”
كما توقَّعتُ، الأشخاصُ الذين كانوا خلفَ إيفان بدأوا بالتذمُّرِ والتعبيرِ عن آرائِهم.
يبدو أنَّ نيترا الذي كانَ معروفًا بسرعتهِ مثلَ الرياح وهدوئِه كظلِّ الليلِ يفتقرُ إلى بعضِ الحسم، إذ إنه لم يكن قادرًا على اتخاذِ قرارٍ بسهولة.
“كفى!”
صوتُ إيفانَ الغاضبُ قطعَ تلك الهمسات، فتوقَّف الجميعُ عن الحديث. وكان إيفان يشدُّ وجههُ بغضب، حيث يرتجفُ جسده بالكامل.
“ليس لدينا وقتٌ لنضيعه. طالما أنَّ هذه الفتاةَ تعرفُ الكثيرَ، لا داعيَ للتفكيرِ في خياراتٍ أخرى.”
قبل أن أتمكَّنَ من الهروب، قبضَ إيفان على عنقي بيديهِ.
دون أن يُتاحَ لأحدٍ بعضَ الوقتِ للردِّ، اخترقَت تلكَ الأشعةُ جسدَ إيفانَ في كلتا ساقيْهِ وكتفهِ الأيمن، وكأنَّهُ تعرَّضَ لطعنةٍ من إبرةٍ طويلة.
سقطَ الخنجرُ من يدهِ وهو يصرخُ من الألم.
“مَن…من فعلَ هذا؟”
قبلَ أن ينهي كلامَه، اخترقَت هالةٌ مماثلةٌ مِعصَمَ القاتلِ الذي كانَ يُوجِّهُ سيفَهُ نحوَ فيكتوريا، فسقطَ سلاحُهُ من يدهِ، وطُرِحَ هو الآخرُ على الأرض.
“آآه!”
دخلَ شخصان من البابِ الذي كانَ قد فُتِحَ للحظاتٍ قبل أن يُغلقَ بسلاسة.
“آنسةَ هاربر، هل أنتِ بخير؟”
أحدُهما، ثيون، ناداني وهو يلهث، لكنْ عينيَّ كانتْا تُركِّزان على الشخصِ الآخرِ الذي دخلَ بعدَه.
خطوة-خطوة…
كانتْ ترتدي فستانًا أزرقًا يرمزُ إلى عائلةِ لوبيرن بشعرٍ فضيٍّ لامعٍ يتدلَّى بشكلٍ جميل، وعينين زرقاوين بلونِ البحرِ في الشتاء.
كانتْ تلك هي كاليستا.
لكنْ النظرةُ التي رأيتُها في عينيْها عندما كنَّا نتبادلُ الحديثَ قبلَ قليلٍ حولَ الكعكِ، اختفتْ تمامًا الآن.
“الأمرُ ينطبقُ عليكم أيضًا. ابتعدوا جميعًا عن فيكتوريا.”
نظرَ القتلةُ حولَ فيكتوريا إلى بعضهم البعضَ بحيرةٍ، لكنهم لم يتراجعوا بسهولةٍ. ودون أن تنتظرَ أكثرَ، مدَّت كاليستا يدَها نحوَهم، ليتلألأَ الضوءُ الأزرقُ الرقيقُ في كفِّها.
شيييييك-هيكككك!
انطلقت نفسُ الهالةِ الزرقاء نحوَهم، لكنها توقَّفت فجأةً وسطَ الغرفة، كما لو أنها اصطدمتْ بشيءٍ غيرِ مرئي.
عقدتْ كاليستا حاجبَيْها في إحباطٍ، في حينَ ضحكَ إيفان بهدوء.
“هااه…يبدو أنَّكِ تظنِّينَ أنَّ التعاملَ معنا سيكونُ بهذه السهولةِ، يا آنسة.”
أحدُ رجالهِ كان قد جرَّ إيفانَ إلى الجانبِ الآخرِ من الغرفةِ، بعيدًا عن الخطر.
