إذا كان الأمر كذلك، فمن الواضح أنّه اختار الشخص الخطأ.
فالذي يجب تقديمه قربانًا يجب أن يكون شخصًا بريئًا.
و كم يبلغ حجم الذنب الذي تحمله كانا حتّى يظنّ هذا الأحمق أنّها تصلح لذلك؟
حتّى لو قُتلت كانا، فلن يتحقّق طلب الرجل أبدًا.
جرح الرجل عنق كانا.
وصل إلى مسامعها لحن همهمةٍ يتمايل به.
مرّةً أخرى، ألبست كانا الهمهمة التي يطلقها الرجل كلماتٍ من عندها.
و تمنّت له أشدّ طرق الموت بؤسًا.
و إن كان ذلك مبالغًا فيه، فعلى الأقلّ، تمنت ألّا يعود موت كانا عليه بأيّ نفع.
و ألّا يحقّق ما استدعاه الرجل أيّ أمنية على الإطلاق.
ثمّ، ظهر الخلاص لكانا مرّةً أخرى.
مع دوي هائل، تحطّم الباب.
ومن خلف الباب المفتوح على مصراعيه، تسلّل ضوء القمر زاحفًا.
لقد فُتح الباب___
حتّى لو لم تكن النافذة التي تحدّثت عنها أختها، إلّا أنّه كان أملًا بلا شكّ.
المرأة البيضاء الناصعة التي ظهرت و قد لفّها ضوء القمر بدت تمامًا كالملاك الذي كان الرجل يتحدّث عنه.
‘أختي!’
و عندما خرجت شقيقتها من خلف المرأة، شعرت كانا و كأنّ قلبها توقّف.
مجرد رؤيتها لأختها بثّ الطمأنينة فيها، فسُلبت القوّة من جسدها كلّه.
∗ ∗ ∗
كانت تلك المرأة هي إيفانجلين روهانسون، التي قيل إنّها أعطت أختها الماء المقدّس.
ما إن أدركت كانا ذلك حتّى شحب وجهها.
هل كنت أشعر بالدونيّة تجاه هذا الشخص؟
أم أنّها في الأصل ليست إنسانًا؟
كان الرجل المدعو داناو يؤمن دون أدنى شكّ أنّه هو مَن استدعى إيفانجلين روهانسون.
و الحقيقة أنّ كانا أيضًا، أمام ما تراه بعينيها، لم يكن أمامها خيار سوى أن تصدّق ذلك.
“اسمك كانا، صحيح؟ كيف ترغبين أن أتعامل مع داناو؟”
ما إن نظرت إيفانجلين إلى كانا حتّى وجّهت العيون الأخرى نظرها إليها أيضًا.
تفتّحت عشرات العيون من حولهما.
كتلة كرويّة متجمّعة في عنقود رمشت بعيونها.
مشهد انطباق الجفون على عددٍ لا يُحصى من المقل ثمّ انفتاحها دفعةً واحدة جعلها تبدو ككائنٍ حيّ واحد.
جفـون؟
لا، بما أنّها كانت تنبض، بدت أقرب إلى كتل لحم.
و يبدو أنّ القادرين على رؤية ذلك لم يكونوا سوى كانا و ذلك الرجل.
كان الرجل المرفوع في الهواء و الذي يتعرض للخنق بقوّة غير مرئيّة خلف إيفانجلين، يوشك أن يلفظ أنفاسه حين رمشت العيون أمام وجهه.
بدت الأخت و كأنّها لا ترى سوى الرجل.
فلو كانت ترى تلك العيون المتجمّعة، لما بقيت على هذا الهدوء.
“هل أُبقيه محبوسًا إلى الأبد؟”
إيفانجلين، التي استدعاها الرجل، كانت تسأل كانا عن رأيها.
هزّت كانا رأسها نفيًا.
“كيف هي عنقك؟”
“بخير!”
وجّهت العيون أنظارها إلى عنق الرجل.
و حين جاء الردّ الإيجابيّ من كانا، أومأت إيفانجلين برأسها.
