انتبه : قد لا تخرج من الفصل كما دخلته و قد تنهي الرواية من جلسة واحدة
تخيل مكاناً حيث الشمس لا تجرؤ على الدخول دون إذنٍ مُسبق من إدارة المدرسة. هذا هو قصر “أوريليوس”، الذي يُطلق عليه بتهكم “قصر الثلج”. هنا، كل شيء مُرتب، مُعقم، ومُصقول بصرامةٍ تقتل الروح قبل أن تولد. كانت الجدران العالية، المطلية بلون كريمي باهت، تمتص أي صدى للفرح، وتستبدله بوقع الأحذية الجلدية المنتظمة فوق الرخام البارد. في هذه البيئة الفكتورية الموحشة، حيث تُقاس كفاءة الفتاة بمقدار انحناءة ظهرها وطريقة حملها لملعقة الشاي، كنتُ أنا، “سيرو كارتييه”، البقعة السوداء التي تُفسد نظافة اللوحة.
“سيرو، هل أنتِ تكتبين مُجددًا تلك التفاهات العشوائية؟”
اخترق صوت المُعلمة “كارسيه” أذنيّ، قاطعًا حبل أفكاري بعنف. كانت كارسيه، بطولها الفارع ونظارتها التي تنزلق دائماً على أرنبة أنفها، تُشبه في هيئتها كرسي تعذيبٍ قديم. اقتربت مني، وعبقُ اللافندر الكيميائي القوي يسبقها، مُحملة بذلك الازدراء الذي طالما عرفته في عيون هؤلاء “المُربيات”. نظرت إلى دفتري الجلدي المهترئ -صندوق كنوزي الممنوع- وكأنه كائنٌ غريبٌ يجب استئصاله.
“أنا هنا لأُدرسّكِ الآداب والفن، أيّ أمور راقية، لا أشياء عشوائية لن تحتاجيها في حياتكِ كسيدة مجتمع. تفهمين؟”
“أفهم، آنسة كارسيه،” أجبتُ بصوتٍ خافت، مُخفيةً بركاناً من السخرية خلف عينيّ الرماديتين. لم تكن تفهم أن “عشوائياتي” هي الشيء الوحيد الذي يمنعني من التحول إلى تمثالٍ من الرخام مثل بقية زميلاتي. أغلقتُ الدفتر بحرص، كانت أصابعي ترتجف، ليس خوفاً، بل غضباً مكبوتاً.
“تجاهل الأكبر سنًا؟ يا لكِ من فتاة وقحة! والآن، اكتبي ثلاثين مرة: ‘العشوائيات والكتابة لن تكون أبدًا طريقة لأصبح سيدة مجتمع راقية ومهذبة’.”
صعدتُ إلى السبورة، وريشة الطباشير في يدي بدت كأنها سيفٌ صدئ. بدأت أخطُّ الكلمات، والحبر الأبيض يترك أثراً كالجرح على سطح السبورة الأسود. في المرة الأولى، كانت الحروف متراصة كجنود في استعراضٍ عسكري. لكن في المرة الخامسة، بدأتُ أتلاعب بالضغط على الطباشير. لم أكن أكتب الكلمات فحسب؛ كنتُ أكتب احتجاجي. العشوائيات؟ هل يعني ذلك أن الأفكار يجب أن تكون مُرتبة مثل خط سير الحافلات؟ هل يجب أن تكون حياتي مُنظمة مثل حفل شاي ملكي؟ لا يوجد شيء عشوائي حقًا في هذا الكون؛ كل نبضة قلب، كل كلمة أكتبها، هي نتيجة لملايين الأحاسيس والتجارب التي لا يمكن لامرأة مثل كارسيه أن تتخيل عمقها.
زميلاتي في الفصل كنّ كالتماثيل. “جوزفين”، صديقتي التي تشاركني المقعد، كانت تضغط على منديلها الدانتيل حتى اصفرّت مفاصل أصابعها. كانت عيناها تترجيانني أن أتوقف، أن أعتذر، أن أكون “مُهذبة”. لكن الالتزام المطلق هو أكسجين هذه المدرسة، وأنا كنتُ أختنق.
في المرة العاشرة، بدأتُ أضيف لمساتٍ صغيرة. جعلتُ حرف “السين” في كلمة “سيدة” يمتد كذيل ثعبان، وجعلتُ “الوقحة” تبدو أكثر بروزاً. كانت تعويذة صامتة. كنتُ أشعر بومضاتٍ غريبة في أطراف أصابعي، وكأن ذرات الغبار التي يثيرها الطباشير تستجيب لإرادتي. هل كان هذا سحراً؟ أم كان مجرد تمردٍ فاق حدوده الفيزيائية؟ لم أكن أعلم، لكن كلما كتبتُ، زاد الضوء المنبعث من أطراف السبورة.
