هل رأت كانا عيون القطّ أيضًا؟
استدارت هينا خوفًا من أن تكون أختها قد فزعت، لكنّ كانا لم تكن تنظر إلى القطّ أصلًا، بل إلى الفراغ.
“كانا؟”
“لا شيء يا أختي. آه؟ ذلك القطّ….”
بدت كانا و كأنّها انتبهت إلى وجود القطّ لتوّها.
مالت برأسها قليلًا، ثمّ تفحّصت طوقه، و اندفعت بوجهٍ مشرق نحو الآنسة.
“هل هذا قطّكِ يا آنسة؟ كنتَ هنا إذًا.”
و حين مدّت كانا يدها تداعب ذقنه، أخذ الوحش يخرخر كأنّه قطّ حقيقيّ.
راود هينا شعور بأنّها تريد انتزاع يد كانا فورًا و إخفاءها خلفها، لكنّ الأجواء بينهما بدت وديّة متناغمة إلى حدٍّ لم يسمح لها بالاقتراب.
سبب تظاهر القطّ باللطف هو أنّ كانا لا تعرف حقيقته.
افتراض أنّه قد ينقلب فجأة إن تحرّكت هينا، قيّـد قدميها في مكانهما.
دون أن تنتبه لقلق هينا، تبعت كانا الآنسة إيفانجلين إلى داخل الباب.
“أختي؟ لماذا تقفين هناك؟”
استعجلت كانا هينا التي كانت متجمّدة في مكانها.
شعرت هينا بأنّ أختها بدت غريبة قليلًا، لكنّها في النهاية دخلت أيضًا.
قالت الآنسة إيفانجلين إنّها متعبة، و لا حاجة لتفقّد مكان النوم، ثمّ صعدت إلى الأعلى.
خشيت هينا أن تتبعها كانا، فأمسكت بيدها و صعدت الدرج.
بينما تستحضر موقع الطابق الرابع، فتحت باب الغرفة الواقعة مباشرةً أسفل غرفة الآنسة.
و مثلما لم تخطئ ذاكرتها، كانت هذه فعلًا غرفة الكونتيسة.
حتى هينا، التي لم تُوظّف إلّا بعد وفاة الكونتيسة، كانت هذه المرّة الأولى التي تدخلها فيها.
رغم أنّ الكونت هـدّد بعدم التجوّل قرب غرفة زوجته، بدا أنّ أحدهم خالف الأوامر و نظّف المكان سرًّا، إذ كانت حالته جيّدة جدًّا.
بل إنّه كان يحمل إحساسًا بالحياة.
بينما كانت هينا تتفقّد الغرفة، كانت كانا قد أنهت تغيير ملابسها و قفزت فوق السرير.
في البيت كانت ترفض الاستلقاء و تجلس دائمًا، لكن يبدو أنّها متعبة اليوم فعلًا.
لم يمضِ وقت طويل على تعافيها حتّى أصبحت قادرة على الحركة، و ها هي تُصاب مجدّدًا….
و مع ارتداء ثوب النوم، بدت آثار الجرح و العلامات المقيّدة حول عنقها أوضح.
“أختي. أسمع صوت الآنسة تتحرّك في الأعلى.”
فتحت كانا فمها فجأة، رغمَ أنّها كانت مغمضة العينين و كأنّها تستريح.
صوت؟
أرهفت هينا السمع، لكنّها لم تسمع شيئًا.
كان قصر روهانسون هادئًا على غير العادة ليلًا، و فوق ذلك، أرضيّة غرفة الآنسة مغطّاة بسجّاد سميك، و خطواتها أصلًا خفيفة، فكيف يُسمع صوتها؟
حين نظرت هينا إلى السقف، رأت الثريّا تهتزّ، كأنّ ريحًا تهبّ من مكانٍ ما.
يبدو أنّ الأصوات اختلطت على كانا.
