الفصل 19 :
* * *
في اللحظة التي سمعتُ فيها أنّ انهيارًا أرضيًا وقع ودُفن تحته عددٌ كبيرٌ من الناس، شعرتُ أنّ الأمر واضحٌ تمامًا.
‘أكيد. ذلك التعليق المثبّت كُتِب بسبب هذه الحادثة!’
دفعتُ أليس وكاي على الفور.
“لنذهب حالًا إلى موقع الانهيار الأرضي.”
“ماذا؟ كيف تذهبين إلى مكانٍ خطيرٍ كهذا؟ لا أحد يعلم متى قد يحدث انهيارٌ ثانٍ. أرجوكِ، يا سيّدتي، انتظري في مكانٍ آمن.”
“تعرفين الوحيّ الذي تلقيتُه بالأمس، أليس كذلك؟ أشعر أنّ له علاقةً بهذا الانهيار. إن ذهبتُ، قد أستطيع إنقاذ أشخاصٍ قد يموتون. أسرعوا! الوقتُ ضيّق!”
“لـ، لكن…….”
على عكس أليس التي بدت حائرةً لا تعرف ماذا تفعل، تغيّرت نظرة كاي فور سماعه كلمة ‘وحي’.
“حسنًا. سأقوم بمرافقة السيّدة فورًا.”
“لكن إن رافقنا السيّدة إلى مكانٍ كهذا وتعرّضت للأذى…….”
“تعرفين، أليس كذلك؟ أنّني مرشّحة قدّيسة. لا، بل…… لا.”
فالحقيقة أنّني أستطيع تلقّي الوحي.
ضربتُ صدري بثقةٍ وقلتُ بإعلانٍ واضح:
“أنا قدّيسة. لديّ مهمّةٌ أنزلها الحاكم عليّ. لا بدّ أن أذهب.”
وأمام كلماتي الواثقة، أومأت أليس برأسها أخيرًا.
“……حسنًا! سأنفّذ أمر السيّدة.”
ما إن وافق الاثنان على التعاون معي، حتى سارت الأمور بسرعة.
توجّهنا مسرعين إلى الإسطبل، وفي الطريق حدّدنا الموقع التقريبي لمكان الحادث.
“أظنّني أعرف موقع الحادث. فالطريق الذي يمكن للعربات أن تسلكه بين وينستاين وبيرون واحدٌ فقط.”
كانت المشكلة كيف نصل إلى هناك.
تجهيز عربةٍ سيستغرق وقتًا طويلًا، أمّا الذهاب على ظهر حصانٍ…… فلم أكن أعرف ركوب الخيل.
“أو ما رأيكِ، يا سيّدتي، أن تركبي معي؟ سأحملكِ على حصاني.”
“آه! هذا حلٌّ ممتاز.”
ومن البديهي أنّ الحصان، مهما كان كبيرًا، لا يستطيع حمل أكثر من شخصين. ولهذا، قرّرت أليس البقاء هنا.
“إذًا سأبقى هنا وأُبلغ الآخرين بأخبار السيّدة.”
“حسنًا. أرجوكِ، اشرحي الأمر لمونيكا وبقيّة الخادمات بالتفصيل!”
“انتظروا، انتظروا قليلًا. السير كاي، والسيّدة. هل أنتما متأكّدان حقًا أنّ هذا آمن؟ آه، كلّما فكّرتُ بالأمر، أشعر أنّ هذا غير صائب…….”
نظر قيّمو الإسطبل بقلقٍ إلى منظري وأنا أعتلي الحصان وأُحكم قبضتي حول خصر السير كاي.
“لا بأس، لا بأس. سأتحمّل أنا مسؤوليّة كلّ ما سيحدث من الآن فصاعدًا! انطلق، يا سير كاي!”
“نعم! يا سيّدتي!”
كانت تلك أوّل مرّةٍ أركب فيها حصانًا، فكنت متوتّرة، لكن الأمر لم يكن مزعجًا كما توقّعت.
ربّما يعود الفضل إلى مهارة كاي في الفروسيّة وإلى الطريق الممهد جيّدًا.
‘الأمر ممتعٌ أكثر ممّا توقّعت؟’
هل أتعلّم ركوب الخيل بعد الزواج إن توفر لي الوقت؟
بلوغ هذه الأفكار في ذهني دليلٌ على أنّنا وصلنا إلى موقع الحادث براحةٍ نسبيّة.
“هناك……! يا إلهي، يا للكارثة.”
هدّأ كاي الحصان وهو يتمتم، ثم حدّق في المشهد أمامنا.
لم يكن شخصٌ أو اثنان ممدّدين على الأرض والدماء تغطّيهم،
وكانت أصوات بكاء من سقطوا بجوارهم تخترق طبلة أذني بقسوة.
