8
━━━●┉◯⊰┉ الفصل 8 ┉⊱◯┉●━━━
بدلًا من أبي المريضِ، كانت والدتي هي التي تتحمَّلُ جميعَ مهامِّ العائلةِ وأعباءِ القصرِ.
والدتي امرأةٌ حنونٌ يغمرُها الحنانُ والرحمةُ، ولكنها كانت تثورُ غضبًا عند وقوعِ أمرٍ غيرِ صحيحٍ.
وفي كلِّ مرةٍ تفعلُ ذلك، لم يجرؤ أحدٌ من أفرادِ العائلةِ على الاعتراضِ أو المجادلةِ معها، بل كانوا يُذعنونَ بهدوءٍ واحترامٍ.
لقد كان هذا مُمكنًا لأنهم يحترمونَ قراراتِ سيدةِ العائلةِ.
ولكن الآن ما يحدثُ معي ليس كذلك…
“هل يُعقَلُ ذلك، آنستي…؟”
“يبدو لي أنك تُحاولُ تعليمي بأستمرارٍ، يا قائدُ الحرس. هل سبق أن قلتَ لوالدتي شيئًا كهذا؟ كأن تُخبِرَها ألا تفعل ذلك، أو أن تُعيدَ النظرَ في قرارٍ ما؟”
“هذا…”
“لم تقُل هذا، أليس كذلك؟”
عضَّ لوريند على شفتيهِ بقوةٍ. وعندما لاذَ بالصمتِ، أصبحت وجوهُ الحُرّاسِ الذين يقفون خلفه أكثرَ شُحوبًا.
“إذن لماذا تقولُ لي هذه الأمور؟ لماذا تُوجِّهُ لي ملاحظاتٍ غيرَ ضروريةٍ وكأنك تُحاولُ تعليمي؟ لا أفهمُ ذلك. أحيانًا أُفكِّرُ أنني ربما أفتقِرُ إلى شيءٍ ما، أليس كذلك؟”
“لا، بالطبع لا. كيف لي أن أجرؤَ على التفكيرِ بهذا الشكلِ؟ كلُّ ما في الأمر أنني شعرتُ أنَّ قرارَكِ قد يُؤدِّي إلى نتائجٍ غيرِ مرغوبةٍ، فقررتُ أن أُقدِّمَ لكِ نصيحةً فقط.”
“نصيحة؟”
اتَّسعت عيناي دهشةً عندما سمعتُ هذه الكلمةَ الغريبةَ منه. وقبل أن أفتحَ فمي مجددًا، قاطعني صوتُ إيركيل.
“منذُ متى أصبح لقائدِ الحرسِ الحقُّ في تقديمِ اقتراحاتٍ تتعلَّقُ بشؤونِ العائلةِ الداخلية؟”
“هذا…”
“وأيضًا نصيحة؟ قائدُ الحرس، هل تظنُّ أن الآنسةَ بحاجةٍ إلى مساعدتِكَ؟”
تغيَّرت تعابيرُ قائدِ الحرسِ الذي وقعَ في ورطةٍ بسببِ كلمةٍ خاطئةٍ. وبدلًا من هيئتهِ الواثقةِ، كان يتفحَّصُ الحُرّاسَ الذين يقفون خلفهُ بنظراتٍ قلقةٍ.
في تلك اللحظات، شعرتُ بضيقٍ فتنهَّدتُ بخفّةٍ.
“أيها القائد، أفهمُ ما تُريدُ قوله. تُريدُ منعَ حدوثِ أي تقصيرٍ في مهامِّ الحراسةِ بسببِ هذا الأمر، صحيح؟”
“نعم، هذا صحيح.”
“لكن هذا شيءٌ مختلفٌ تمامًا. الحارسُ الذي كان سيُعاقَبُ كان يُحاولُ ضربَ طفلٍ في موقعهِ، دون أيِّ تردُّدٍ لأنه عبدٌ، كما يقول. هل ترى أنَّ ذلك كان عملًا مشروعًا؟”
“…”
الصمتُ الذي أبداه أوضح لي أنه لا جدوى من متابعةِ النقاشِ.
“لن أُغيِّر قراري. لكن، كما ذكرتَ، قد أكونُ أغفلتُ شيئًا، لذا سأُرسِلُ رسالةً إلى والديَّ تتضمَّنُ تفاصيلَ ما حدث اليوم. إذا قرَّرا اتخاذَ موقفٍ مُغايرٍ لموقفي، فسأقومُ بإلغاءِ تعليماتي. ما رأيك؟”
“لا، لا حاجةَ لذلك! سأتوقَّفُ أنا! ليس هناك داعٍ لتحمُّلِكِ هذا العناء!”