و انحنت العيون بانشراح، كما لو كانت سعيدة.
بدأ جسد الرجل يتحرّك بصوتٍ صرير.
حاول بكلّ ما أوتي من قوّة مقاومة الضغط غير المرئيّ الذي كان يتحكّم بحركاته.
كان يبدو في غاية الابتهاج حين وجّه السكين إلى عنق غيره، لكن عندما اتّجه طرف السكين الذي يمسكه إلى عنقه هو، بدا كأنّه على وشكِ الانهيار.
انثنت ذراعاه إلى الداخل بينما حاول هو فردهما للخارج، فلم تتحمّل العظام الاتجاه المتعاكس و اِلتـوت.
و مع تلاشي مقاومته تحت وطأة الألم، تحرّكت السكين بلا تردّد.
طعن الرجل عنقه بنفسه.
لم تكن تلك إرادته، لكنّه بدا كذلك على الأقلّ.
و كان عددٌ لا يُحصى من المتفرّجين، باستثناء إيفانجلين وحدها، يشاهدون المشهد.
‘أكثر، أكثر!’
عندما حرّضته كانا، تكرّر الفعل كما لو أنّه تلقّى تصفيقًا يطالب بالإعادة.
“هل رأيتِ ذلك؟”
“نعم. طعن عنقه بنفسه.”
و استمرّ ذلك حتّى لم يعـد الرجل قادرًا على الصمود.
“آسفة. لقد مات.”
وبّخت إيفانجلين الرجل لأنّه لم يتمكّن من إرضاء كانا حتّى النهاية.
فآثرت كانا التواضع.
“لا بأس. هذا كافٍ بالنّسبة لي.”
بل و أكثر من كافٍ.
لقد فهمت تمامًا لماذا جعلته إيفانجلين يطعن عنقه بنفسه.
فالانتحار جريمة كبرى.
و مَنٔ ينبذ الحياة التي مُنحت إليه بيده، لن يحصل على النعيم.
الرجل الذي تخلّت عنه إيفانجلين، سيتخلّى عنه الحاكم أيضًا.
و المكان الوحيد الذي ستُأخذ روحه إليه هو مكانٌ واحد لا غير____
اندلعت النار من الخلف.
لقد جاء لهب الجحيم لاستقبال الرجل.
اندفعت الحرارة فجأة إلى وجه كانا.
كانت دافئة، كحضن أختها، و كشمس الظهيرة تمامًا.
∗ ∗ ∗
كان داناو غارقًا في ضوءٍ ساطع.
‘بيتي ليس بهذا السطوع.’
كلّ ما فيه شمعة واحدة.
و بشمعة واحدة لا يمكن أن ينبعث مثل هذا الضوء.
و الآن بعد أن فكّر بالأمر، بدا أنّ ثريّا قصر روهانسون كانت بهذه الإضاءة الساطعة.
كانت الشموع مصطفّة على فروعٍ متلألئة.
نعم.
هذا ضوء الثريّا.
إنّها إيفانجلين روهانسون.
الشيطان الذي استدعاه داناو حقّق أمنيته!
لقد تحقّق الطلب، و ها هو الآن يقف تحت ثريّا القصر.
أن ينال كلّ هذا الثراء و المجد مقابل حياة فتاة صغيرة واحدة، صفقة لا بأس بها حقًّا.
فكّر داناو فيما سيفعله لاحقًا.
لو أصبح نبيلًا، فهناك أشياء لا تُحصى كان يودّ القيام بها.
لكن أوّل ما خطر بباله كان واحدًا.
أن يذهب للقاء كونت روهانسون الذي انتزع منه لقب الكونت. و أن يضربه كما ضُرب هو، و ينظر إليه بازدراء.
كان داناو يدندن و هو يسير متّبعًا ضوء الثريّا.
كانت كرة معلّقة في الهواء ترمش بعيونها، تراقب ظهر داناو المبتعد
لو التفت داناو إلى الخلف، لتمكّن من رؤية العيون التي تحدّق به، لكن ذلك لم يحدث.