لم أشعر وكأنّ هذا واقعٌ حقيقي.
وقفتُ أحدّق في المشهد بذهول. في هذا المكان المروّع، لم يكن هناك سوى ثلاثة أو أربعة أشخاصٍ يتحرّكون بنشاط.
“سـ، سيّدي!”
“ماكس؟”
في تلك اللحظة، ركض نحونا فارسٌ شاب، بدا وكأنّه بلغ سنّ الرشد حديثًا.
كان جسده كلّه مغطّى بالتراب، ووجهه الظاهر مليئًا بالجروح الصغيرة والكبيرة.
“كيف وصلتَ إلى هنا، سيّدي؟ هل وصلت تعزيزات إضافيّة من وينستاين؟”
“لا، ليست تعزيزاتٍ رسميّة. جئتُ على عجلٍ فقط. كيف الوضع؟”
“الأمر خطير. كما ترى بنفسك…….”
وبينما كان ماكس يشرح لكاي حجم الأضرار—
“سيّدتي الشابة؟”
سمعتُ صوتًا مألوفًا بجوار أذني. وعندما استدرتُ، رأيتُ شخصًا لم يكن سوى الطبيب ويليام.
“الطبيب ويليام؟ يا إلهي، ما هذا الوضع؟!”
اتّضح أنّ أحد الممدّدين على الأرض مغطّى بالدماء كان الطبيب ويليام نفسه.
‘لماذا يكون الطبيب الذي يُفترض أن يُعالج الجرحى ملقىً بين المصابين؟!’
بل بدا أنّه كان فاقدًا للوعيّ واستعاد وعيّه لتوّه.
حاول الطبيب ويليام النهوض من وضعه الممدّد، لكنّه شعر بالدوار، فوضع يدًا على جبهته وأخرى على الأرض.
ومن بين شعره، سال دمٌ أحمر غزير.
حين رأيت الدم ينزل على خدّه ويقطر من ذقنه، جلستُ بجانبه مذعورة.
“مـ، ما كلّ هذا الدم؟ هل أُصبتَ في رأسك؟ هل وعيّك سليم؟”
“نعم. وعييّ سليم. لكن، ما الذي أتى بالسيّدة الشابة إلى هذا المكان؟”
“هذا سؤالي أنا! لماذا الطبيب الذي جاء لعلاج المصابين بهذا الحال؟ كيف أُصبتَ هكذا؟”
“خرجتُ بعد ورود بلاغٍ عن مصابين جرّاء حادث العربة، ثم جرفنا الانهيار الأرضي…… آه!”
“كفى، كفى. تمدّد مجدّدًا حالًا.”
وخلال مساعدتي له، تلطّخت يداي وملابسي بالدم.
وعند إحساسي بملمس الدم اللزج ورائحته المعدنية، أدركتُ بعمقٍ أنّ هذا المكان واقعٌ حقيقي، وأنّ ما يحدث ليس وهمًا.
‘اهدئي. جئتُ إلى هنا لإنقاذ الناس.’
وبينما كنت أُهدّئ قلبي الذي كان يخفق بعنف—
“الطبيب ويليام! هل استعدتَ وعيّك؟!”
ركض فارسٌ آخر مغطّى بالتراب وأمسك بالطبيب ويليام وهو يصرخ.
“الوضعُ حرج! هناك مصابون ستزهق أرواحهم إن لم يتلقّوا العلاج فورًا! أرجوك، افعل شيئًا!”
لهث الطبيب ويليام وأومأ برأسه.
“حسنًا. أين المرضى…….”
“انتظر لحظة! أيها الطبيب، أنت نفسك مريضٌ الآن! لم يتم إيقاف النزيف بعد، فإلى أين تحاول الذهاب؟!”
“لكن…….”
“لا لكن ولا غيره! إن أردتَ حقًا علاج المرضى، انتظر قليلًا. سأقوم أنا بعلاجك.”
“تعالجينني؟ ماذا تقصدين…….”
“عذرًا، لكن من أنتِ؟”
حدّق فارسٌ مجهول بي بريبةٍ من أعلى إلى أسفل.
في هذا الموقف، لم يكن كشف هويّتي ليزيد سوى الفوضى، فالتفتُّ مباشرةً إلى الطبيب ويليام.
“الطبيب ويليام. أنت تعرف من أكون، أليس كذلك؟”
“هاه؟ نعم، بالطبع أعرف. السيّدة الشابة هي خط…….”
“لا، ليس هذا. أقصد هويّتي حين كنّت في العاصمة.”
كنتُ على وشك أن أقول بثقةٍ إنّني كنتُ مرشّحة قدّيسة، وأن عليه الوثوق بي، لكن عندها، خطر لي أمرٌ فجأة.