“ربّما هو صوت اهتزاز الثريّا؟”
“حقًّا؟ ربّما. على أيّ حال، كان اختيار هذه الغرفة صائبًا. لقد أعجبتني.”
لم تردّ كانا على كلام هينا، بل اكتفت بهزّ رأسها و غيّرت الموضوع.
“و السرير كبير بما يكفي لننام فيه معًا.”
كانت الآنسة إيفانجلين قد عرضت تخصيص غرفة لهينا أيضًا، لكنّها رفضت بإصرار خوفًا من ترك أختها وحدها.
غرفة الكونتيسة كانت أوسع من بيتهما، و لم يكن السكن فيها سيّئًا لاثنتين، و كما قالت كانا، كان السرير يتّسع لهما.
بعد أن أنهت هينا استعدادها للنوم، استلقت إلى جانب كانا.
مرّ وقت طويل منذ آخر مرّة نامتا فيها معًا بهذا الشكل.
في الظلام، تقابلتا و تشابكت أصابعهما.
و لأنّ اليوم كان طويلًا جدًّا، غلبهما النعاس سريعًا.
و قبيل أن تغفو، فتحت كانا فمها بهدوء.
“تعلمين، أختي. شكرًا لأنّكِ جئتِ لإنقاذي اليوم. لقد كنتُ خائفة حقًّا.”
شدّت هينا يد أختها بقوّة.
شعرت بالذنب لأنّها، و لو للحظة، رأت أن أختها غريبة، رغم أنّها كانت ترتجف من الخوف و تتظاهر بالقوّة.
مهما تصرّفت كانا، ستبقى بالنّسبة لهينا أختًا محبوبة لا غير.
∗ ∗ ∗
من الآن فصاعدًا، تغيّر هدفي إلى التقرّب من كانا.
محاولة الاقتراب من قائد الفرسان البطل الذكر ستجعلني مجرّد شريرة مهووسة.
و لا أرغب أصلًا في الارتباط بشخصيّة داخل كتاب، و الطريق الأسرع للهروب من مصير الشريرة هو كسب ودّ البطلة!
سأراهن بحياتي كلّها على كانا!
منذُ اللقاء الأوّل مع البطل الذكر و هي تُختطف، يبدو أنّ هذا عالم رومانسيّ خياليّ قاتم نسبيًّا، لذا من المؤكّد أنّ كانا ستتعرّض لكثير من المعاناة لاحقًا.
بحجّة التقرب منها ، فكّرت أنّه من الجيّد أن أبقى بجانبها و أنقذها كلّما وقعت حادثة، فسألتها إن كانت تودّ الإقامة في القصر.
و بفضل رفع مستوى الألفة مسبقًا، وافقت كانا بسعادة.
و كإضافة، هينا أيضًا!
حين ذهبت لأخبرهم أنّ الاثنتين ستستخدمان غرف الطابق الثالث، قيل لي إنّ الكونت في مهمّة خارجية.
مع أنّ الأنوار كانت مضاءة حتّى الليلة الماضية.
هل سهر ثمّ نام متأخّرًا؟
حين حدّقتُ فيه بصمت، انحنى كبير الخدم معتذرًا.
آه، ما الفائدة من تفريغ غضبي عليه؟
الخطأ كلّه خطأ الكونت.
“إن كان لديكِ ما تودّين إيصاله، فسأنقله أنا.”
كانت هينا قد قالت إنّها ستتحدّث بنفسها مع كبير الخدم، و لا داعي لأن أستبق الأمور.
فإن قلتُ شيئًا قبل الأوان و ضاع ما بنيته من أُلفة، سأكون الخاسرة الوحيدة.
طلب كبير الخدم أن أكتب رسالة، فاضطررت إلى إرسال رسالة إلى الكونت أبلغه فيها بنيّتي في استخدام الغرف الفارغة في الطابق الثالث.
يا لحظّي، إنّ تصحيح اللغة يعمل فعلًا!
