الفصل 10
أي رسالة هي هذه؟
قالت إيفانجلين إنّها مريضة و لا أصدقاء لها، فهل يوجد أصلًا مَن يرسل لها رسالة؟
“يبدو أنّها من قائد فرسان ذلك اليوم.”
قائد الفرسان؟
ماذا!
رسالة من بطلنا الذكر؟
فتحتُ الظرف على عجل.
كان الخطّ مزخرفًا بقدر ملامحه، و خلاصة الرسالة أنّه بسبب مشكلةٍ ظهرت في حادثة داناو السابقة، لا بدّ من زيارتي لسماع التفاصيل بدقّة.
عندما شرحتُ محتوى الرسالة، عقدت كانا حاجبيها.
“لقد أدلينا بكلّ إفاداتنا آنذاك، فلماذا الآن؟”
مرّ نحو أسبوع على حادثة اختطاف داناو.
بدت كانا غير راضية عن زيارة غابرييل المتأخّرة، لكنّني استطعت تفهّم الأمر.
فالشريرة و البطلة معًا في قصر روهانسون، فحتّى لو حاول البطل الذكر تجاهل الأمر فلن يستطيع!
يبدو أنّ لهذا العالم قوّة قسرية كالرواية الأصليّة، فحتّى إن لم يُرِد القدوم، فلا بدّ أنّه جاء قلقًا من أن تتعرّض البطلة لأذى على يديّ أنا الشريرة.
و فوق ذلك، فإنّ الورقة التي رتّبتها بعناية توقّعت هذا الوضع.
سيأتي البطل الذكر و هو يفترض أنّني أنا مَنٔ حرّضت داناو على خطف كانا!
ربّما كان طوال هذا الوقت يجمع الأدلّة أو ينبش في سمعتي السيّئة.
إذًا، ما عليّ فعله هو أن أُريه مدى قربي من كانا. و أُظهر له أيضًا دعمي الكامل لحبّهما.
“آنستي، لقد وصل السيّد غابرييل.”
في اليوم التالي لإرسالي ردًّا مفاده أنّه مرحّب به في أيّ وقت، جاء البطل الذكر فعلًا.
‘يا له من نشاط.’
من الجيّد أنّني أوصيتُ الخادم مسبقًا بأن يُرشد أيّ ضيف إلى غرفة الاستقبال.
خشيتُ أن ينتظر طويلًا، فاكتفيتُ بتمشيط شعري على عجل و نزلت.
فلو تزيّنتُ و تأنّقت، لقال بسخرية: “ها! هل تحاولين نيل رضاي؟”
عندما دخلتُ غرفة الاستقبال، كان البطل الذكر يحتسي الشاي بهدوء.
هذه المرّة الأولى التي أدخل فيها هذا المكان، و مع ذلك يبدو هو الشخص المرتاح الآن و كأنّه في بيته.
أليس هذا قلبًا للأدوار؟
بادلته تحيّةً خفيفة و جلستُ مقابله.
سكبت هينا الشاي لي أيضًا.
“سعيدٌ بلقائكِ مجدّدًا.”
“مرّ وقتٌ طويل، يا سيّد غابرييل.”
يا إلهي.
عندما أراه في مكانٍ مضاء، يبدو أكثر وسامة.
كدتُ أقول: “و أنا أيضًا سعيدة برؤيتك، ما زلتَ وسيمًا كعادتكَ أيّها البطل” ، لكنّني تماسكتُ.
لا مجال للثرثرة، و إلّا سأبدو متطفّلة.
“إذًا، هل حدثت مشكلة ما؟”
أظهرتُ بوضوحٍ أنّني غير مهتمّة به و ارتشفتُ الشاي.
“ما قلتُه عن مجريات الحادثة آنذاك هو كلّ ما هناك، و لا أظنّ أنّ فيه ما يثير الريبة.”
كنتُ أصرخ في داخلي: أعرف أنّك جئتَ من أجل كانا!
بالطبع، كانت كانا تنتظر في غرفتها الآن.
أرادت النزول معي، لكنّ بودينغ بدا راغبًا في اللعب معها، فقلتُ لها أن تأتي عندما نُناديها.
يا بطل، كان عليكَ اختيار توقيتٍ أفضل من وقت نزهة بودينغ!
“إن كنتَ قلقًا بشأن حالة كانا، يمكنني استدعاؤها.”
نجحتُ في تمهيد الطريق بسلاسة.
يا لها من مراعاةٍ مثاليّة!
“آه، تقصدين تلك التي اختُطفت آنذاك؟ لا يبدو أنّها أُصيبت إصابةً خطيرة.”
