انهارت القاعة الكبرى كأنها قلعةٌ من ورقِ اللعب في مهب الريح. سقطت الثريات الكريستالية لتتحطم إلى آلاف الشظايا التي عكست وجوه النبلاء المذعورة، بينما كانت الأوراق السحرية تواصل دورانها كإعصارٍ أرجواني، تطارد كل من حاول التستر على ماضي عائلة “كارتييه-مونتفورت”. في تلك اللحظة، لم تعد مدرسة “أوريليوس” صرحاً للتربية، بل تحولت إلى مسرحٍ لانكشاف الأقنعة.
“سيرو، انزلي من هناك!” صرخ ناثان وهو يشق طريقه عبر الحطام، حاملاً كتاباً مفتوحاً يطلق منه دروعاً حامية لصدّ الهجمات السحرية التي كانت تطلقها المعلمات المذعورات.
“لا يمكنني التراجع الآن يا ناثان!” رددتُ، وصوتي يتردد في أرجاء القاعة المهدمة. كنتُ أشعر بكل كلمةٍ كتبتها في المخطوطة وهي تنبض في عروقي. لقد كانت المخطوطة جزءاً مني، وكنتُ أنا أمتدُّ كأخطبوطٍ سحريٍ يسيطر على تفاصيل المكان.
في الزاوية البعيدة، كانت كارسيه قد تخلت عن قناعها الصارم. لم تعد تلك المعلمة المتقنة، بل بدأت تتحول إلى شيءٍ أكثر بدائية. كانت عيناها تتوهجان بضوءٍ رمادي بارد، وبدأت تخرج من أكمام فستانها خيوطٌ من طاقةٍ سوداء، طاقة “صائدي الكلمات”.
“أنتِ لا تفهمين، أيتها الفتاة الغبية!” صرخت كارسيه، وصوتها بدأ يتهشم ليتحول إلى فحيح. “نحن نحميكم من ‘الفوضى’! هذه المدينة، هذا الرخام، هذا النظام.. كلها وُجدت لأن العالم خارج أسوارنا ليس سوى جحيمٍ من السحر الجامح الذي لا يرحم!”
“هذا ليس حماية، هذا سجن!” رددتُ، وقبضتُ على القلم الفضي بكل قوتي. بدأتُ أكتب في الفراغ: «ليتحطم القفص، ولتعد الحقائق إلى أصحابها.»
خرجت من القلم قوةٌ انفجاريةٌ جعلت الأرضية الرخامية تتشقق تحت قدمي كارسيه. في تلك اللحظة، رأيتُ نواه يقفز وسط الفوضى، يلوح بيده بحركةٍ سريعة، مما خلق “فقاعة زمنية” عزل فيها المعلمات عن الطالبات. كان يقاتل بأسلوبه الخاص، أسلوبٍ يجمع بين المؤرخ الذي يعرف نقاط ضعف السحر، والفوضوي الذي لا يخشى كسر القواعد.
“نواه، احذر!” صرختُ عندما رأيت كارسيه تطلق شعاعاً أسود نحو ظهره.
استدار نواه في اللحظة الأخيرة، بابتسامةٍ باردة، وصدّ الضربة بكتابه القديم. “هل هذا كل ما لديكِ يا كارسيه؟ لقد فقدتِ لمستكِ منذ أن بدأتِ في تعليمِ الآداب الزائفة !”
سخرية نواه جعلت كارسيه تزداد جنوناً. بدأت القاعة تتقلب؛ الأرض أصبحت سقفاً، والستائر تحولت إلى أشباحٍ تحاول الإمساك بنا. كان هذا هو “سحر الأقدار”؛ الواقع لم يعد ثابتاً، بل أصبح خاضعاً لما أكتبه أو لما يكتبه من يملك قوة السحر الأسود.
“سيرو، ركزي!” نادى نواه، وهو يقترب مني بينما تتطاير حولنا شظايا الكريستال. “لا تستخدمي قوتكِ للتدمير، استخدميها لإعادة الكتابة! غيري تعريف هذه القاعة!
أغمضتُ عينيّ. أخذتُ نفساً عميقاً وسط هدير الفوضى. شعرتُ بيده على كتفي، كانت دافئة ومستقرة، وكأنها مرساة في وسط المحيط الهائج. لمستُ الورق، وبدأتُ أكتب ببطء، كل حرفٍ كان يضيء القاعة بضوءٍ ذهبيٍ هادئ.
«هنا، حيث يسقط الظلم، تنبت بذور الحقيقة. هنا، لا سلطة إلا لمن يملك صوته.»
مع كل حرف، كان السحر الأسود يتلاشى. الأشباح عادت لتصبح ستائر، والظلام تراجع أمام ضوء الحروف. شعرتُ بإرهاقٍ شديد، لكن القوة كانت لا تزال تتدفق. فتحتُ عينيّ، ورأيتُ كارسيه ساقطةً على الأرض، وقد تلاشت هيبتها تماماً. لم تكن مجرد مهزومة؛ كانت تبدو صغيرة، مذلولة ، ومحتقرة جداً.
ساد صمتٌ مريب في القاعة، صمتٌ لم يعد خانقاً بل كان مليئاً بالترقب. نظرتُ إلى الطالبات؛ كنّ يقفن بذهول، يحدقن فينا وكأننا كائناتٍ أسطورية.
“لقد انتهى الجزء الأول،” قال نواه، وهو يغلق كتابه، ونظراته تتقاطع مع نظراتي بتفاهم مخيف. “لكن المجلس لن يسمح لهذا أن يمر. لقد أعلنا الحرب يا سيرو.”
“ليكن،” قلتُ، وأنا أنظر إلى يديّ اللتين كانت لا تزالان تنبضان بالقوة. “إذا أرادوا حرباً، فليكن السلاح هو الكلمة.”
نظرتُ إلى حقيبتي، المخطوطة كانت لا تزال هناك، لكنها لم تعد مجرد أوراق. كانت الآن “سلاحاً” ينتظر أن يُستخدم لإنهاء حكمهم إلى الأبد. وبجانبي، كان نواه، الرجل الذي كان يصفني بالوقاحة، ينظر إليّ وكأنني المعجزة الوحيدة في هذا العالم المنهار. لم تكن رومانسية عادية، كانت رومانسية مشتعلة على حافة الهاوية، حيث لا يمكن لأحدٍ منا البقاء دون الآخر.
الخطوة التالية كانت واضحة: الخروج من المدرسة. لكن “مدينة الخبز الفضي” كانت تنتظرنا، وبواباتها لم تكن تُفتح للمتمردين. وبينما كنتُ أمشي نحو المخرج، شعرتُ أنني لستُ سيرو التي دخلت هذه المدرسة يوماً؛ كنتُ “كاتبةً” قد كتبت فصلها الأكثر دموية، وتستعد الآن لكتابة التاريخ.
التعليقات لهذا الفصل " 8"