2 - الفصل الثاني: همسُ الحشيش البري في الحديقة الممنوعة
انتبه: إن اعجبك الفصل السابق فأدعو لي
الحديقة في مدرسة أوريليوس لم تكن مجرد بقعة خضراء؛ كانت متحفاً حياً للنظام القمعي. كان كل نباتٍ فيها مقيداً بخيوطٍ غير مرئية، وكل بتلةٍ كانت تُجبر على الانحناء في اتجاه الشمس وفق قوانين السيدة سيمبسون الصارمة. مشيتُ فوق الرخام الأبيض المنسق، وصوت خطواتي يبدو كإهانة للمكان. كنتُ لا أزال أشعر بذرات الطباشير تغلف أصابعي، وكأنها غبارٌ كونيّ يحمل معه ذكرياتٍ من عالمٍ آخر.
“ألم يخبروكِ أن الحشائش الضارة تُقتلع من جذورها في هذا المكان؟”
توقف قلبي لثانية، ثم استدارتُ ببطء. كان جالساً على مقعدٍ حجريٍ مخفيٍ خلف شجيراتِ الورد المُهندسة. لم يكن يرتدي الزي المدرسي، بل قميصاً كتانياً بسيطاً وسترة ذات ألوان ترابية، وكان يمسك بكتابٍ قديمٍ غلافه الجلدي يبدو وكأنه نُسج من خيوط الزمن. إنه “ناثان توبايس”.
“السيد توبايس،” قلتُ، محاولةً استعادة قناعي الأرستقراطي البارد. “لا أعتقد أن وجودك هنا جزءٌ من جدول حصصنا الدراسي.”
ابتسم، وكانت ابتسامته تفتقر إلى ذلك الوقار المصطنع الذي يرتديه الرجال في مجتمعي. “جدول الحصص؟ أوه، أنا لا أؤمن بالخطوط المستقيمة يا آنسة كارتييه. أنا أفضل المنحنيات… والمتاهات.” أغلق الكتاب، ونهض ببطء. لم يكن طويلاً جداً، لكنه كان يمتلك حضوراً يملأ المكان، حضوراً لا تملكه أي سيدة في أوريليوس.
“وماذا يفعل ‘حشيشٌ بري’ مثلك في حديقةٍ يكرهها؟” سألتُ، وقد بدأ فضولي يتجاوز حذري.
اقترب خطوة، ورأيتُ في عينيه بريقاً يذكرني بذاك الضوء الأزرق الذي انبعث من السبورة. “أنا هنا لأجل الكتاب، ولأجل الحقيقة التي تحاول هذه الجدران طمسها. وأنتِ… أنتِ لستِ مجرد طالبة مشاغبة، أليس كذلك؟ السبورة لم تكتب تلك الزهرة السوداء من تلقاء نفسها.”
تراجعتُ خطوة. “أنت تتوهم، سيد توبايس. كانت مجرد… رد فعلٍ فيزيائي بسيط.”
ضحك، ضحكة خفيفة ورخيمة هزت كتفيه. “الفيزياء هي علم الجبناء الذين يخشون السحر. أنتِ كارتييه-مونتفورت، أليس كذلك؟ أنتِ تحملين في دمائكِ مفتاحاً لمدخلٍ أُغلق منذ قرن.”
شعرتُ بقشعريرة تسري في ظهري. كيف يعرف؟ كيف يجرؤ على قول اسم عائلتي بهذا الشكل؟ “أنتَ تتحدث بألغازٍ لا تليق برجلٍ نبيل. والرجال النبلاء -كما علمتني والدتي- لا يحشرون أنوفهم في شؤون الفتيات.”
“أنا لستُ نبيلاً، وأنا بالتأكيد لستُ وقحاً بما يكفي لأكون مجرد عابر سبيل،” قال وهو يمد يده ليأخذ بتلة وردة كانت قد سقطت على الأرض. بمجرد أن لمسها، تحولت الوردة من لونها الأحمر الباهت إلى لونٍ قرمزيٍ حيوي، وبدأت تتفتح من جديد في كفه. “أنا مجرد مؤرخٍ يبحث عن قصةٍ تستحق أن تُروى قبل أن يمحوها التاريخ.”