صاحَ أحدُ الحُرّاسِ الذي كان يقفُ مرتعدًا
خلف لوريند بصوتٍ مرتجفٍ.
“ألم يكُن لديكَ اعتراضٌ؟”
“بالطبع لا! أدركتُ خطأي، وسأتقبَّلُ القرارَ الذي اتخذته آنستي.”
كانت والدتي صارمةً فيما يخصُّ معاييرَ العقابِ والمكافأةِ.
على الأرجح، إذا علمتْ بأنَّ الحارسَ حاولَ ضربَ طفلٍ، حتى لو كان عبدًا، فلن تكتفيَ بتجريدهِ من منصبهِ.
قد يتمُّ فرضُ غرامةٍ عليه أو حتى الحكمُ عليه بالسجنِ لفترةٍ قصيرةٍ في أسوأِ الأحوالِ. معرفةُ هذه الأمورِ دفعتهم الآن فقط إلى الخوف.
‘أشعرُ بالاستياء.’
تصرفاتُهم جعلتني أشعرُ بأنهم يتجاهلونني. لقد اتخذتُ هذه القراراتِ بناءً على قناعةٍ بأنني أُطبِّقُ عقوبةً أقلَّ قسوةً مما قد تفرضُه والدتي.
“إليانا، هل يُمكنكِ الاعتناءُ بالصبي؟ سأتعاملُ مع الباقي.”
رفعتُ رأسي لأجدَ إيركيل ينظرُ إليَّ بابتسامةٍ دافئةٍ.
وبإشارةٍ من عينيهِ، طلبَ مني المُضيَّ قُدمًا. تنفستُ بهدوءٍ وأومأتُ قبل أن أنزلَ من الكرسي.
“حسنًا، دعونا ننتقلُ إلى مكانٍ آخرَ لمتابعةِ النقاشِ.”
“ماذا؟ مكانٌ آخرُ؟ لكن…”
غادر إيركيل الغرفةَ غيرَ مكترثٍ بترددِ لوريند، الذي تبعَهُ مع الحُرّاسِ المُرتبكينَ خلفه. بمُجرَّدِ مغادرتهم، استعادَتِ الغرفةُ هدوءَها سريعًا.
نظرتُ إلى ريغيل الذي كان جالسًا على السرير. حيث بدا متأثِّرًا بشدَّةٍ، مع تعابيرَ تدلُّ على ألمٍ كبيرٍ في داخلهِ.
تنهَّدتُ قليلًا وأنا أنظرُ إليه. لم أتخيَّل أنَّ رؤيةَ طفلٍ في مثلِ عُمري كاد يتعرَّضُ للضربِ من شخصٍ بالغٍ قد تُثيرُ مشاعرَ غيرَ مريحةٍ بهذا الشكلِ.
‘أمي، يبدو أنَّ العالمَ ليس جميلًا كما كنتُ أظنُّ.’
أن يحاولَ بالغٌ ضربَ طفلٍ، وأن يتجاهلني الآخرون أمام عيني، هذا كشفَ لي أنَّ هناك أناسًا ليسوا طيِّبينَ أو لطفاءَ دائمًا.
لم أفهم هذا الشيءَ الأساسيَّ إلا الآن. أظنُّ أنني بدأتُ أدركُ سببَ ابتسامِ وضحك والدتي والبالغينَ كلما قلتُ إنني أصبحتُ كبيرةً.
“ريغيل، هل أنتَ بخير؟”
“…”
اقتربتُ منه بهدوءٍ. عندها، ارتبكَ قليلًا وزمجرَ في وجهي وكأنه يُحاولُ إخفاءَ ضعفِه.
في حين قد زادت حدةُ نظراتِه المُتحفِّزةِ. فَتساءلتُ عمَّا يجبُ أن أفعلهُ في مثلِ هذا الموقفِ. وبعدَ تفكيرٍ بسيطٍ، كان الخيارُ واضحًا. لذلك تقدَّمتُ نحوه ببطءٍ.
تقلَّصَ جسمُ ريغيل عندما أمسكتُ بيدِه، لكنني تجاهلتُ ذلك ووضعتُ يدي الأخرى حولَ رأسِه واحتضنتُه.
كنتُ صغيرةَ الحجمِ، فلم أتمكَّن من احتوائِه بالكاملِ كما تفعلُ والدتي معي، لكنني حاولتُ تقليدَ دفءِ عناقها.
“لا بأس. لن يضربكَ أحدٌ. اهدأ.”
سمعتُ أنفاسَهُ اللاهثةَ بينما كان يُحاولُ المقاومةَ، لكن بعد أن ربتُّ على ظهرهِ، استعادَ هدوءَه تدريجيًّا. بدأ ارتعاشُ يديهِ يهدأ. وأخيرًا، استرخى وخفضَ رأسه.