ماذا؟
هل أنتَ فعلًا البطل الذكر؟
أيّ إصابةٍ غير خطيرة؟
كلّما رأينا آثار الجروح على عنق كانا، شعرنا أنا و هينا بكآبةٍ شديدة.
كنّا نخطّط لجلب ماءٍ مقدّس لعلاجها، لكنّ كانا أصرت على ترك آثار الجروح كما هي، فتركناها على مضض.
“سبب زيارتي هو أنّني أودّ سماع رأي آنسة روهانسون.”
أنا؟
نعم، هذا كلّه بسببي.
لقد سرقتُ لقاء البطل الذكر الأوّل بالبطلة.
لو رأى كانا و هي مقيّدة آنذاك، لما كان بهذه البرودة.
لكن في ذلك الوقت، لم أكن أعلم أصلًا أنّ كانا هي البطلة!
كانت هناك فتاة مقيّدة أمام عينيّ، فكيف أتركها؟
لستُ إنسانةً منحطّة!
“لم نتمكّن بعد من التصرّف بجثّة داناو بلـو.”
“إلى الآن؟”
حسب ما أخبرتني كانا سابقًا، فإنّ المعابد لا تستقبل جثث المجرمين غالبًا، فيُحرق الجثمان و يُدفن دون مراسم.
و في عهد حاكم الشمس، يُعدّ الدفن حرقًا أمرًا مشبوهًا، لذا يُحرَق معظم المجرمين.
ما زلتُ أتذكّر مزحة كانا السوداء حين قالت إنّ داناو قد احترق أصلًا، ممّا يسهل الأمر.
لكن إن كان بلا أقارب و مجرمًا، أليس التصرّف بجثّته أسهل؟
“نعم. منذُ يومين بدأت تنتشر آراء تطالب بإيداع جثمان داناو بلو في الكاتدرائيّة.”
ارتجفت يد هينا و هي تملأ فنجاني.
كانت تعضّ شفتيها محاولةً إخفاء انفعالها، لكنّ فكرة إيداع جثمان مجرم في الكاتدرائيّة كانت مثيرة للاشمئزاز.
لو سمعت كانا ذلك، لتألّمت كثيرًا.
جيّد أنّني تركتها في الغرفة.
“و لماذا ظهرت مثل هذه الآراء؟”
“لأنّ موته غريب.”
“و ما الغريب فيه؟”
“لا بدّ أنّ للآنسة روهانسون رأت أيضًا ذلك المنزل الذي احترق وحده دون أن تمتدّ النار.”
ألم يكن ذلك مجرّد قدرة بناء سلبيّة في هذا العالم؟
كنتُ معجبة جدًّا لأنّ النار لم تنتشر، و قلت إنّ علينا استيرادها للعالم الآخر!
لكن يبدو أنّها كانت ظاهرةً غير طبيعيّة حتّى هنا.
جهلي بالأصل يظهر في مثل هذه اللحظات.
“بعد مغادرتكم بقليل، انطفأت النار من تلقاء نفسها قبل أن نتمكّن من إخمادها، و عثرنا على جثة داناو….”
أخرج البطل الذكر ورقةً من جيبه و عرضها عليّ.
لا وجود للكاميرات، لذا يبدو أنّه رسمها بدلًا من ذلك.
لكنّ من رسمها كان ضعيف المهارة بشكلٍ مؤلم.
“رسمتها بنفسي للتوضيح، فأرجو المعذرة إن بدت رديئة.”
عجزتُ عن الردّ.
خطّه جميل، فلماذا رسمه بهذا السوء؟
حتّى طفل روضة يرسم أفضل.
ضحكتُ فقط بدلًا من انتقاده.
“هذا هو الرأس، و هنا الجسد.”
كان الأفضل لو رسم رجل العصيّ.
و قد حذف الأطراف بجرأة.
هناك رأس و جسد فقط…لقد ظننته ثقب مفتاح!
“و كان هناك خلفه سواد يشبه الأجنحة و الهالة.”
أكانت تلك أجنحة؟
ظننتُها آذانًا، لكنّها بالفعل تشبه جناحيّ ملاكٍ ملتفّين.
“ألا يبدو كملاك؟”
لا….
حسب رسمكَ أنتَ، يبدو كعثّة.
“و لهذا… بدأ الأشخاص الذين رأوا الجثة يقولون إنّ داناو بلو نال بركة الحاكم.”
كذب!
هذا غير معقول.
لماذا يُبارَك داناو؟
خطف كانا، ثمّ هرب من عقابه بالانتحار!
و ماذا؟
ملاك؟
هذه المرّة الأولى في حياتي التي أرى فيها شرير اختطاف يُعامَل كملاك بدل البطلة.
