كان يوم الثلاثاء يوماً قاتماً، كما لو أن الغيوم نفسها كانت تتآمر مع السيدة سيمبسون لإضفاء لمسةٍ من الكآبة على دروس الآداب. دخلتُ القاعة الكبرى، وكان الهواء ثقيلاً برائحة اللافندر الباردة التي كانت تخنق رئتيّ. كانت الفتيات جالساتٍ في صفوفٍ مستقيمة، وكل واحدةٍ منهن أمامها باقة “توسي-موسي” (Tussy-Mussy) -تلك التنسيقات الصغيرة المليئة بالرموز المزعجة التي تفرضها علينا المدرسة.
السيدة سيمبسون، بوشاحها الأسود وملامحها التي تشبه تضاريس جبلٍ جاف، كانت تتنقل بيننا بملعقةٍ خشبية تضرب بها أصابع من تخطئ. “الزهرة ليست مجرد نبات، يا فتيات،” قالت بصوتٍ يشبه احتكاك السكاكين، “إنها وعاءٌ للتحكم في العواطف. البنفسج للتواضع، والورد الأحمر للحب المسجون، والياسمين لنسيانِ الذات.”
نظرتُ إلى باقتي. كانت الزهور تبدو ذابلة، ليس لأنها تحتاج إلى الماء، بل لأنها كانت تُمتص روحياً. لقد اكتشفتُ الليلة الماضية، أثناء بحثي في ملفات والدي، أن هذه التنسيقات ليست مجرد زينة؛ إنها “أجهزة استقبال سحرية”. كانت السيدة سيمبسون تستخدم هذه الباقات لامتصاص “الشرارة” من كل طالبة، وتوجيه تلك الطاقة إلى “المجلس” في مدينة الخبز الفضي.
“آنسة كارتييه!” دوى صوت سيمبسون وهي تقف خلفي فجأة. “لماذا لا تزال باقتكِ ميتة؟ هل تجدين صعوبةً في التواضع؟”
أمسكتُ بالباقة، وشعرتُ بتلك الخيوط غير المرئية التي تربط الزهور بروحِ سيمبسون. “ربما لأن التواضع لا ينمو في تربةٍ مسمومة، سيدتي،” أجبتُ بهدوءٍ مستفز.
ضحكت الفتيات بخوف، بينما تضيق عينا سيمبسون. “الوقاحة ليست من شيم النبيلات. اركعي وقومي بترتيبها من جديد، أو ستفقدين درجتكِ في ‘فن الحياة’.”
ركعتُ، لكنني لم أرتب الزهور. بدلاً من ذلك، أغمضتُ عينيّ واستحضررتُ القوة التي منحني إياها “القلم الفضي”. بدأتُ أتمتم بالكلمات التي علمها لي نواه في ذاك اللقاء السريع. لم تكن صلاة، بل كانت “فك تشفير”.
«يا لغة الزهور التي صمتت، انطقي الآن بالتمرد.»
بدأت الزهور في يدي ترتعش. في البدء، ظنت سيمبسون أنها مجرد هزةٍ في يدي، لكن الرائحة في القاعة تغيرت. تحولت رائحة اللافندر المريضة إلى رائحة غاباتٍ برية، رائحة حريةٍ لا يحدها سور. فجأة، بدأت بتلات الورد الأحمر تتحول إلى أوراقٍ مسننة، وبدأ الياسمين يطلق خيوطاً متوهجة التفت حول أصابع سيمبسون.
“ماذا تفعلين؟ توقفي!” صرخت سيمبسون، وهي تحاول سحب يديها، لكن الزهور كانت قد ربطتها بالكرسي.
نظرتُ إليها، وقد شعرتُ ببريقٍ أرجواني يحيط بيدي. “لقد كنتِ تعتقدين أننا أوعيةٌ فارغة، أليس كذلك؟ لكن الأوعية تكسر يا سيمبسون، والشرارة التي سرقتِها منا قد عادت لتشعل المكان.”
