4
━━━●┉◯⊰┉ الفصل 4 ┉⊱◯┉●━━━
「مَرحبًا إليانا، أَمُّكِ شخصٌ ليسَ مِن هذا العالمِ.」
أَغلَقتُ الكِتابَ بصوتٍ خافتٍ.
وبهدوءٍ تَفحصتُ الغِلافَ مُجددًا، حيث تَأَكَّدتُ من عدمِ وجودِ أيِّ شيءٍ مكتوبٍ عليه، ثُمَّ عاودتُ النظرَ إلى الصَّفحات مرةً أخرى.
ومَهما قرأتُ النَّصَّ مَرتين أو ثَلاثًا، لم يَتَغير شيء.
“…هَل تَمزحين معي؟”
كانت أُمِّي تَمزحُ كثيرًا، فهي تُحبُّ المُزاحَ.
ربما يكون لهذا الكلامِ مَعنىً آخر. لذلك
واصلتُ القراءةَ باهتمامٍ.
「أَظُنُّ أنَّ ما سأقوله يبدو غريبًا، ولكن في الحقيقة، أُمُّكِ جاءت من عالمٍ آخر.
ذلك العالم يختلف عن عالمِنا، حيثُ
التِّكنولوجيا مُتطورة.
هل تذكرينَ عندما كنتِ صغيرةً وتحدثتِ عن العرباتِ الطائرةِ والقطاراتِ التي تَسير في السَّماء؟ هذا كان في العالمِ الذي كنتُ أعيش فيه.」
“…”
「وفي أحد الأيام، تعرَّضت أُمِّكِ لحادِثِ شاحِنةٍ شَهير، يُطلَق عليه عادةً حادثُ النَّقلِ البُعدي أو التجسد، ومِن ثَمَّ سَقطت في هذا المكان.
في البداية كنتُ مُرتبكةً، لكنني استطعتُ النَّجاة بطريقةٍ ما، ووَلَدتُكِ، واستمرَّيتُ حتى الآن بفضلِ معرفتي المُستقبلية.」
بَدا لي أنَّ هناكَ الكثيرَ مِمَّا تم تجاوزه بهذه العبارة البسيطة ‘بطريقةٍ ما’ حتى جاءَ القَولُ بأنَّها كانت تعرفُ المُستقبل.
كان من الصَّعبِ عليَّ مُواكبةُ ذلك، فأَغلقتُ
الكِتابَ مرةً أُخرى.
وفي صَمتِ الغُرفة، نَظرتُ إلى السَّقف مَشدوهةً.
هل قرأتُ هذا بشكلٍ صحيح؟ أُمِّي
كانت تَمزح، أليسَ كذلك؟
أن تكونَ أُمِّي من عالمٍ آخر وأنها تَعرفُ المستقبل…لم أَستطع أن أُصدقَ ذلك على الإطلاق.
وعندما تَجاهلتُ هذا الأَمر، عادت أفعالها الغريبةَ
التي كنتُ أَراها طوال حياتي إلى ذِهني.
لا سيَّما اختراعها لأشياءٍ لم يستطع أحدٌ أن يتخيَّلها، وأيضًا العثورُ على الطفلِ غير الشرعيِّ للإمبراطور وإحضارُه.
هذه الأُمور لم تكن مُمكنةً إلا إذا
كانت أُمِّي تقولُ الحقيقةَ في هذا الكتاب.
“…”
وفي وسطِ هذا الصَّمت، فَتحتُ الكِتابَ
مُجددًا وتَصفحتُ بين صفحاتهِ.
「كان بإمكاني أن أكونَ إمبراطورةً أو حتى أيَّ منصبٍ كانَ لأنني كنتُ أَعرفُ المستقبل.
لكنني اخترتُ والدَكِ. أتَعلَمين لماذا؟
لأنَّ والدَكِ كان وَسيمًا للغاية!
وحتى الآن لا زالَ وسيمًا، ولكنهُ كانَ
يُبهرني أكثرَ في الماضي.
لهذا جَمعْتُ الكثيرَ من المالِ لجذبِ انتباهِه. وهذا هو السببُ في وجودِكِ الآن يا عزيزتي.」
لم أَستطع منعَ نفسي من الابتسام.
نَعم، كان والدي وَسيمًا بالفعل.
حتى في عيني، كان من الصَّعب
أن أجدَ رجلاً وَسيمًا مِثلَه.