∗ ∗ ∗
كنتُ أشاهد منزل داناو و هو يحترق عبثًا، ثمّ فجأةً أصبح المكان صاخبًا.
يبدو أنّ الجيران لاحظوا الدخان و بدأوا بالإخلاء.
أم ربما الأمر ليس كذلك؟
فالجميع كانوا يقفون يراقبون الاحتراق، و كأنّهم خرجوا لمشاهدة حريق لا غير.
على أيّ حال، لا أعلم إن كان شخصٌ ذو ضمير قد أبلغ، أم أنّ الفرسان رأوا الدخان أثناء دوريتهم و جاؤوا، لكنّهم وصلوا بسرعة و بدأوا بتنظيم المكان.
كما هو متوقّع من عالم روايات الرومانسية الخياليّة، كان يرتدون زيًّا أبيض بدل الدروع، مع عباءاتٍ بيضاء، فخمًا للغاية.
و من بينهم، تقدّم نحوي أكثرهم بهرجة.
وقفت هينا أمامي لتحجبني، فربّـتُّ على كتفها و قلتُ إنّ الأمر لا بأس به.
“عذرًا.”
انحنى الرجل و ألقى تحية، فانسدل شعره الأسود الناعم.
و عندما رفع رأسه، ظهرت عيناه الزرقاوان و ملامحه الوسيمة.
ماذا؟
لماذا هو وسيم إلى هذا الحدّ؟
صوته كان جافًّا، و مظهره باردًا، لكنّه وسيم بجنون، لدرجة أنّه قد يخلق ذكرياتٍ لم تكن موجودة أصلًا.
لحظة….
أنا أشعر بالقلق.
فارس بشعرٍ أسود ، وسيم و بارد؟
إذا كان وليّ العهد في منتصف العمر، و لا يوجد دوق شمال في هذا العالم، أليس المرشّح التالي ليكون البطل الذكر هو قائد فرسان؟
لا، لا.
لا أعلم إن كان قائد فرسان أم لا، لهذا يجب ألا أتسرّع.
“أنا غابرييل، قائد فرسان فارالوس.”
يا للجنون، إنّه قائد الفرسان.
يبدو أنّه البطل الذكر فعلًا!
“ما الذي أتى بالآنسة إلى هذا المكان؟ لا يبدو مكانًا مناسبًا للتنزّه.”
آنسة؟
لا تخبرني إنّنا كنا نعرف بعضنا سابقًا؟
ارتجفتُ داخليًّا وأنا أفكّر قليلًا، ثمّ أدركت أنّه قدّم نفسه للتوّ.
آه….
إذًا فهو لا يعرفني بعد.
و بما أنّني أرافق خادمة، و بدا من الواضح أنّ إيفانجلين نبيلة، فمن الطبيعي أن يناديني بالآنسة.
لو كان يعرف إيفانجلين، لما خاطبني بهذا القدر من الرسميّة.
فالبطل الذكر عادةً ما يمقت الشريرة حدّ الاشمئزاز.
لأن الشريرات في روايات العودة بالزمن مصيرهنّ المعتاد هو قطع الرقاب.
و الشريرة الوحيدة التي يحبّها البطل هي تلك التي تُبعث من جديد، و تتغيّر، و تسلك طريق الخلاص.
مهلًا، هل يمكن أن أكون ضمن هذا التصنيف؟
أنا فعلًا متجسدة، و أسلك طريق التوبة أيضًا.
فهل بقي فقط أن أقول: “ما رأيكَ أن تحبّني و تترك البطلة؟!”
أخيرًا بدأتُ أشعر فعلًا أنّني في رواية تجسّد داخل رومانسيّة خياليّة.
و حين اعتبرته بطلًا، بدا ذلك المظهر البارد فجأةً و كأنّه يخفي قصّة ما خلفه.
لكن مهما كان وسيمًا، فربّما لأنّه شخصية في رواية، لم أشعر بأيّ انجذاب عاطفيّ تجاهه.
