لم تكن حفلة الشاي الكبرى في “أوريليوس” مجرد تجمعٍ اجتماعي؛ كانت استعراضاً للقوة، وجلسةً لتثبيت أوتاد النظام الفكتوري الباهت. الرخام البرّاق كان يعكس وجوه النبلاء المكتسية بقناعِ الجمود، والموسيقى الكلاسيكية كانت تُعزف ببطءٍ مستفز، كأنها دقاتُ ساعةٍ تقترب من لحظة الانفجار.
دخلتُ القاعة بفستاني الحريري الأرجواني الذي قمتُ بـ “تعديله” سحرياً؛ كان النسيج يتحرك مع حركتي مثل لسانِ لهبٍ خفي. في يدي لم أحمل مروحةً أو باقةً، بل حملتُ حقيبةً جلدية صغيرة تحتوي على “مخطوطة الحقيقة”. بجانبي، كانت جوزفين تتماسك بقوة، عيناها تراقبان المعلمات اللواتي كنّ يوزعن نظراتِ الشكِ والتهديد.
“سيرو،” همست جوزفين، ويدها ترتجف فوق كمها، “إنهم ينظرون إلينا. كارسيه تتحدث مع رئيس المجلس.. إنهم يخططون لشيءٍ ما.”
“دعيْهم يخططون،” أجبتُ بصوتٍ هادئ لا يعكس العاصفة في داخلي. “اليوم، سأجعلهم يقرؤون ما لا يرغبون في رؤيته.”
في وسط القاعة، كان نواه يراقبني من زاويةٍ مظلمة، يرتدي حلة رسمية جعلته يبدو كأنه من عالمٍ آخر. لم يبتسم، بل أومأ لي برأسه، إشارةً على أن وقت “اللعبة” قد حان. بدأتُ أمشي نحو منصةِ الخطابة، حيث اعتادت المديرة أن تلقي خُطبها عن “الطاعة والفضيلة”.
“آنستي، إلى أين تذهبين؟” استوقفني أحد الحراس، وهو يمد يده ليمسك بذراعي. قبل أن تلمسني يده، انبعثت شرارةٌ أرجوانية من كمّ فستاني، فأبعد يده مذعوراً وكأنه لمس حديداً محمى.
صعدتُ المنصة. ساد صمتٌ مطبق. المئات من العيون النبيلة كانت تثقب ظهري بالتعجب والاستنكار. التفتتُ نحو المديرة، التي كانت وجهها يكتسي بلونِ الموت. سحبتُ المخطوطة من حقيبتي. لم تكن مجرد أوراق؛ كانت تنبض بحياةٍ خاصة بها، وكأن الحبر الذي كتبته كان دماءً طازجة.
“أيها الحضور الكريم،” قلتُ، وصوتي صدح في القاعة بوضوحٍ جعل الموسيقى تتلاشى. “لقد دُعينا إلى هنا لنحتفل بتفوقنا، بتنسيقنا، وبهدوئنا. لكن هل سأل أحدكم يوماً: ما ثمن هذا الهدوء؟”
بدأت المعلمات بالتحرك نحوي، لكن نواه ظهر فجأة في وسطِ الممر، مخرجاً كتابه القديم، وبدأ يقرأ تعويذةً بصوتٍ عالٍ جعلت الحراس يتجمدون في أماكنهم، وكأن الزمن قد توقف. “اقرئي يا سيرو! هذا هو وقتُ الحقيقة!”
فتحتُ المخطوطة. لم أقرأها؛ بل جعلتُ الكلمات “تتحرر”. قفزت الحروف من الورق، كلماتٌ كانت تصف فساد مجلس النبلاء، وتزويرهم لتاريخِ أجدادنا، وسرقتهم لـ “الشرارة” من طالباتنا. الحروف بدأت تدور حول القاعة كأعاصير صغيرة، تلتصق بجدران القاعة، وتتوهج بضوءٍ لا يمكن إخفاؤه.
“انظروا!” صرختُ، وأنا أشير إلى الحروف المتوهجة. “هذا هو تاريخكم المزور! وهذه هي الدماء التي بُنيت عليها هذه الجدران!”
جنّ جنون الحضور. تحولت الزينة في القاعة إلى كائناتٍ حية؛ باقات الزهور بدأت تطلق أشواكاً نحاسية، والستائر المخملية تحولت إلى أفاعٍ فضية تمنع المعلمات من الوصول إليّ. كانت “إثارة” بالمعنى الحرفي للكلمة؛ نبلاء يفرون في ذعر، فساتين تمزقها مخالب الظلال، وفوضى أرستقراطية لم تشهدها المدينة منذ عقود.
“أنتِ شيطانة!” صرخت كارسيه، وهي تحاول الوصول إليّ بسحرها الأبيض البارد، لكن “درع الحبر” الذي كتبته كان أقوى.
“لست شيطانة، أنا الكاتبة!” أعلنتُ، ويدي ترتفع عالياً، مما جعل الثريات الضخمة في القاعة تتأرجح بعنف. “اليوم، انهار قناعكم! اليوم، سيعرف العالم أن الأرستقراطية التي تتغنون بها ليست إلا سرقةً منظمة لأرواحنا!”
في ذروة الفوضى، لمحتُ نواه وهو يبتسم لي، نظرة كانت هل المقلب في وسطِ الحرب. كانت تلك لحظة التي انقلبت إلى ثورةٍ كونية. لقد تحطم كل شيء: الزينة، الهيبة، والنظام.
بينما كانت القاعة تنهار وتتلاشى تحت وطأة الحقيقة، شعرتُ أن السحر الذي كان يقيدني قد انكسر تماماً. لم أعد فتاةً ترتجف أمام الطباشير؛ كنتُ امرأةً تعيد كتابة العالم بقلمٍ من ضوء. وعندما تلاشت آخر قطعةٍ من القناع الأرستقراطي، لم يبقَ في القاعة سوى الحقيقة.. وكنتُ أنا واقفةً وسط الركام، كاتبةً لم تعد ترضى بالهوامش، بل أصبحت هي الصفحة الأولى.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 7"