10 - الفصل العاشر: الفصل الأخير من "العشوائيات" ( النهاية )
وضع الراوي قلمه الثقيل على الطاولة الخشبية، وتنهد بعمق، وكأن وزناً كان يضغط على صدره طوال الساعات الماضية قد انزاح أخيراً. نظر إلى أصدقائه الثلاثة الذين كانوا يجلسون حوله في المقهى الصغير، دخان سجائرهم يمتزج برائحة القهوة الباردة.
“هذا هو الفصل الأخير،” قال الراوي بصوتٍ مبحوح، وعيناه لا تزالان عالقتين في الصفحات التي كتبها. “سيرو تموت في الساحة بعد أن تطلق شرارة الحرية الأخيرة، ونواه… نواه يتحطم تماماً. يدفن نفسه في برجه القديم، يحيط نفسه بأوراقها، ولا يخرج أبداً. ينتهي الأمر برجلٍ يعيش على بقايا ذكرى، وامرأةٍ صارت هي القصة نفسها، لكنها غائبة عن كل شيء.”
ساد صمتٌ ثقيل في المقهى، ثم فجأة، انفجر “سامر” ضاحكاً بسخرية وهو يضرب الطاولة بيده: “هل تمزح معي؟ هذه هي النهاية؟ لقد جعلتها تحارب مدرسة كاملة، وتواجه مجلس النبلاء، وتكتب الواقع بقلمٍ سحري، وفي النهاية تنهي حياتها بهذه الطريقة المأساوية؟ هذا ليس عدلاً، هذا إحباطٌ متعمد للقارئ!”
هزت “ليلى” رأسها بأسى، وقد بدت آثار الحزن على وجهها: “أوافق سامر. لقد تعبنا معها طوال الرواية، تمنينا أن نراها تخرج من البوابة الحديدية وتمشي في العالم الذي غيرته بيديها، أن تعيش مع نواه وتكتب فصولاً جديدة في عالمٍ أكثر عدلاً. موت البطلة الآن يبدو وكأنه استسهالٌ في الحبكة، وكأنك تقول للقارئ: لا فائدة من التمرد، فالمتمردون دائماً يُسحقون.”
أما “خالد”، الذي كان صامتاً طوال الوقت، فقد نظر إلى الراوي بعينين ضيقتين: “أنا لا أكره المأساة، لكن اكتئاب نواه في النهاية يجعل القصة تبدو كأنها تدور في حلقة مفرغة. لقد جعلت بطلنا يحب امرأةً خارقة، وعندما رحلت، تحول إلى رجلٍ بلا معنى. ألا يوجد أمل؟ ألا يمكن أن تتركنا مع بصيصٍ من الضوء، بدلاً من هذا القبو المظلم الذي تركتَ نواه فيه؟”
الراوي استند إلى كرسيه، وابتسم ابتسامةً باهتة لا تصل إلى عينيه. “أتعلمون؟ هذا بالضبط ما كنتُ أخشاه. ولكن، أليس هذا ما يحدث في الواقع؟ التمرد دائماً يترك ندوباً، وتغيير العالم دائماً يكلفنا أغلى ما نملك. سيرو لم تكن مجرد بطلة، كانت ‘فكرة’. والأفكار لا تعيش في القصور مع أبطالها، بل تعيش في أذهان من يقرؤون عنها. موت سيرو هو الحبر الذي يجعل كلماتها لا تُمحى.”
قاطعته ليلى وهي تقف لتغادر بحدةٍ تمتزج بالأسى: “لا يهم، سأظل أكره هذه النهاية. إذا كنت تنوي نشرها، فاستعد لهجوم القراء. لن يغفروا لك موت سيرو بهذه السهولة، لكن إن أردت الصدق… فهذه القصة التي تسميها أحد عشوائياتك مثيرة صراحة، وإن نشرتها سأحبها، لكنني سأكره النهاية إلى النهاية .”
نظر الراوي إلى أصدقائه وهم يغادرون المقهى واحداً تلو الآخر، تاركين خلفهم فراغاً يضاهي فراغ قلبه. التفت إلى أوراقه المبعثرة، جمعها بعناية ووضعها داخل ملفٍ أزرق مليء بالأوراق و المسودات. أغمض عينيه، وساد في رأسه تساؤلٌ أزلي: “هل كانت سيرو تستحق مصيراً أفضل؟ أم أنني ككاتب لم أكن أملك الحق في منحها أكثر من هذا الألم الجميل؟ هل النهاية المأساوية هي وحدها ما يجعل القصة تستقر في القلوب.. أم أننا كبشر نخشى النهايات الحزينة فقط لأننا نخشى مواجهة واقعنا، حيث لا توجد دائماً يدٌ سحرية لإنقاذنا؟”
نظر الراوي إلى أصدقائه وهم يغادرون، ثم التفت إلى أوراقه مرة أخرى. تساءل في سره: “هل كانت سيرو تستحق مصيراً أفضل؟ أم أنني ككاتب لم أكن أملك الحق في منحها أكثر من هذا الألم الجميل؟ هل النهاية المأساوية هي وحدها ما يجعل القصة تستقر في القلوب.. أم أننا كبشر نخشى النهايات الحزينة فقط لأننا نخشى مواجهة واقعنا، حيث لا توجد دائماً يدٌ سحرية لإنقاذنا؟”
التعليقات لهذا الفصل " 10"