كانت الفتيات ينظرن إليّ بدهشة، وبعضهن بدأن يهمسن بكلماتٍ لم أسمعها من قبل. كارسيه، التي كانت تجلس في مكتبها بظهرٍ مستقيم لا ينحني، كانت تقرأ ورقة، ولم تلاحظ أن السبورة خلفها بدأت تهمس. نعم، كانت الكلمات تهمس. صوت الطباشير على اللوح تحول إلى سيمفونية من الخدوش الإيقاعية. كنتُ أدون التمرد، والسبورة كانت تصدح به.
“ستتخلصين من هذا الطيش، سيرو،” قالت كارسيه دون أن تنظر إليّ، وكأنها تسمع موسيقى غير مريحة.
“سأحاول جاهدة، آنستي،” أجبتُ، بينما كنت أكتب السطر العشرين. الهامش أسفل السبورة بدأ يمتلئ برموزٍ لم أكن أعرفها، رسوماتٌ هندسية غريبة بدأت تتشكل من بقايا الطباشير الساقطة. كانت تُشبه خريطة لمكانٍ لا وجود له، أو ربما مكانٍ سأذهب إليه قريباً.
في المرة الثلاثين، وعندما وضعتُ النقطة الأخيرة، حدث شيء لم يتوقعه أحد. اهتزت الأرض تحت أقدامنا، وانطفأت المصابيح الغازية في الفصل لثانية واحدة، ثم عادت للاشتعال بضوءٍ أزرق خافت. الفصل كله ساد فيه صمتٌ مطبق، صمتٌ يخلو من رنينِ الملاعق أو حفيف الفساتين. الجميع نظر إلى السبورة، كانت الكلمات التي كتبتها قد اختفت، وحلّ محلها رسمٌ متقن لزهرةٍ سوداء ذات بتلاتٍ مسننة تشبه السكاكين.
نظرت كارسيه إلى السبورة، اتسعت عيناها خلف النظارة، وسقط القلم من يدها. كانت ترتجف. لم تكن خائفة من فتاة وقحة، كانت خائفة من شيءٍ قديم، شيءٍ كانت تظن أنها دفنته تحت طبقاتِ “الآداب والفن”.
نظرت إليّ، وبدلاً من الصراخ، قالت بصوتٍ مرتعش: “اخرجي، سيرو. اذهبي إلى الحديقة. لا أريد رؤية وجهكِ حتى الغد.”
خرجتُ من الفصل، لم ألتفت خلفي. شعرتُ بقوةٍ غريبة تسري في عروقي، قوة تجعل الهواء من حولي يبدو كأنه يتشكل طوع بناني. في الخارج، كانت شمس الظهيرة الباهتة تبدو أكثر سطوعاً، والرياح تهبُّ كأنها ترحب بعودتي إلى شيءٍ فقدته. كنتُ أعلم أن العقوبة لم تنتهِ؛ لقد بدأت للتو مغامرةٌ ستغير وجه هذا القصر الثلجي إلى الأبد. لم أكن مجرد “سيرو”؛ كنتُ بداية العاصفة.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
ذكرتني لما كنت أتعلم طريقة لف محشي ورق الكرنب و ماما كانت تعلمني بطريقة و أنا اتقن لفه بطريقة تانية و النتيجه كانت واحدة، وقتها قولت لها مش شرط أنسخ طريقتك في اللف المهم ان النتيجة واحدة و ان كل واحد فينا له طريقتة في التفكير و صنع الأشياء
التعليقات لهذا الفصل " 1"
ياربي يا ڤيولا حبيت إيموجات الوجه اللطيفة الي تحطيها جانب العبارات دي اديتها لمسة مانهوا لطيفة بجد انك شاطرة اوي يا كتكوته انتي👏🥹
“انا لا أريد إنعكاساً باهتاً لأحد”
ذكرتني لما كنت أتعلم طريقة لف محشي ورق الكرنب و ماما كانت تعلمني بطريقة و أنا اتقن لفه بطريقة تانية و النتيجه كانت واحدة، وقتها قولت لها مش شرط أنسخ طريقتك في اللف المهم ان النتيجة واحدة و ان كل واحد فينا له طريقتة في التفكير و صنع الأشياء
حلو السرد
وحبيت شخصية البطلة ،
ومتحمسة للبطل إذا في بطللللل
يارب يكون بطل غير تقليدي كماننن