أصبحَ التشكيلُ الآن واضحًا: أنا، وثيون، وكاليستا في جهةٍ، وفي الجهةِ الأخرى فيكتوريا ورجالُ نيترا.
وكان هناكَ حاجزٌ شفافٌ ينبعثُ منهُ ضوءٌ خافتٌ يفصلُ بينَنا، وهوَ المكانُ الذي توقَّفَتْ فيه طاقةُ كاليستا.
“من بينِ السبعةِ الذين هنا، لا يوجدُ أحدٌ لا يستطيعُ التحكُّمَ في الطاقةِ أو الهالات. لن تستطيعي التَّعامُلَ مع الجميع باستخدامِ طاقَتِكِ الرَّقيقةِ فقط بدونِ سيفٍ.”
رَفَعَ إيفان يَدَهُ السَّليمة وأشارَ إلى رِجالِه. وعلى عكسِ الخِلافاتِ التي دارت بينهم في السابق، اصطفُّوا الآن بانسجامٍ على الجانبين، مُستعدِّين للمواجهة.
“لِمَ لا تُحاولينَ مواجهتَنا بجسدِكِ العاري؟ لا بأس لدينا بقتلِ اثنتَين من الورثةِ الشرعيين لعائلةِ لوبيرن.”
في تلكَ اللحظةِ، ضحكَ إيفان ورجالُه جميعهم بتلكَ الابتسامةِ الشِّريرة، وسحبوا خناجرَهم المُخبَّأة، موجهينها نحو كاليستا.
لكِنَّها، بدلاً من أن تتراجعَ، خطت خطوةً إلى الأمام.
“لا أعلم كيف تمكنتِ من العثورِ على هذه الغرفةِ السرية بهذه السرعة، لكن حسنًا، لن يتمكنَ أحدٌ من الدخولِ هنا بعد الآن، لذا سنتمكن من إنهاءِ الأمرِ ببطء-.”
قبل أن ينهي كلامَه، دوى صوتُ انفجارٍ هائلٍ من أحدِ جدرانِ الغرفة، فهزَّ المكانَ بأكمله.
“ماذا…ماذا يحدث؟!”
التفتَ إيفان ورجاله نحوَ مصدرِ الصوتِ بعيونٍ متسعةٍ من الصدمة.
ولم يكونوا هم الوحيدينَ الذين شعروا بالصدمة.
كككككراغغ!
في غرفةِ رايلي، حيث كان من الصعبِ العثورُ على المدخلِ بسببِ التعويذات، بدأت إحدى الجدرانِ تتشقق كما لو كان هناك زلزالٌ قد ضربها.
“هل قام أحدهم بشقِّ الجدار…؟”
كراش- تتتتت!
انهارتْ قطعٌ كبيرةٌ من الجدارِ المتصدعِ على الأرض، وَسَطَ الغبارِ والحطام، ظهر شخصٌ ضخم.
كان له شعرٌ أحمر كالدمِ وعينان سوداوان، يُشبِه فيكتوريا بشكلٍ كبير، لكن وجهَه كان مشبعًا بهالةٍ قاتلةٍ ووحشية.
“هؤلاءِ الحشراتُ الحقيرة…”
صرَّ أراميس على أسنانه بغضب، وحدَّق في قَتَلَةِ نيترا بنظراتٍ مليئةٍ بالكراهية.
كان يمسكُ سيفًا طويلًا تتصاعدُ منه هالةٌ حمراءٌ ملتهبةٌ كما لو كانت نارًا مشتعلةً.
“مَن تجرأَ على رفعِ سيفِهِ؟”
قال ذلك وهو يبدو وكأنَّه على وشكِ أن يلتهمَ جميع القتلةِ الموجودينَ في الغرفة.
سمعتُ صوتَ بلعِ ريقِ إيفان نيترا من شدةِ الرعب، لكنه لم يستطعْ حتى الصراخ.
لم ينتظرْ أراميس طويلًا، بل لوَّح بالسيفِ مرةً أخرى.
شويييك- تتشقق!
بمجردِ أن قطع أراميس الحاجز بالسيف، انقسمَ الحاجزُ السِّحريُّ إلى نصفينِ وتلاشى تمامًا.