ظللتُ أربِّتُ على ظهرهِ لفترةٍ طويلةٍ، وعندما ابتعدتُ قليلًا، نظرتُ في عينيهِ.
كانت تلك العينان اللامعتان بلونِ التوبازِ تُشبهان موجاتِ البحرِ تحت نسيمِ الرياحِ. لقد كانت…جميلةً بشكلٍ لا يُوصف.
“لماذا تفعلين كُلَّ هذا من أجلي؟ أنا مجردُ عبدٍ.”
“لقد قلتُ لكَ من قبل. أنا لا أراكَ عبدًا. أعلم أنك تجدُ صعوبةً في تصديقي، لكن أرجوك، حاول أن تثق بي. سأحرِّركَ يومًا ما، أعدُكَ بذلك.”
عضَّ ريغيل على شفتيه بشدّة، فابتسمتُ
بخفَّةٍ عند رؤيةِ ذلك.
“لا داعي للقلق. أمي كانت دائمًا تقول إنَّ الوعدَ يجبُ أن يُوفى. لذا، سأفي بوعدي. وإذا حاول أحدٌ إزعاجكَ في المستقبل، فقط أخبره أنني سألقِّنُه درسًا.”
“ولكن، ماذا ستجنينَ من ذلك؟ ألا تخسرين أكثر مما تربحين هكذا؟”
“ربما، هذا صحيحٌ.”
“ولكن لماذا إذًا…؟”
“تسألتُ عن السببِ كثيرًا أيضًا. لكنني
أخبرتُكَ من قبل.”
رسمتُ ابتسامةً خفيفةً على شفتيَّ وأكملتُ:
“لأنكَ شخصٌ ثمينٌ بالنسبةِ ليّ.”
“…”
“لذا، لا تشعُرْ بالذنب. استغلَّني.”
على أي حال، أمي أيضًا اشترتْكَ لاستغلالكَ. وربما إذا استغللتَني أنت، سأشعرُ بذنبٍ أقل.
نظرَ ريغيل إليَّ بعينين مليئتين بأفكارٍ متشابكة، بينما ظلتْ شفتاه مُغلقتين بإحكام. عندها، ابتسمتُ برفق.
“لماذا تصنعُ هذا التعبيرَ الجدي؟ الأطفالُ عليهم أن يبتسموا فقط ويقولوا ‘حسنًا’ مثل الأطفال الآخرين.”
“ولكنكِ أصغرُ مني سنًّا يا سيدتي.”
“هذا فقط من حيثُ العمرِ الظاهري. أنا أكبرُ عقليًّا. أعرفُ أشياءَ كثيرةً أيضًا. هل سمعتَ عن كتاب ‘قوانين سانت لويس’؟ لقد قرأتُ أول مئتانِ صفحةٍ منه! أليس ذلك مذهلًا؟ حتى الطلاب الذين يدخلون الأكاديميةَ لا يستطيعون فعل ذلك. لكنني فعلتُه، لذا أستحقُّ أن أُعتبرَ بعمر الرابعة عشرة، أليس كذلك؟”
“مجردُ الحديثِ عن هذا يجعلُ الأمرَ يبدو…”
“ماذا قلتَ؟”
حين رفعتُ عينيّ بغضب، أغلقَ ريغيل فمه بسرعة.
أثارتْ ردّةُ فعله ضحكتي الصغيرة. يبدو أنه بدأ يتحسّن قليلًا. كانت الكراهيةُ التي تملأُ عينيه سابقًا قد خفَّت كثيرًا، رغم أن الحذرَ لا يزالُ واضحًا.
لكنني سأعملُ على إزالةِ ذلك تدريجيًّا.
“لنأكل شيئًا أولًا. لم نأكل أي شيءٍ بعد…لماذا تصنعُ هذا التعبيرَ الآن؟”
حين التفتُّ مبتسمةً، لاحظتُ أن وجهَ ريغيل أصبحَ متجهمًا بشكلٍ طفيف. ماذا حدث للهدوءِ الذي كان عليه قبل قليل؟ حين سألته بنظراتٍ متفاجئة، بدأ يلمسُ كتفه بقلق.
“هناك ألمٌ…آه!”
صرخَ ريغيل وسقطَ على السرير. قبل أن أتمكّنَ من الرد، كان يمسكُ بكتفه ويتلوّى من الألم قبل أن ينهارَ تمامًا.
“الطبيب…!”
نظرتُ إليه وأنا أصرخُ بصوتٍ مرتفع.
“أحضروا الطبيب فورًا!”