لطالما كانت أُمِّي تُطلقُ عليه لقبَ ‘أَجمل رجلٍ في الإمبراطورية’ وكُنتُ أَتفقُ معها تمامًا في ذلك.
「أَشعُر أنَّكِ مَشوشة. نَعم، هذا طبيعي. لكنَّ هذا الكتابَ سيساعدكِ. هذا الكِتابُ الذي تركتُه لكِ هو رُؤيا للمُستقبل.」
“رُؤيا للمستقبل؟”
「لقد كتبتُ بشكلٍ مُختصرٍ ما سيحدثُ لاحقًا.
عليكِ أن تُقرري كيفَ ستتصرفين بناءً على ما ستَقرئين.
أَمَّا بالنسبة لشُؤون العائلة، فسأتولى أنا أمرها، ولكن إدارة عائلةِ كارلشت الآن تقعُ على عاتقكِ، إليانا. فأنتِ ابنتي.
وبالطبع، سيظلُّ إيركيل بجانبكِ لمُراقبتِكِ ومساعدتكِ.」
أَعتقد أنه لا يوجد أحدٌ سوى أُمِّي يُمكنه أن يتركَ مسؤوليةَ عائلةٍ بأكملها لطفلةٍ في العاشرة.
تنهدتُ قليلاً، وواصلتُ تقليبَ الصفحات.
「وبالنسبة لكَلوديل، أرجو أن تَعتني به.
قد قلتُ مِزاحًا أنه سيكونُ زوجَكِ في المُستقبل، ولكن حتى لو لم تُصبحي إمبراطورةً، فإنه سيكون الشَّخص الأكثرَ أهميةً في حياتكِ.
لن أُجبِرَكِ على شيءٍ، يُمكنكِ إزعاجهُ أو أنّ تكوني صَديقةً لهُ. ولكن، عليكِ تَحمُّل نتائج اختياراتكِ.」
“اختياراتي…”
「هاها، يَبدو الأَمرُ عظيمًا ومؤثرًا
حينَ أقولُ ذلك هكذا، أليس كذلك؟
لا تَقلقي كثيرًا يا أبنتي…
مَهما كان اختيارُكِ، فأُمُّكِ دائمًا بجانبكِ.
حسنًا، سأكتفي بهذا القدر. اعتني بنفسكِ
وكُوني بصحةٍ جيدةٍ.
إذا حدثَ شيءٌ ما، تَواصلي معي فورًا. فأُمُّكِ
تُراقبُكِ وتساعدكِ دائمًا مِن أيِّ مكانٍ كانَ.」
“أُمِّي…”
「مُلاحظة: سيُصبح كلوديل رَجلاً وسيمًا جدًّا
عندما يكبر. الوسيمون دائمًا ما يكونون جيدين للصحةِ النفسية، لذا أبقيه قريبًا منكِ. ستشعرينَ بأن حياتكِ أصبحت أطول حتى.」
أَنهت أُمِّي رِسالتها بجملةٍ جعلتني أبتسمُ مُجددًا.
بعد ذلك، كانت الصفحاتُ المُتبقية تحتوي
على تنبؤاتٍ بالمُستقبل.
لم أكن أعرف إنّ كان هذا صحيحًا أم لا.
ولكن أَقرَب هذه التنبؤات ستحصلُ غدًا.
إذن، عليَّ الانتظار للتحققِ من ذلك.
وبينما كنتُ أفركُ عينيَّ الجافتين من التركيز بعد
القراءة، سَمعْتُ صوتَ طَرقٍ على الباب.
عندما سمحتُ له بالدخول، فتحَ الخادمُ
تايلور البابَ وانحنى قليلًا.
“هل أنتِ بخير، يا سيدتي؟”
“…أنا بخير.”
بالطبع لم أكن بخير.
كما توقعتُ، لقد فَعلتها أُمِّي مجددًا دون أن تُخبرني.
حدَّقَ في وجهي، ثم تكلَّمَ تايلور بحذر.
“إذا كنتِ مُتعبةً، هل تودين العودةَ إلى
غُرفتك؟ سأُبلغُ السيد إيركيل تَوالو بذلك.”
“كلا، أنا بخير.”
ابتسمتُ برفقٍ ونهضتُ من مَقعدي.
تجنبتُ نَظراته القَلقة، إلا أنّ عيني قد التفتت
إلى الكِتاب الموجود على المكتب.
“…”
هل كانت أُمِّي تَمزح؟
ربما كان ذلك لأنها شَعرت بالذنب قبل أن تذهبَ بعيدًا وتتركني خلفها.
