كان الليل في “أوريليوس” ليس مجرد غيابٍ للشمس، بل كان ستاراً من الصمت الكثيف الذي يبتلع الأنفاس. تسللتُ من غرفتي، خطواتي خفيفة كحفيف الورق، وقلبي يقرع في صدري كطبلٍ جنائزي. كنتُ أحمل في يدي “مفتاح العظام”؛ قطعة معدنية قديمة وجدتها مخبأة داخل تجويف خشب مكتبي، ورثتها عن والدي. لم يكن مفتاحاً عادياً، بل كان أداة سحرية تفتح الأبواب التي لا تملك أقفالاً مادية.
كان وجهتي “الأرشيف السري”، قبو المدرسة الذي يُقال إن المعلمات يخفين فيه كل ما لا يليق بعقول الفتيات “الراقيات”. وصلتُ إلى الباب الحديدي الضخم، وضعتُ المفتاح في الهواء أمام القفل، وتمتمتُ بالكلمات التي وجدتها محفورة في ذاكرتي بطريقةٍ غامضة، وكأنها وشمٌ نُقش في روحي منذ الولادة. «لا الصمت يُجدي، ولا القفل يحمي.. افتح يا صدى الحقيقة.»
تأوه الباب الحديدي، وفتح ببطءٍ مهيب. كانت الرائحة في الداخل خانقة؛ غبار، ورق متعفن، وشيء يشبه رائحة الذكريات المحترقة. أشعلتُ شعلةً صغيرة بطرف إصبعي، لم تكن ناراً، بل ضوءاً أرجوانياً يرتجف بتوتر. بدأتُ أبحث في الأرفف، أمزق الأغلفة وأنفض الغبار عن سجلاتٍ تعود لعقود.
ثم وجدته. ملفٌ جلديّ مهترئ يحمل شعار عائلتي: “كارتييه-مونتفورت”.
فتحتُ الملف، وبدأتُ أقرأ. لم يكن والدي مجرد محامٍ خاسر؛ لقد كان “مدون الأقدار” لمدينتنا. كانت الوثائق تكشف أن “مدرسة أوريليوس” لم تُبَن للتعليم، بل كانت “مصفاة سحرية”؛ تُؤخذ الفتيات اللواتي يمتلكن “الشرارة” -تلك القدرة على خلق الواقع بالكتابة- ويتم ترويضهن، محو ذاكرتهن، واستنزاف قوتهن لتغذية “مدينة الخبز الفضي” بالرخاء والاستقرار. لقد كانوا يسرقون سحرنا ليحافظوا على رفاهيتهم الميتة.
“أوه، يا إلهي..” همستُ، ويدي ترتجف. لم تكن مجرد مؤامرة، كانت جريمة أجيال.
وفجأة، تجمدتُ في مكاني. شعرتُ ببرودةٍ قارسة تلتف حول عنقي. من الظلام خلف الأرفف، بدأت تتشكل أشباح. لم تكن كائناتٍ ميتة، بل كانت أصداءً لفتياتٍ سبقنني في هذا السجن، فتياتٍ تلاشت أسماؤهن في سجلات المدرسة. كانت وجوههن باهتة، عيونهن مليئة بالحسرة، وأصابعهن تشير إلى أوراقٍ متناثرة.
لم أهرب. وقفتُ بشموخٍ مستمد من دماء أجدادي. رفعتُ القلم الفضي الذي وجدته داخل الملف، وهو قلمٌ ليس من حبرٍ، بل من نورٍ مجمّد. “أنا لستُ مثلكم،” قلتُ للصمتِ المخيف، “أنا لن أكون مجرد صدى في هذا القبو.”
بدأتُ أكتب في الهواء. الحروف الأرجوانية التي خطها قلمي بدأت تتوهج وتندمج مع أجساد الأشباح. لم أكن أطردهن، بل كنتُ أحررهن. بدأتُ أكتب أسماءهن في الهواء، أسماءً كانت المدرسة قد محتها: “إليزا، مارغريت، كلارا..” كل اسمٍ كتبته كان يحرر روحاً، وكل روحٍ تحررت كانت تعيد لي جزءاً من “الذاكرة المفقودة” للمدرسة.
فجأة، انفتح الباب الحديدي بقوة. كانت المعلمة كارسيه، ووجهها لا يحمل الغضب، بل رعباً مطلقاً. كانت تحمل في يدها فانوساً يطلق ضوءاً أبيض زائفاً، ضوءاً كان يُستخدم لامتصاص السحر.
“التوازن؟” ضحكتُ بسخرية، والقلم في يدي يلمع كبرقٍ في ليلةٍ عاصفة. “أنتِ تعنين العبودية يا كارسيه. لقد عرفتُ كل شيء. والدي لم يسقط، لقد أُسقط لأنه كان يكتب الحقيقة التي أنتم عاجزون عن تحملها.”
“لقد كان مجنوناً!” صرخت كارسيه، وتقدمت نحوي وهي تلوح بالفانوس. “نحن نحمي العالم من فوضاكم! أنتِ لا تدركين حجم القوة التي تلعبين بها!”
“بلى، أدرك،” قلتُ، ووجهتُ طرف القلم نحوها. وبحركةٍ سريعة، رسمتُ في الفراغ رمزاً يشبه دوامةً لا تنتهي. اندفعت قوةٌ دافعةٌ من الرمز، دفعت كارسيه إلى الوراء حتى ارتطمت بالجدار. لم أكن أريد إيذاءها، كنت أريد فقط أن أثبت لها أن “عشوائياتي” قد تطورت لتصبح واقعاً.
سقط الفانوس من يدها وانكسر، وتلاشى الضوء الزائف. في تلك اللحظة، عمّ الفصل صمتٌ رهيب، لكنه كان صمتاً حياً، صمتاً يئنّ تحت وطأة الحقيقة التي كُشفت.
نظرت إليّ كارسيه من الأرض، بعينين خاليتين من الكبرياء، مليئتين بالهزيمة. “أنتِ لا تعرفين مع من تعبثين، سيرو. نواه وناثان.. هما أيضاً ليسا كما تظنين.”
توقفتُ، وقلبي يغصّ بالشك. “ماذا تعنين؟”
لكنها لم تجب. استدارت وهربت في الممرات، تاركةً إياي وسط الأشباح التي تحررت، وبين يدي ملفٌ يغير كل ما كنت أؤمن به. في تلك اللحظة، أدركتُ أن المغامرة قد خرجت عن نطاق السيطرة، وأنني لستُ أواجه المدرسة فحسب، بل أواجه خيوطاً سياسية وتاريخية تمتد إلى أبعد مما يمكن لقلمي أن يصف.
سحبتُ حقيبتي، وضعتُ الملف والقلم الفضي فيها، وخرجتُ من القبو. كانت ليلتي في “أوريليوس” قد انتهت، لكن رحلتي الحقيقية في مواجهة الأكاذيب قد بدأت للتو. في الممر الطويل، لمحتُ ظلاً لشخصٍ يقف في نهاية الرواق، شخصٌ يراقبني، يراقب كل خطوةٍ أخطيها نحو مصيري. هل كان نواه؟ أم عدواً آخر؟ لم أعد أعلم، لكنني عرفتُ شيئاً واحداً: لم أعد أخاف الظلام، لأنني أصبحتُ أنا من يكتب نوره الخاص.
التعليقات لهذا الفصل " 4"