لكنَّ اراميس لم يمنحهم أيَّ فرصةٍ للهرب، فرفع سيفَه مرةً أخرى.
هوووووو-
“أوغ!”
“آه!”
“اكك!”
مع كلِّ حركةٍ من سيفِ أراميس، انتشرتِ
الدماءُ في كلِّ اتجاه.
كانت عيناه، اللتانِ تفيضانِ بالجنون، تلمعانِ بوحشيةٍ تتجاوزُ مجردَ الرغبةِ في القتل.
بووك-
“آآآه!”
غرسَ سيفَه في عنقِ آخر قاتلٍ كان يحاولُ الفرارَ إلى زاويةِ الغرفة. ولم يمرْ أكثرُ من دقيقةٍ أو دقيقتينِ حتى أصبحَ الشخصُ الوحيدُ الذي بقي واقفًا على قدميهِ في الجانبِ الآخرِ من الغرفة هو فيكتوريا.
“أرجوك، ارحمني…”
توسلَ إيفان نيترا، وهو ينزفُ بغزارةٍ من جميعِ أنحاءِ جسدِه.
“اصمت أيها الحشرة…أما زلتَ حيًا؟”
لمعتْ عيونُ أراميس ببريقٍ مخيفٍ، ووجَّهَ سيفَه الطويل نحوَ إيفان، الذي كان يحتضرُ على الأرضِ، وسيفُه يقطرُ دمًا.
“أتركْ واحدًا على قيدِ الحياةِ، أراميس. نحتاجُه للاستجواب.”
كاليستا، التي كانت تُراقبُهُ بهدوء طوالَ هذا الوقت، تحدَّثَت أخيرًا. وفي تلكَ اللحظة، تغيَّر وجهُ أراميس من غضبِ الأسدِ الهائجِ إلى هدوءٍ مفاجئ.
“أنتَ ساذجٌ.”
قالت كاليستا له بنبرةٍ هادئةٍ، وكأنَّ الجثثَ
الملقاةَ حولَه غيرُ موجودةٍ.
“…ماذا؟”
“ألم أقل لكَ أن تستخدمَ السيفَ بحذرٍ قليلاً في الداخل؟ لقد تناثرَ الدمُ على الفستان.”
“…لكنني كنتُ أحاول ألا يتناثرَ الدمُ على ملابسِ سيدتي.”
“ليس أنا، بل فيكتوريا. ألا تقلقُ بشأن أختِكَ؟”
في تلكَ اللحظة، التفتَ أراميس لينظرَ إلى فيكتوريا.
كانت واقفةً بمفردها بينَ القتلى، وملابسها التي كانت خفيفةً أصبحت مبللةً بسائلٍ أحمر لزج.
“لم يتغيرْ لونُه سواءٌ من قبلُ أو الآن…”
“يبدو أنَّكَ قاسيٌّ كأقارِبكَ.”
توقفتْ كاليستا للحظةٍ ثم أدارتْ وجهها لتنظرَ إليَّ.
في تلكَ اللحظةِ القصيرةِ التي تقابلتْ فيها أعينُنا، شعرتُ وكأنَّ الدفءَ الذي كان قد اختفى سابقاً من عينيها قد عاد.
“أنتِ…”
كانت كاليستا على وشكِ أن تخطو خطوةً نحوي وتقولَ شيئًا.
بيييغ-
في الظلِّ خلفَ الغرفة، حيث لم يكن أحدٌ يهتمُّ به، ظهر شيءٌ ما يُشعُّ بضوءٍ خافتٍ تجاهَنا، مما جذبَ انتباهي.
كان ضوءًا شفافًا، يُشبِه الشعورَ الذي أحدثه القتلةُ من نيترا قبلَ قليل.
وفي لحظةٍ، انهمرَ العرقُ الباردُ على ظهري.
“ابتعدي!”
دونَ أن أفكِّرَ، دفعتُ كاليستا التي كانت على بُعدِ خطوةٍ واحدةٍ.
التعليقات لهذا الفصل " 18"