هل هذا يعني أنّني غير مؤهّلة للعيش في عالم رومانسي؟
قطّب البطل الذكر حاجبيه.
آه، صحيح، يجب أن أجيبه.
ماذا سأل؟
لماذا أنا هنا؟
بما أنّ هذا الانطباع الأوّل، عليّ أن أجيب بأقصى قدر من الإخلاص.
فهنا يتقرّر مصيري، بين قطع الرأس أو النجاة.
فلننطلق في طريق الهروب من دور الشريرة!
“لم آتِ للتنزّه، بل للبحث عن شخص.”
“شخص؟”
“صاحب ذلك المنزل المحترق هو خادمي.”
“إذًا، هل وجدتِ الخادم؟”
“آه. إنّه في الداخل.”
شعرتُ بقشعريرة من غرابة استخدامي لصيغة الاحترام بعد وقتٍ طويل.
و تظاهرتُ بالهدوء وأنا أشير إلى المنزل الذي يشتعل بعنف.
و المبنى ينهار بالكامل، فخشيتُ أن يندفع لإنقاذه بدافع العدالة، و أسرعتُ و أنا أضيف:
“لقد مات بالفعل، فلا داعي للقلق.”
ازدادت ملامح البطل سوءًا عند سماعه ذلك.
هل بدا كلامي عن موت شخص هادئًا أكثر من اللازم؟
لكن داناو يستحقّ الموت أصلًا!
“يجب على الآنسة أن تشرحي كيف عرفتِ ذلك.”
أشرح؟
صحيح، لا بدّ له من كتابة تقرير للقيادة، و عليه أن يعرف مَنٔ هو الميّت و سبب الحريق.
لكن من أين أبدأ؟
هل سيصدّقني لو قلتُ إنّ داناو انتحر، ثمّ استدعى روح النار قبل موته فتسبّب بالحريق؟
لا تخبرني إنّني سأتّهم بقتله و إحراق المنزل لإخفاء الأدلّة بسبب سوء سمعة إيفانجلين؟
هذا محتمل جدًّا.
هل انتهى طريق الهروب من دور الشريرة؟
و بينما كنتُ أفكّر كيف أشرح الأمر، تقدّمت كانا إلى الأمام.
“أيّها الفارس! سأشرح أنا!”
طفلة أصغر منّي تتقدّم لتحميني. كان ظهرها يبدو مهيبًا لدرجة أنّ دموعي كادت تنهمر بسبب تأثّري.
هل تردّ الجميل لأنّني أنقذتها؟
كما يُقال، الإنسان يحصد ما يزرع.
أومأ البطل برأسه، مشيرًا لها بالكلام.
“الخادم الذي يُدعى داناو اختطفني.”
“اختطاف؟ هل أصبـتِ بأذى؟”
“أنا بخير. فالآنسة جاءت لإنقاذي. طلبت أختي المساعدة، فجاءت الآنسة معها. و عندما قيل له إنّ الفرسان قادمون، فزع داناو، و هرب، و أشعل النار.”
“إذًا، ماذا عن قولكِ إنّه مات؟”
“النيران مشتعلة بهذا الشكل، فلا يمكن أن يكون حيًّا. كما أنّ الآنسة و أختي كانتا مشغولتين بالهرب بي، فلم يكن لديهما وقت للاهتمام بدانـاو.”
كانت قصّة أكثر إقناعًا بكثير من حكاية روح النار التي استُدعيت بعد انتحار داناو.
و البطل الذكر صدّق كلام كانا بسهولة.
بل و شعر بالقلق على سلامة جسدها حين سمع أنّها اختُطفت.
بدا أكثر ارتياحًا معها ممّا كان عليه معي.
لحظة، هل يعقل…؟
في تلك اللحظة، مرّت أغلفة الروايات الرومانسية الخياليّة التي قرأتها كلّها أمام عينيّ دفعةً واحدة.
بطلة بشعرٍ أحمر مموّج، و بطل بشعرٍ أسود؟
‘اللعنة. كانا هي البطلة!’
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"