***
“هل تقصدُ أنه لا يعاني من شيء؟”
سألتُ الطبيبَ الكبيرَ بدهشةٍ، فأومأ برأسه. وبينما كان ينزعُ السمّاعةَ من أذنيه وينظرُ إلى ريغيل النائمِ بوجهٍ هادئ، قال:
“حالته الصحية جيدةٌ تمامًا. لا يعاني من أي نقصٍ مقارنةً بعمره. ربما يقلقني فقط مستوى التغذية، لكنه ليس كافيًا لتفسيرِ انهياره المفاجئ.”
“ولكنه فقد وعيه فجأةً.”
“مممم…جسديًا، لا توجد مشكلة. ربما السببُ نفسي.”
“مشكلةٌ نفسية…”
عندما غادر الآخرون الغرفةَ، عادتْ إلى الهدوء بسرعة. حينها نظرتُ إلى ريغيل الذي كان جالسًا على السريرِ، مغمضًا عينيه وكأنه يتألّم بصمتٍ.
لم يكن كما رأيتُه أول مرة. حتى أشرس الوحوشِ تظهر لها لحظاتُ ضعفٍ، خصوصًا إذا كانت تحملُ صدمةً في الماضي. في تلك اللحظة، شعرتُ أنَّ ريغيل عاشَ أمورًا قاسيةً، حتى دون أن يخبرني بذلك.
بينما كان ملفوفًا بالغطاءِ ويحاولُ كبحَ مشاعره، شعرتُ بحزنٍ كبير. لم أتوقّع أن رؤيةَ طفلٍ في سني يتعرّضُ لمحاولةِ إيذاءٍ قد تؤثّرُ عليَّ بهذا الشكل.
بالفعل، بدا لي غيرَ مستقرٍّ قليلاً. بحثُه عن والدته وإصراره على ذلك يبدو أنه يخفي خلفه قصةً ما.
كذلك، إذا كان ريغيل نفسه لا يعلمُ سببَ ألمه، فمن المحتملِ أنَّ العلامةَ المرسومةَ على جسده لها تأثيرٌ ما.
عليَّ أن أبحثَ عن طريقةٍ لإزالتها بأسرعِ وقتٍ ممكن.
بينما كنتُ أفكرُ في ذلك، سمعتُ صوتَ أنينه الخافتِ:
“أوه…”
لحسن الحظ، استعادَ وعيه بسرعةٍ هذه المرة. وبينما كنتُ أغوصُ في أفكاري، رأيته يفتحُ عينيه ببطء.
“أمي…؟”
كما كان من قبل، ها هو يكررُ نفس الكلمةِ مجددًا. بدأتُ أتساءلُ إن كان لديه بالفعل مشكلةٌ نفسية، لكنني قررتُ أن أتركَ هذه الأفكارَ جانبًا في الوقت الحالي.
“لا، إنها أنا…إليانا.”
“إليا… إليانا؟”
بصوتٍ بطيءٍ وغير واضح، نطقَ باسمي. لكنَّ عينيه سرعان ما اتسعتا، وعادَ بصرهُ تدريجيًا ليصبحَ أكثرَ تركيزًا. ثم أمسكَ مجددًا بكتفه، وصرخَ:
“آآآه!!”
“ري…ريغيل؟!”
‘مجدّدًا؟! ما الذي يحدث؟! لماذا يتألمُ مجددًا؟! لا
يبدو أنه يدَّعي ذلك. أمي! قلتِ إنه أصليٌّ وليس به عيبٌ، صحيح؟! لقد وعدتِ أن تجعليني إمبراطورةً، لكن الأمبراطور هذا دائمًا ما يُعاني من المشاكل!’
شعرتُ بالإحباطِ والارتباكِ بسببِ هذه الحالةِ
الغامضة حتى كدت أفقد عقلي.
ما المشكلة؟! بينما كنتُ أشعرُ بالضياع، نهضَ ريغيل ببطء. ورغم أن وجهه كان لا يزالُ مشوهًا من الألم، إلا أنَّ عينيه كانتا واضحتين تمامًا.
“هل أنت بخير؟ ما الذي…؟”
“اقتليني…”
“هاه؟ ماذا قلت؟”
“أرجوك…اقتليني…”
عندما سمعتُ كلماته المنبعثة بصوتٍ ضعيفٍ بالكاد يُسمع، شعرتُ بقلبي يتوقفُ للحظة. ومع ذلك، سرعان ما أصبحَ صوته أكثر وضوحًا، ليقولَ بنبرةٍ حازمةٍ:
“أرجوكِ…اقتليني.”
__تَرْجم بِكلِّ حُبٍّ مِنْ قَبْلِ كَارِيبِي
التعليقات لهذا الفصل " 8"