خوفًا من أن يرفض ببرود، أرفقتُ صفحة ممزّقة من يوميّات الكونتيسة.
كانت الصفحة مليئة بلعنات الكونتيسة لزوجها الذي خدعها بزواجٍ احتياليّ.
أيّها الوغد!
إن وخزه ضميره قليلًا، فسيوافق.
سلّمتُ الرسالة إلى كبير الخدم.
“لا تفتحها أبدًا، قُم بتسليمها فقط. سأراقبكَ”
استخدمتُ حيلة “لديّ عينان خلف رأسي”.
فلو اطّلع كبير الخدم على ورقة يوميّات اللعنات، قد يُزيل الصفحة.
و هذا غير مقبول قطعًا.
ظننتُ أنّ الأمر سيستغرق يومًا، لكنّ الردّ وصل بعد ثلاثة أيّام.
كتب الكونت جوابًا سريعًا يترك فيه الأمر لي، و أضاف أنّه في المرّات القادمة، حين يكون غائبًا، عليّ التحدّث مع كبير الخدم مباشرةً و ألّا أرسل له رسائل كهذه أبدًا.
إذًا، لماذا لا تستقبلني و تتحدّث معي وجهًا لوجه؟
في اليوم التالي، أُضيئت الأنوار مجدّدًا في غرفة الكونت.
يبدو أنّه عاد.
و بما أنّه سيطردني على أيّ حال، لم أذهب لتحيّته.
حين نقلت الخبر إلى هينا و كانا، اللتين عاشتا أربعة أيّام غير مريحة، أبدت كانا سعادة كبيرة.
ما زالت هينا غير مرتاحة قليلًا، لكن كما هو متوقّع من البطلة، تكيّفت كانا بسرعة مذهلة.
∗ ∗ ∗
“جيم. أرجوك، تناول الطعام على الأقلّ. منذ ثلاثة أيّام و أنتَ حبيس الغرفة، ماذا تفعل أصلًا؟”
سمعتُ طرقًا على الباب و صوتًا يتوسّلني، لكنّني لم أعره اهتمامًا كبيرًا.
مَنٔ يكون الطارق؟
زوجتي؟
أمّي؟
هل كنتُ متزوّجًا أصلًا؟
في الحقيقة، لم يكن يهمّني مَن يكون.
الآن، أداء المهمّة الملقاة على عاتقي هو الأهمّ.
غمستُ الفرشاة و رسمتُ الخطوط.
على اللوحة التي بدت كأنّ رمادًا يتطاير فوقها، حبستُ ألسنة النار.
جسّدتُ الملاك المقدّس الذي احترق حتّى السواد، و لم يبقَ منه سوى الجسد.
كنتُ رسّامًا أعيش من فني.
حين ظهرتُ لأوّل مرّة، ضُخّم اسمي بوصفه عبقريًّا صاعدًا، لكنّ ذوق النبلاء لم يوافقني، فسقطتُ سريعًا و تلاشت شهرتي.
و ها أنا الآن أعيش متطفّلًا على زوجتي.
كان عليّ أن أُكمل عملًا عظيمًا في أسرع وقت.
خرجتُ أبحث عن إلهام، فصادفتُ نارًا غريبة.
كانت النيران، التي بدت كالشمس، تخمد، و لم يبقَ سوى عدد قليل من الفرسان، فيما انسحب الباقون.
و حين خفّ اهتمام الناس، صرخ أحدهم بعد أن أطلّ إلى الداخل:
“رأيتُ ملاكًا!”
لم يكن ضبط الحشود بعدد الفرسان القليل أمرًا صعبًا.
و هكذا، لم يكن التحقّق من الداخل مستحيلًا.
و في اللّحظة التي رأيتُ فيها الملاك داخل المبنى المتفحّم، كما قيل، لم يخطر ببالي سوى أن أرسم ذلك المشهد.
عدتُ فورًا و أمسكتُ بالفرشاة.
