3 - الفصل الثالث: مدينة الخبز الفضي وفوضى العباقرة
انتبه: هذا الفصل الثالث !! متى وصلت ؟؟
خارج أسوار مدرسة “أوريليوس” القامعة، حيث تنتهي حدود التقاليد وتبدأ حدود التمرد، تقع “مدينة الخبز الفضي”. الاسم، في حد ذاته، كان سخرية من الطبقة الأرستقراطية؛ فالمباني الرخامية التي تتلألأ تحت شمس الظهيرة لم تكن سوى قشورٍ مصقولة تغطي تعقيداتٍ لا يراها أحد. وفي قلبِ هذه المدينة، كان هناك مكتبٌ يرتفع في طابقٍ مهجور، يمتلكه “نواه آبلين”، الرجل الذي وصفه ناثان بـ “الفوضوي”.
كان المكتب أشبه بمتحفٍ للحوادث الأدبية. أكوامٌ من المخطوطات التي تعود لعصورٍ ما قبل التنوير كانت تتراكم كالجبال، وفناجين شاي فارغة تُركت منذ أيام، وأوراقٌ مُبعثرةٌ كأنها ضحايا انفجارٍ فكري. كان نواه يجلس خلف مكتبه الضخم، قدمه ممدودة فوق كومة من الأطالس الجغرافية، وعيناه الزرقاوان الحادتان تحدقان في سقف الغرفة المزخرف، وكأنه يقرأ فيه خريطة النجوم.
“أنتَ متأخر يا ناثان،” قال نواه دون أن يلتفت، وصوته يمتلك رنيناً رخِيماً يشبه احتكاك الورق القديم. “هل قضيتَ وقتك في محاولة إقناع فتيات الأرستقراطية بأن الوردة لا تُقطع بالمقصات فحسب، بل تُقطع بالكلمات؟”
دخل ناثان الغرفة، ونفض الغبار عن سترته بوقار، ثم جلس مقابل نواه وهو يبتسم ابتسامة غامضة. “لقد وجدتُها يا نواه. القصيدة غير المنقّطة التي كنتَ تحلم بها.”
تصلب نواه في كرسيه. سحب قدمه من فوق الأطالس، وأمال رأسه بفضولٍ مسموم. “سيرو كارتييه؟”
“سيرو كارتييه-مونتفورت،” صحح ناثان.
انفجر نواه بضحكةٍ جافة، مليئة بالمرارة والدهشة. قام من مقعده وبدأ يطوف حول الغرفة، يلمس المخطوطات بأصابعه النحيلة. “كارتييه-مونتفورت! يا لها من مفارقة سخيفة. تلك العائلة التي ظننا أنها انقرضت مع سقوط والدها المزعوم، تعودُ لترسل لنا فتاةً متمردة في مدرسةٍ تهدف لمحو الذاكرة!”
“إنها ليست مجرد فتاة يا نواه،” قال ناثان، محاولاً استعادة جديته. “لقد رأيتُ ما فعلتْه بالسبورة. الزهرة السوداء لم تكن مجرد رسم؛ كانت شقاً في جدار الواقع. الفتاة تمتلك قوى ‘الكلمة’، قدرة أجدادها على تحويل النص إلى حقيقة.”
توقف نواه عن الطواف، ونظر مباشرة إلى ناثان. كان هناك بريقٌ غريب في عينيه، مزيجٌ من الإعجاب المهني والعداء الخفي. “إذا كانت تمتلك قوة الكلمة، فهي في خطرٍ أكبر مما تظن. مجلس النبلاء في ‘الخبز الفضي’ لا يسمح بوجود شعراء يكتبون الواقع. إنهم يحبون الشعراء الذين يكتبون القصائد عن الطقس والزهور، لا أولئك الذين يكتبون ‘الحقيقة’.”
“إنها تكره الرجال، بالمناسبة،” قال ناثان بابتسامة خبيثة. “خاصةً من يصفهم أصدقاؤها بـ ‘الفوضويين الذين لا يعرفون حدودهم’.”
أصدر نواه صوتاً يشبه الشخير الساخر. “أوه، لا شك في ذلك. إنها ابنة كارتييه، والرجال في حياتها كانوا دائماً رموزاً للنظام الذي سحق عائلتها. لا يهم، سأجعلها تكرهني أكثر، طالما أن ذلك يعني أنها ستتوقف عن محاولة أن تكون ‘سيدة مجتمع راقية’.”
جلس نواه مرة أخرى، وبدأ يُقلّب في أوراقٍ كانت مغطاة برموزٍ غير مفهومة. “أخبرني يا ناثان، كيف تبدو؟ هل هي حقاً بتلك الحدة؟”
“إنها ليست حادة فقط، إنها مشتعلة،” أجاب ناثان، وهو يخرج من حقيبته دفتراً صغيراً، كان قد سرقه من مكتبة المدرسة أثناء تفتيشه. “وهذا الدفتر، يا صديقي، هو مجرد عينة.”
فتح نواه الدفتر، وبمجرد أن وقعت عيناه على السطور المكتوبة بخط سيرو، ساد صمتٌ مطبق في الغرفة. لم تكن مجرد كلمات؛ كانت السطور تتراقص على الورق، وتُصدر صوتاً خافتاً يشبه الهمس. كان الحبر لا يزال يقطر طاقة، يرفض أن يُحتجز في حدود الورق.
“إنها لا تكتب ذكريات،” همس نواه، ويداه ترتجفان قليلاً. “إنها تكتب ‘تاريخاً موازياً’. كل كلمة هنا تغير شيئاً ما في مكانٍ ما. إذا استمرت في الكتابة، فستجعل كل جدران مدرسة أوريليوس تتداعى.”
“وهذا ما نريده، أليس كذلك؟” سأل ناثان.
“ما نريده هو شيء أكبر من مجرد انهيار الجدران،” قال نواه، وقد بدأ بريق الجنون المبدع يلمع في عينيه. “نريد استعادة التاريخ الذي سرقوه. لكن علينا أن نكون حذرين. إذا عرف ‘المجلس’ أننا نقترب من سيرو، فسيحاولون محوها، تماماً كما فعلوا مع والدها.”
في تلك اللحظة، رنّ جرسٌ خفيّ في الغرفة، جرسٌ لا يسمعه إلا من يمتلكون حساسية تجاه الخوارق. اتسعت عينا نواه. “لقد بدأت، ناثان. سيرو بدأت بكتابة شيءٍ سيغير كل شيء. علينا أن نتحرك، ليس كمراقبين، بل كحلفاء.”
ضحك ناثان، وبدأ يلملم أوراقه. “مغامرة في عرين الأسود؟ لم أكن أتوقع أقل من ذلك من مؤرخٍ مثلك.”
خرج الاثنان من المكتب، تاركين خلفهما الفوضى الإبداعية التي ستصبح قريباً ساحة المعركة الحقيقية. وبينما كانت “مدينة الخبز الفضي” تستعد ليومٍ عادي آخر، كان هناك شيءٌ ما في الهواء يتغير؛ رائحة الحبر والورق القديم كانت تمتزج برائحة العاصفة القادمة. سيرو، في قصر الثلج، كانت لا تزال تكتب، ولم تكن تعلم أن كلماتها أصبحت البوصلة التي يتبعها أقوى المتمردين في المدينة.
التعليقات لهذا الفصل " 3"