“سأذهبُ الآن.”
أخذتُ الكِتابَ معي واتجهتُ للقاءِ إيركيل.
***
عندما عُدتُ إلى غرفةِ الاستقبال، وَقَفَ إيركيل مجددًا.
أَلقَيتُ عليه نَظرةً صغيرةً وأنا أَجلِسُ على مَقعدي.
حيث شَعرتُ أن الكُرسيَّ كان أَعلى من المُعتادِ اليوم.
وبينما كنتُ أُحاولُ الجلوسَ على الكُرسيِّ
بصعوبةٍ، سَمِعتُ صوتهُ يَتبَعُني بهدوء.
“إذا كنتِ مَصدومةً، يُمكننا تأجيلُ الحديثِ إلى الغد.”
“كلا، أنا بخيرٍ. أُمِّي اختَفَت فجأةً بدونِ سابقِ إنذار، هذا ليسَ أمرًا جديدًا. إذا فكّرتُ في الأمر، أَصبح الأمرُ طبيعيًا بالنسبةِ ليّ.”
رغمَ أن نصفَ عامٍ يبدو فترةً طويلةً بعضَ الشيء، إلَّا أنني إذا تذكرتُ سَفريتها التي استمرَّت شهرين من قبل، يُمكنني تفهُّمُ الأمرِ بشكلٍ أكبر.
بالرغم من أنني ما زلتُ أَشكُّ في دوافعِها، لكنها ذهبت لعلاجِ والدي في النهاية.
“لطالما كنتِ ناضجةً جدًا، يا إليانا. الأطفال في سنكِ عادةً ما يَشعرون بالخوفِ إذا فَقَدوا أُمَّهم، لكنكِ دائمًا تُدهشينني.”
“هذه إحدى مِيزاتي، أن أكونَ ناضجةً.”
“…هاها، هذه صحيحٌ.”
وكما هو الحالُ دائمًا، أَومأَ إيركيل
برأسه بخفةٍ على كلامي.
حينها شَعرتُ وكأنني سَمِعتُ هَمسًا صغيرًا يقول:
“كيفَ يُمكن لطفلةٍ في هذا السن أن
تقولَ مثل هذه الكلمات؟”
لكنني تَجاهلتُ الأمرَ بخِفَّة كما أفعَلُ عادةً.
“أوَّلًا، لقد رأيتُ الرِّسالةَ التي تركتْها أُمِّي. تقول إنها ستَغيبُ لمدةِ نصفِ عام.”
“نعم. لكن لا داعيَ للقلق. على الرغم من أن المسافةَ بعيدةٌ، يُمكنُ الوصولُ إليها في غضونِ أربعةِ أيامٍ. إذا كنتِ تُودين رؤيتَها، أخبريني فقط، سأقوم بمرافقتِكِ إليها.”
“لا بأس. لستُ طفلةً تَبكي لأنها
تشتاقُ إلى أُمها فحسب.”
“…”
أدرتُ رأسي بعيدًا عن إيركيل الذي ابتسمَ ابتسامةً مُتكلفةً على كلماتي.
لم أكن أعلم أنَّ غرفةَ الاستقبالِ التي كانت تستقبلُ فيها أُمِّي الناسَ عادةً كانت بهذه الاتساع.
حينما كانت تأخذُني إلى هنا باعتبارِ ذلك جزءًا من دراستي في استقبال الضيوف، لم أكن أُدرك كم كانت الغرفةُ واسعة.
الكراسي التي جَلستُ عليها، السَّقف الذي نَظرتُ إليه، والغرفة الممتدةُ طوليًا بجانبي كانت مُختلفةً تمامًا عن العالم الذي اعتدتُ رؤيته بجانب أُمِّي.
“أوَّلًا، هل قلتَ يا مُعلِّمي إنكَ ستتولى مسؤوليةَ إدارة شؤونِ المنزل بصفتكَ وَصيِّي؟”
“نعم، هذا صحيح. لكن لا تقلقي، ستتولى البارونةُ في تشيلانو شؤونَ العائلة، وأنا سأتولى الأُمور البسيطةَ فقط.”
لم يكن من غير المعتاد أن يدخلَ الوصيُّ ليحكمَ العائلة بما يَتَناسب مع مصالحه.
وعلى ما يبدو، كان إيركيل مُدركًا لذلك، لذا أَومأت له برأسي باختصار.