هل كلّ مَنٔ يملك أجنحة ملاك؟
آه، صحيح.
قالوا إنّهم قالوا ذلك بعد رؤية الجثة، لا الرسم.
تأثير الرسم كان قويًّا لدرجة أنّني نسيت.
لكن مَن رآه ليسوا سوى الفرسان، أليس كذلك؟
كان يفترض بقائدهم السيطرة على الأمر.
سألته عن ذلك باستغراب.
“أليس فرسان فارالوس هم الوحيدين الذين شاهدوه؟”
“استغلّ بعض المتفرّجين تهاون الحراسة و تجمّعوا. في البداية كان الأمر مجرّد شائعات، لكن رسّامًا رسم المشهد و تبرّع به للمعبد، فبدأ الحديث هناك أيضًا.”
يبدو أنّ مرؤوسيه مهملون.
ربّما البطل الذكر ليس مهيبًا كما توقّعت.
كان هناك فعلًا كثيرون يتفرّجون على الحريق.
لكن لماذا يشاهدون جثّة محترقة، بل و يرسمونها؟
و إنهاء لوحة خلال أيّام قليلة ثمّ التبرّع بها؟
يا له من اندفاع.
و يبدو أنّ مهارته كانت أفضل من مهارة البطل الذكر.
لو رأى المعبد رسم البطل فقط، لسخروا منه قائلين: ما هذا العثّ؟
“و لهذا، يبدو أنّ الجهات العليا أولت الأمر اهتمامًا. و بينما كنّا نغلق الملفّ، صدر أمرٌ مفاجئ بإعادة التحقيق كي لا يكون موت داناو بلو ظُلمًا.”
فرسان فارالوس هم فرسان مقدّسون، و ما فوقهم هو المعبد.
مَنٔ يستطيع إصدار أمر لقائد الفرسان؟
لا توجد قدّيسة أو قدّيس، إذًا لا بدّ أنّه رئيس الكهنة.
حتّى في عالم الروايات، تلفيق القضايا مستمرّ.
صحيح أنهم قالوا إعادة تحقيق، لكنّ المعنى الحقيقيّ هو جعل داناو ضحيّة.
“المشكلة أنّه إن ثبت أنّ داناو بلو نال بركة الحاكم، فسيُتَّهم بالعكس، أي أنّ الآنسة روهانسون لفّقت موته و جعلته مخزيًا.”
صحيح.
نحن شهدنا بأنّ داناو خطف كانا و هرب، ثمّ اندلع الحريق.
إن صار داناو ملاكًا، سأصبح أنا الشخص الكاذب و الذي قتله.
أهذا أيضًا بسبب قوّة الرواية؟
لأنّني اقتربت من البطلة، يريدون وصمي بالشرّ بأيّ وسيلة؟
“أنا أسألكِ يا آنسة. هل كلّ ما أخبرتِني به كان حقيقة؟”
“الحقيقة….”
كان ينظر إليّ بعين الشكّ.
بل هو متيقّن من شكوكي.
إنّه يختبرني.
لكنّ كانا قدّمت تبريرها مسبقًا، و لا يمكنني التراجع الآن.
“دعني أسألكَ بالمقابل. هل تعتقد أنّني كذبتُ؟”
حسب ما سألتُ هينا و كانا عنه، فإنّ سكّان هذا العالم لا يعلمون بوجود أرواح العناصر.
هي موجودة، لكن الوعي بها شبه معدوم.
لو قلتُ الآن إنّ داناو استدعى روحًا، فلن يصدّقني أحد.
لكن هل هذه فرصتي الأخيرة؟
هل أقول الحقيقة؟
آه، اللعنة!
لو كان هذا عالمًا تنشط فيه الأرواح، لقلتُها دون تردّد!
التزم البطل الذكر الصمت، ثمّ فتح فمه ببطء.
“لا أعتقد أنّ داناو بلو نال بركة الحاكم. لكنّي متيقّن أنّ موته غير طبيعيّ.”
أي أنّه شرير يستحقّ الموت، و أنا أهون منه؟
بمعنى أنّه سيقف في صفي إن قلتُ الحقيقة؟
لكن ماذا لو طعنني في الظهر و انتهيتُ خلف القضبان؟
أو اتّهموني بالسحر لأنّني تسبّبتُ في موت ملاك؟
إعدام أو حرق؟
لماذا تتطوّر الأمور للأسوأ؟
ألم أتجنّب راية الموت بالاقتراب من البطلة؟
بينما كنتُ أتردّد، نظر إليّ بثبات.
“أريد مساعدتكِ.”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"