في تلك اللحظة، تحولت قاعة الدرس إلى ساحة معركة. باقات الزهور على طاولات الطالبات بدأت تتفاعل. لم تكن مجرد زهور؛ كانت تتحول إلى كائناتٍ صغيرة، فراشات من نار، وأوراقٍ تشبه السيوف. جوزفين، التي كانت تجلس بجانبي، بدأت عيناها تلمعان بضوءٍ مماثل. “سيرو.. أنا أشعر بها! أشعر بالقوة!”
“استخدميها يا جوزفين!” صرختُ، وأنا أقف وسط القاعة، ويدي مرفوعة نحو السقف.
اندلعت الفوضى. الفتيات اللواتي كنّ صامتاتٍ طوال سنواتٍ، بدأن ينهضن. تحطمت المزهريات الخزفية، وانطلقت الروائح الذكية لتمزق الستائر المخملية التي كانت تغطي النوافذ. كان سحراً جماعياً، غير مقصود لكنه كان حتمياً.
سيمبسون كانت تحاول استعادة السيطرة عبر “تعويذة التواضع”، لكن قوتها تلاشت أمام فيض الإرادة التي كانت تتدفق من كل واحدةٍ منا. كان الأمر مضحكاً ومثيراً في آنٍ واحد؛ مشهد النبيلات اللواتي يرتدين الدانتيل وهنّ يطلقن تعاويذ متمردة وسط أكوامٍ من الزهور الممزقة.
ثم، فجأة، دخلت كارسيه القاعة، وبيدها “صائد الكلمات” -ذاك الجهاز الذي يشبه القفص المعدني الصغير-. لكنها توقفت عند الباب. كان الجدار الذي كتبتهُ في المكتبة لا يزال فعالاً؛ لم يستطع “الصائد” عبور العتبة.
“سيرو كارتييه!” صرخت كارسيه، وصوتها يرتجف. “لقد تجاوزتِ كل الحدود! لا يمكنكِ العيش في هذا العالم إذا كنتِ ستدمرين قوانينه!”
“العالم الذي تتحدثين عنه انتهى يا كارسيه،” أجبتُ، وأنا أخطو نحوها، والزهور خلفي تشكل درعاً من الأوراق الحية. “نحن لا نريد أن نعيش في عالمكم؛ نحن سنكتب عالمنا الخاص.”
في هذه اللحظة، شعرتُ بلمسةٍ على كتفي. كان ناثان، الذي ظهر من العدم -أو ربما من خلف ستارةٍ ممزقة-. “الوقت يداهمنا يا سيرو. الحصون التي كتبتها بدأت تضعف. نواه بانتظاركِ في الخارج.”
نظرتُ إلى جوزفين، التي كانت تمسك بيديها باقة من الزهور البرية التي خلقتها لتوها، كانت تبدو وكأنها ولدت من جديد. “جوزفين، احمي الفتيات. اخرجن من هنا.”
خرجتُ من القاعة، مخلفةً ورائي تاريخاً من القمع المحطم. لم تكن مجرد حصة فن، كانت لحظة الولادة الحقيقية لتمردٍ سيعرفه التاريخ بـ “ثورة البتلات”. في الممر، كان ناثان ينتظرني، وعيناه تلمعان بجديةٍ مطلقة.
“لقد فعلتِها،” قال بتهكمٍ هادئ. “لقد جعلتِ التواضع يبدو كأنه إعلان حرب.”
“أنا لا أحب الزهور التي لا تشبهني،” أجبتُ، وأنا أندفع نحو البوابة، نحو نواه، نحو العالم الذي لم أكن أعلم حتى الآن حجم أسراره. كنتُ أعلم أن “المجلس” لن يصمت بعد ما حدث في قاعة سيمبسون، وأن الحرب الحقيقية قد بدأت. لكن، لأول مرة في حياتي، كنتُ مستعدة. كنتُ الكاتبة، والقصة كانت ملكي.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 6"