‘……كيف أعالج المصابين أصلًا؟’
جئتُ إلى هنا بلا تردّد، معتقدةً أنّني سأستطيع فعل ذلك،
لكن عندما فكّرتُ بالأمر، لم أكن أعرف الطريقة.
وفي اللحظة التي انكمشت فيها ثقتي التي كانت منتفخةً كالبالون—
ظهور مهمّةٍ فرعيّة!
*لقد تعرّض عددٌ كبيرٌ من الناس لإصاباتٍ خطيرة بسبب انهيارٍ أرضيٍّ مفاجئ. عالِجهم لرفع مستوى الإيمان في الشمال.
الهدف: علاج 31 شخصًا (الحالي: 0 شخص)
مكافأة النجاح: بطاقة استخدام نبوءةٍ واحدة
عقوبة الفشل: تدهور سمعة زوجة الدوق المستقبليّة
[قبول/رفض]
‘إعطائي مهمّةً كهذه فجأة…….’
هل هذا تشجيعٌ من الحاكم بأنّني قادرةٌ على فعلها؟
‘حسنًا، وهل كنتُ أعرف كيف أتلقّى النبوءة أصلًا؟’
كما نزل الوحي عندما طلبتُه، فلو طلبتُ العلاج، فسيهتمّ الحاكم بالأمر، أليس كذلك؟
ضغطتُ فورًا على زرّ القبول.
ثم أمسكتُ بكلتا يديّ يد بالطبيب ويليام، الذي كان يحدّق بي بذهول.
“حسنًا، أيها الطبيب. أغمض عينيك قليلًا.”
“من أنتِ أصلًا؟!”
“اسأل عنّي السير كاي الموجود هناك في الخلف. والآن، أيها الطبيب، لنصلِّ معًا إلى الحاكم. هل تؤمن؟”
“ماذا؟”
“هذا ليس وقت الشكّ. قل إنّك تؤمن. أيها الطبيب، هل تؤمن بالحاكم؟”
وأمام إلحاحي، أومأ الطبيب ويليام برأسه بوجهٍ مذهول.
“نـ، نعم. أؤمن.”
“جيد.”
يا إلهي، أرجوك. اشفِ الطبيب ويليام!
-فلاش!
في تلك اللحظة، انفجر من راحة يديّ التي كانت تمسك يده ضوءٌ أبيض ناصع ممزوجٌ بالذهبي. كان ضوءًا ساطعًا لدرجةٍ أبهرت بصري.
أغلقتُ عينيّ بإحكام من شدّة المفاجأة، ثم فتحتُهما ببطء عند سماع صوت دهشةٍ من أحدهم.
“ط، طبيب ويليام؟”
“……يا إلهي!”
عندما فتحتُ عينيّ من جديد، كان الضوء قد اختفى.
نظر إليّ الطبيب ويليام بذهول، ثم ترك يدي وبدأ يتحسّس رأسه وجسده في كلّ مكان، قبل أن يقفز واقفًا.
“شُفيت! شُفيت تمامًا! كلّ إصاباتي! هذا مستحيل…… هذا لا يُعقل!”
“الطبيب ويليام. سأطرح السؤال مرّةً أخرى. هل تؤمن بالحاكم؟”
صرخ الطبيب ويليام بوجهٍ متأثّرٍ للغاية:
“أؤمن!”
أحد سكّان الشمال يُبدي رهبةً أمام الحاكم.
يزداد مستوى الإيمان في الشمال. (+3)
*تحقيق إنجاز! <أوّل شفاء>
لقد عالجتَ شخصًا مصابًا لأوّل مرّةٍ باستخدام القوّة المقدّسة.
كمكافأة، تمّ منحك <بطاقة استخدام نبوءة واحدة>.
ها هو ذا! هذا بالضبط!
“مـ، ما هذا بحقّ……؟ أ، أنتِ، من أنتِ بالضبط؟”
تمتم الفارس الذي كان يراقبني بريبة، فاغرًا فمه.
ولم يكن وحده من ينظر إليّ بعينين مصدومتين.
“ذلك الضوء قبل قليل……؟”
“لـ، لا تقل إنّها قديسة؟”
“هذا مستحيل. كيف توجد قديسةٌ في الشمال؟”
وبين همهمات الناس الذين لم يستطيعوا تصديق ما رأوه بأعينهم—
ناداني أحدهم.
“إينوسينسيا!”
تفاجأتُ عند سماع اسمي للمرّة الأولى منذ قدومي إلى هذا العالم، واستدرتُ في الحال.
وفي اللحظة التالية، شعرتُ بقوّةٍ صلبة تمسك بيدي،
وظلٌّ مندفعٌ بسرعةٍ البرق ملأ مجال رؤيتي.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 19"