الفصل 17 :
“لأنّ أليس ليست خادمةً عليا.”
يبدو أنّ مونيكا رأت أنّ السؤال صعبٌ على أليس، فتدخّلت بلطفٍ وأجابت بدلًا عنها.
وبفضل كونها افتتحت الكلام أوّلًا، خفّ العبء قليلًا عن أليس، فتابعت الإجابة بعدها.
“أنا في الأصل مكلّفةٌ بتنظيف الملحق الذي تقيم فيه السيدة. لكن في ذلك اليوم، أمرني كبيرُ الخدم بأن أخدم السيدة، لذلك…….”
والآن بعد أن فكّرت في الأمر، في اليوم الأوّل الذي أفقتُ فيه هنا، حين طلب ديفيد من أليس أن تخدمني، كانت قد بدت على وجهها ملامحُ الارتباك.
لا بدّ أنّ كثرةَ الناس في تلك الغرفة آنذاك كانت لأنّ ديفيد استدعى جميع الخدم المسؤولين عن الملحق.
وذلك ليحاسبهم على تقصيرهم في مراقبة “إينوسينسيا” كما ينبغي.
‘الآن فهمتُ لماذا كانوا يحدّقون بي بتلك النظرات الباردة.’
لم يكن معناها: ‘كيف تجرؤين على رفض الزواج من دوقنا!’ بل كانت: ‘بسببكِ تسبّبتِ لنا بتوبيخٍ من رئيسنا!’
“باختصار، يعني هذا أنّكِ كنتِ مؤقّتةً منذ البداية؟”
“نعم. كان ينبغي أن أُخبركِ مسبقًا…… أنا آسفة. لم أتوقّع أبدًا أن تهتمّي بأمثالي.”
“هممم؟ لأنّكِ مثل هذا النوع من الفتيات أهتمّ بكِ أصلًا.
صحيح أنّ خدمتي كانت من ضمن واجباتكِ، لكن الطريقة التي اخترتِ بها خدمتي كانت قراركِ أنتِ.”
السيدةُ التي كان على أليس خدمتها، كانت امرأةً ألقت بنفسها من مكانٍ مرتفع لأنّها لم ترغب في الزواج من سيّد هذا القصر.
بأيّ معيارٍ كان، لم تكن شخصًا سهل الخدمة. في الواقع، ديفيد وباقي الخدم أظهروا نفورهم مني دون مواربة.
لكن أليس، لم تُظهر ولو مرّةً واحدة أنّها لا ترغب في البقاء إلى جانبي، وكانت تلبي جميع طلباتي بإخلاص.
حتى ذهابها في كلّ مرّةٍ إلى ديفيد لتطلب الإذن حين أقول إنني أريد الخروج، لا بدّ أنّه كان أمرًا مُتعبًا.
“على أيّ حال، هكذا إذًا. كنتُ أظنّ أنّكِ بعد انتهاء حفل الزفاف، وبعدما لا أعود بحاجةٍ إلى التحضير له، ستعودين لمساعدتي.”
“آه……! أنا، أنا في الأصل مكلّفةٌ بالتنظيف فقط.”
في تلك اللحظة، تدخّلت مونيكا بحذر.
“إذا أعجبتكِ أليس، فاجعلي هذه الطفلة خادمةً مقرّبةً لكِ، يا سيّدتي.”
“هاه؟ حقًا؟ هل يمكن ذلك؟”
“بالطبع. صحيح أنّ خادمة دوقة لا يمكن أن تكون أيّ شخص، لكن الخادمة المقرّبة، يمكنكِ اختيارها مِمّن ترتاحين له.”
“لكنني خادمةٌ دنيا، ولا أجيد سوى أعمال التنظيف…….”
تحدّثت مونيكا وكأنّ أيّ شخصٍ يمكنه أن يصبح خادمةً مقرّبة، لكن يبدو أنّ الأمر ليس بتلك السهولة، فقد هزّت أليس رأسها نافيةً.
“إذًا، هل تكرهين أن تصبحي خادمتي المقرّبة؟”
“أ، أنا ليَ الشرف، ولكن…….”
“إذًا انتهى الأمر. من الآن فصاعدًا، اعتمدي عليّ، أليس!”
أمسكتُ بيد أليس وبدأتُ ألوّح بها صعودًا وهبوطًا بحماس. وبعد أن ارتبكت أليس قليلًا تحت اندفاعي، أومأت برأسها في النهاية، بينما كانت مونيكا تنظر إلينا بوجهٍ راضٍ.
“شكرًا على نصيحتكِ، مونيكا. كما ترين، ما زلتُ أجهل الكثير من الأمور. أرجو أن تعينيني مستقبلًا أيضًا.”
“لا داعي للشكر. أنا بدوري أتطلّع للعمل معكِ.”
وبما أنّ الوقت قد تأخّر، صرفتُ الاثنتين بكلماتٍ تفيد بأنّنا سنخلد للنوم، ثمّ تمدّدتُ على السرير براحةٍ تامّة.
من الغد، سأكون مع أليس، وسأستكمل ما تبقّى من استعدادات الزفاف…….
لا، لحظة.
‘فمن الذي سيموت إذًا؟!’
صحيحٌ أنّ بقاء أليس إلى جانبي أمرٌ جيّد، لكنّ السؤال الأهمّ لم يُحلّ.
يا إلهي، عدنا إلى نقطة الصفر من جديد.
* * *
يُقال في أمثال القدماء قولٌ مشهور.
[من يُفرِط في التوفير، ينتهي به الأمر إلى الخسارة.]
وأنا الدليلُ الحيّ على ذلك.