“إذًا، هل يُمكنني أن أَسألكَ سُؤالًا واحدًا فقط؟”
“بالطبع، تفضلي يا إليانا.”
“هل كانت أُمِّي تتحدثُ أحيانًا عن العائلةِ
الملكية أو عن المُستقبل معكَ؟”
عند سؤالي، عبسَ إيركيل قليلًا وكأنهُ
لم يَفهم ذلك جيّدًا.
“لا أَدري. كانت دائمًا شخصًا فريدًا من نوعهِ، وكانت تتحدثُ عن الكثيرِ من الأُمور المُختلفة، ولكنها نادرًا ما كانت تتحدث عن العائلةِ الملكية. أما عن المُستقبل، فقد كنا نتحدثُ أحيانًا عن ذلك معًا، ولكني لا أذكّر أيَّ شيءٍ من هذا بوضوحٍ الآن.”
“حقًا…؟”
إذًا، يَبدو أن اعترافَها بأنها من عالمٍ آخر كانَ ليّ وحدي.
على الرغم من أنني فكرتُ أنه ربما كان مجرَّدَ مِزاح، إلا أنَّ الكِتاب الذي كانت تُحدثني عنه لم يكن يَبدو وكأنهُ مِزحةٌ بسبب الجُهد الكبير الذي بُذلَ فيه.
“هل هناك مشكلةٌ ما؟”
“آه، لا.”
ابتسمتُ ببهجةٍ وهززتُ رأسي.
نظرَ إليَّ إيركيل بإحساسٍ من الحيرة، ثم أَومأَ
برأسهِ باقتضابٍ.
‘يبدو أنني بحاجةٌ إلى إعادةِ قراءةِ ذلك الكتاب.’
إذا لم تكن أُمِّي تَمزح، فلا بُدَّ أن الكتابَ يحتوي على معلوماتٍ حول ريغيل.
ربما عن كيفية إزالة علامةِ العُبودية أو تأكيد ما إذا كان ريغيل سيُصبح الإمبراطورَ حقًّا، وأيضًا عن كون أُمِّي فعلًا من عالمٍ آخر.
وبينما كنتُ غارقةً في هذه الأَفكّار، دخلَ الخادمُ
تايلور مع صوتِ فتحِ الباب.
“آنِستي. الصَّبيُّ قد استيقظ.”
“حقًا؟ سأتوجَّهُ إليه حالًا.”
“صبيّ؟”
التفتُ إلى إيركيل الذي كان يُحدِّقُ بي بتَعَجب، على ما يَبدو لم يسمع بهذا الخبرِ بعد.
“مَن هذا الذي جاء؟”
أغلقتُ شَفتيَّ بإحكامٍ حيالَ سُؤاله
الذي كانَ مُفعمًا بالاستغراب.
حتى إيركيل، على الرغم من كونهِ قريبًا من أمي، إلا أنهُ لن يُصدِّق بالتأكيدِ إذا سمعَ أنّ أُمِّي قد اشترت ابنًا غير شرعيٍّ للإمبراطور ليكونَ عبدًا.
ومع ذلك، لم يكن من السهلِ إخفاء الأَمر، خاصةً أنه سيتولى إدارةَ المنزلِ لبعض الوقت، لذا قد لا يكون مُفاجئًا أن يَكتشف في أيَّ لحظةٍ.
“أُمِّي قد أَحضرت صبيًا معها.”
“صبيًا؟”
بدا ردُّ فعلِهِ طبيعيًا، وسألَ بفضولٍ مَن يكونُ هذا الطفل.
تَوقفتُ للحظةٍ ثم ابتسمتُ لهُ بخفةٍ، وأكملتُ بقولي:
“تقول إنهُ مرشحٌ ليكونَ زوجًا ليّ.”
“…”
وما أن أنهيتُ كلامي حتى انفتحَ فمُ إيركيل بصدمةٍ.
لماذا هذا التعبير؟ لم أكن أَكذب.
“…ما الذي تُخطط لهُ بحقِّ السماء؟”
سَمعتُ صوته العَميق يتنهد خلفي، لكن لم يكن هناك وقتٌ للتأخير بعدما علمتُ أن ريغيل قد استيقظ، لذا تركتُه بسرعةٍ دون أن أُدركَ سوءَ الفَهمِ الذي قد أحدثته كلماتي.
__تَرْجم بِكلِّ حُبٍّ مِنْ قَبْلِ كَارِيبِي
التعليقات لهذا الفصل " 4"