لم أضع أيّ مسوّدة.
كان كلّ ما في ذهني هو إتمام اللوحة قبل أن يتلاشى المشهد من ذاكرتي.
لم أشعر بالجوع.
حتّى لو ذبلتُ و مـتُّ، فلا بأس.
لا أعلم كم من الوقت مرّ.
أسبوع؟
شهر؟
أم ربّما ساعتان فقط؟
حين حاولتُ إنهاء اللوحة، لم أستطع طرد الإحساس بأنّ شيئًا ما ناقص.
هل عجزت لوحتي عن تجسيد ذلك المشهد؟
كم أنا بائس.
من شدّة القلق، نزعتُ زائدة جلدٍ من طرف إصبعي، فسال الدم.
وضعتُ إصبعي في فمي، ففاحت رائحة الحديد.
ثمّ جاءني دافع غريب.
اليدان، اليدان يجب أن ترسما.
أمسكتُ بسكّين الرسم و غرستُها في فخذي.
مع الألم اللاذع، تلطّخت السراويل بالدم.
غمستُ الفرشاة في الدم المتسرّب من فخذي، و عدتُ إلى اللوحة.
عندها فقط، اكتملت هالة الملاك تمامًا.
∗ ∗ ∗
انتهيتُ!
كنتُ أتأمّل الورقة المملوءة بفخر، حين ظهرت كانا فجأةً من خلفي.
“آنسة. ماذا تكتبين؟ لا أستطيع قراءته.”
“لا شيء.”
آه! يا للمفاجأة.
كاد قلبي يسقط من مكانه.
كنتُ مندمجة إلى درجة أنّني لم ألاحظ كانا و هي تطلّ على الورقة من خلفي.
لحسن الحظ أنّني كتبتُ بالكوريّة، و إلّا لكُشفت.
مهما يكن، لا يجوز أن تعرف البطلة كانا بهذا الأمر.
أغلقتُ الورقة متظاهرةً بالهدوء.
هذا هو مخطّط هروبي من مصير الشريرة.
حلّلتُ العمل الأصليّ بأقصى ما أستطيع، و بعد تفكير طويل في كيف يجب أن أتصرّف لأحافظ على حياتي، أكملتُه.
و استغرقني ذلك يومين كاملين.
“كانا. لا تكوني وقحة مع الآنسة.”
“لا بأس يا أختي. الآنسة تحبّني، أليس كذلك؟”
وبّخت هينا كانا الملتصقة بي، و هي تعود حاملة وجبتي الطعام.
لم أرد النزول إلى قاعة الطعام و الأكل وحدي على نحوٍ مزعج، فبعد أن عشنا معًا، صرتُ أتناول الطعام مع كانا في الغرفة بحجّة التقرّب منها.
“كان سيكون أجمل لو أكلتِ معنا.”
“أنا أرتاح أكثر في قاعة الطعام.”
دعوتُ هينا لتشاركنا، لكنّها بدت غير مرتاحة و مرضت، فاستقرّ الأمر على أن نأكل أنا و كانا فقط.
“شكرًا على الطعام.”
أنهيتُ وجبتي سريعًا، ثمّ شربتُ الشاي لتنقية الفم.
كانا شهيّتها جيّدة، و حين نأكل معًا، أشعر أنّ الطعام ينزل بسلاسة.
أن تعيد شهيّتي بعد أن كانت معدومة___
هل هذه هي قوّة بطلة الروايات الرومانسيّة الخياليّة؟
لو قامت بعروض أكل في الواقع، لحقّقت نجاحًا باهرًا.
لحظة، إذًا مَنٔ اشتهروا بعروض الأكل، هل هم أبطال روايات رومانسيّة خياليّة؟
كنتُ أستعرض منطقًا عبثيًّا باستخدام الاستقراء، حين نادتني هينا.
“آنسة، لقد وصلت رسالة.”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"