لم أستخدم، لم آكل، لم ألبس. ادّخرتُ بصعوبةٍ راتبًا تافهًا، حتى جمعتُ عشرة ملايين وون، ثم متُّ في يومٍ واحد وتحولت إلى قصاصة ورق لا قيمة لها، أليس كذلك؟ لو كنتُ أعلم، لسافرتُ في رحلةٍ خارجية مرّة واحدة على الأقل.
‘حسنًا، من زاويةٍ ما، أنا فعلًا في رحلةٍ خارجية.’
إذًا، ما هو الدرس؟
حين لا تدري أتموت اليوم أم تعيش، فإنّ الاستعداد للغد تصرّفٌ أحمق.
وبعد تفكيرٍ طويل، اتخذتُ قراري.
‘سأستخدم قسيمة الوحي. هكذا ببساطة.’
من يدري؟ ربما لو تلقيتُ وحيًا آخر، سينفجر القرّاء بالبكاء وهم ينادون اسم الميت.
وهكذا، في عصر اليوم التالي. ومع حصولي على ساعةٍ واحدة فقط من وقت الفراغ، هرعتُ إلى المعبد.
وجلستُ بخشوعٍ أمام لوح الوحي الحجري.
‘أيّها الحاكم. أرجوك. من فضلك، أخبرني من هو صاحب هذا الوحي.’
هل ترغب في استخدام قسيمة الوحي؟
نعم / لا
‘نعم!’
لحظةُ أملٍ بأنني سأعرف أخيرًا بطل الوحي.
لكن ما ظهر أمام عيني…….
لم يكن وحيًا.
يوجد وحيٌ جارٍ حاليًا.
لا يمكن تلقّي وحيٍ جديد.
“هذا غير معقول!”
“م، ماذا حدث يا سيّدتي؟”
“ما الأمر؟!”
صرختُ دون وعيّ، فهرعت أليس، وكذلك كاي وتشيزاري، اللذان كانا يقفان غير بعيد.
ابتلعتُ دموعي داخليًا ولوّحتُ بيدي قائلةً إنّ الأمر لا شيء.
“فقط…… يبدو أنّني غفوتُ قليلًا أثناء الصلاة، وحلمتُ بكابوس. مجرّد حديثِ نوم، فلا تقلقوا.”
“هاه؟ نمتِ أثناء الصلاة……؟”
“هاها. أنتم شاهدتم كم عانيتُ خلال تحضيرات الزواج، أليس كذلك؟”
وبما أنّهم رأوا فعلًا كم كان جدول أعمالي مرهقًا، أومأوا برؤوسهم بوجوهٍ جادّة.
“بالفعل…… يبدو أنّكِ كنتِ مرهقةً للغاية.”
“سيّدتي، ألا يجدر بكِ التوقّف عن الصلاة وأخذ قسطٍ من الراحة؟”
قالت أليس بوجهٍ يفيض قلقًا. تنفّستُ تنهيدةً لا إراديًا.
‘وأنا أيضًا أريد أن أرتاح! أريد ذلك فعلًا!’
لكن بعد أن خانني الوحي، لم يبقَ لي ما أعتمد عليه سوى نفسي.
‘أقسم، سأطلب أمنيةً عظيمةً بحق.’
حدّقتُ في السماء مرّةً واحدة، ثم سألتُ.
“كم تبقّى من وقت الفراغ؟”
“آه…… حوالي ثلاثين دقيقة.”
تجاهلتُ نظرة الشفقة في عيني أليس، وفتحتُ فمي.
“هل يمكنني مقابلة الدوق الآن؟”
“صاحبُ السمو الدوق؟”
“هل هو مشغولٌ جدًا؟ ربما لا يصحّ أن أذهب إليه فجأةً دون موعد؟”
لكن كاي وتشيزاري هزّا رأسيهما فورًا.
“لدى الدوق صاحب السمو أوامرُ خاصّة. إذا رغبتِ سيّدتي في مقابلته، علينا أن نصحبكِ إليه فورًا.”
“حقًا؟”
“نعم. كان ينتظر مجيئكِ بفارغ الصبر.”
“إلى هذا الحدّ……؟”
لم يكن تعبير تشيزاري أقرب إلى المجاملة، بل بدا عليه ارتياحٌ حقيقي، أشبه بقول: ‘أخيرًا’.
وكأنّه كان ينتظر فقط أن أتوجّه إلى تيمينوس.
“سأذهب أوّلًا لأبلّغ صاحب السمو الدوق.”
“حسنًا. فهمت.”
خرج تشيزاري من المعبد أوّلًا.
نظرتُ بحسرةٍ إلى لوح الوحي، ثمّ تبعتُ كاي وأليس باتجاه مكتب تيمينوس.
‘لم يتبقَّ الكثير من وقت الفراغ، لن أستطيع الحديث طويلًا…….’
حسنًا، سرعة وحسم.
وبينما كنتُ أرتّب في ذهني ما سأقوله له، بدأ الضجيج من حولي يزداد على نحوٍ أربكني.
‘ما كلّ هذا الصخب؟’
كنتُ مستعجلةً وأردتُ تجاهله قدر الإمكان، لكن كلّما تقدّمتُ خطوة، صار من الصعب تجاهل الضوضاء.
كان القلق يتسرّب عبر الهواء المتحرّك، ويُشعرني بانقباضٍ غريب.
“أليس. اذهبي وانظري ما الذي يحدث هناك.”
“نعم، سيّدتي.”
لكن لم يكن على أليس أن تذهب فعلًا، إذ دوّى صوتٌ عالٍ فجأة.
“ك، كارثة! كارثة! في موقع حادث العربة، وقع انهيارٌ أرضي، والفرسان والطاقم الطبي الذين ذهبوا لمعالجة الحادث، دُفنوا تحته!”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 17"