كانت هذه هي اللحظة التي شعرتُ فيها أن العالم الذي أعرفه يتشقق. الوردة في يده، الضوء في عينيه، والسر في دمي. “أخبرني،” همستُ، وقد نسيتُ تماماً قواعد الآداب، “كيف تعرف كل هذا؟ هل أنت… واحدٌ منهم؟”
“أنا واحدٌ ممن يؤمنون أن العالم ليس مجرد ما نراه،” أجاب وهو يعيد الوردة إلى مكانها، لتبقى مفتوحة، متمردة، خارج سياق الحديقة المهندسة. “هناك صديقٌ لي، نواه، سيجن جنونه عندما أخبره أنني وجدتكِ.”
“نواه؟” تذكرتُ الاسم. “ذاك الوقح الذي يتحدث عن ‘فوضى النساء’؟ لا أريد مقابلته. لا أريد مقابلتكما.”
“الوقاحة هي غالباً صراحةٌ لا يستطيع المجتمع تحملها،” قال ناثان وهو يعود للجلوس. “فكري في الأمر، سيرو. أنتِ محبوسة في مدرسة تُعلمكِ كيف تنسقين الزهور لتموتي في صمت، بينما روحكِ تريد أن ترسم زهوراً من نار. لا أحد سيحميكِ هنا، لا سيمبسون، ولا حتى ذاكرتكِ عن والدكِ.”
نظرتُ إلى الوردة المتفتحة، ثم نظرتُ إلى ناثان. كان هناك شيءٌ في هدوئه يجعلني أريد أن أثق به، ورغم غضبي من جرأته، شعرتُ براحة غريبة. كانت هذه مغامرة، مغامرة حقيقية وسط روتين الموت البطيء.
“سأفكر،” قلتُ، ثم استدرتُ لأغادر.
“سيرو،” نادى عليّ، فتوقفتُ. “لا تغلقي دفتركِ تماماً. في بعض الأحيان، الكلمات التي نكتبها في الظلام هي التي تنير الطريق في الصباح.”
مشيتُ مبتعدةً، وقلبي ينبض بإيقاعٍ لم أعهده. لم تكن مجرد حديقة؛ كانت مسرحاً للعبةٍ كبرى لم أكن أعلم أنني بطلتها. وبينما كنتُ أتجاوز ممر المدرسة، شعرتُ أن نظرات المعلمات تلاحقني، ليس لأنني خالفتُ القواعد، بل لأنني أصبحتُ الآن “مختلفة”.
عدتُ إلى غرفتي الصغيرة، فتحتُ دفتري، وبدأتُ أكتب. لم أكتب عن ترتيب الزهور، ولا عن دروس الآداب. كتبتُ عن الرجل ذو الكتاب، عن الوردة التي عادت للحياة، وعن الشعور الغريب الذي يخبرني أن قصر الثلج قد بدأ يذوب، وأن العشوائيات ليست تافهة؛ إنها البداية.
في تلك الليلة، وأنا أحاول النوم، سمعتُ همساً يأتي من خلف الجدار. همسٌ بلغةٍ قديمة، لغةٍ تشبه الرموز التي رسمتها على السبورة. أغمضتُ عيني، وتمنيتُ لو أنني أستطيع أن أكون “سيدة راقية” كما أرادوا، لكنني عرفتُ في أعماقي أن ذلك المستحيل قد حدث. لقد استيقظت القوى التي كانت نائمة في دمي، ولم يعد هناك مفرٌ من القدر الذي بدأ يُكتب الآن.
التعليقات لهذا الفصل " 2"
تمرد البطلة هو نوعي المفضل لأنه حرفياً يعكس شخصيتي الحقيقة
هذا مو البطل