3
━━━●┉◯⊰┉ الفصل 3 ┉⊱◯┉●━━━
“هَاااه-“
ما إن فُتِحَ فمي حتّى انطلقت تنهيدةٌ حارّة منهُ.
تذكّرتُ ذلك العهدَ الغريبَ الذي أقامه ليّ ريغيل.
من تعابيرِ وجههِ المُتألّمةِ وصولًا إلى ملامحهِ المتشنّجة.
ربّما كان مضطرًّا لذلك بسبب وسمِ العبوديّة. وإلّا لما كان ليبذل كلّ ذلك الجهد.
وما إن خطرَ ليّ مظهرُ ريغيل في ذلك الوقت
حتّى انطلقت تنهيدةٌ أخرى مني.
لم أكن أتخيّل أنّ أمنيتي الصغيرة في أن أصبح إمبراطورةً وأنا طفلةٌ ستكبر بهذا الشكل.
“المشكلة هي أنّني محوت فكّرةَ أنّ أكون
إمبراطورةً منذُ زمنٍ بعيدٍ. الآن ينبغي عليّ
تحرير ريغيل.”
لم تعد تلك الفتاة التي كانت تلمعُ عيناها وهي تقرأُ كُتبَ القصصِ الخياليّة وتتمنّى أن يحبّها الأمير مثلَ تلك الأميرة.
على كلّ حال، يجب أن أذهب إلى أُمّي وأُزيلَ سوءَ الفهم حول رغبتي في أنّ أكون إمبراطورة.
وبعد ذلك، عليّ أن أُزيلَ وسمَ العبوديّة عن ريغيل وأُرسلهُ إلى القصرِ الإمبراطوري، أو ربما يكون من الأفضل تحريرهُ ليقرر ما سيفعلُ بنفسهِ.
وبمجرّد أن استقرّت أفكاري، نهضت مُباشرةً.
كان من المهم إيقافُ خطةِ أُمّي قبل أن تتقدّم أكثر.
لكن…
‘هل تعتقد أُمّي حقًّا أن ريغيل سيُصبحُ إمبراطورًا؟’
أُمّي، رغم أنّها أحيانًا تقوم بتصرّفاتٍ يصعب
مجاراتُها، إلا أنها كانت بالتأكيد امرأةً ذكيّةً.
حين كُنتُ أتلقّى تعليمًا عن التاريخِ الإمبراطوري، كانت تقول دائمًا إنّه لم يحدث أن أصبح أبنٌ غيرُ شرعيٍّ إمبراطورًا.
ولكن، كيف يُمكن ان يصبحَ ريغيل
إمبراطورًا وهو طفلٌ غيرُ شرعيٍّ؟
يبدو الأمرُ مستحيلًا تقريبًا، أليس كذلك؟
في القصرِ الإمبراطوري كان هناك وريثٌ شرعيٌّ بوضوح.
وفكّرةُ أن يصبحَ هناك وريثٌ غير شرعيٍّ، لم يكن العالمُ يعرفُ بوجودهِ أصلًا، إمبراطورًا، كانت بالفعل فكّرةً غير منطقيّةٍ.
لذلك راودني شعورٌ مفاجئٌ بأنّ أُمّي
لن تكتفيَ بجلبِ ريغيل فقط.
لكن، لم تكن أُمّي موجودةً في القصر.
لا في مكتبها، ولا في غرفةِ الطعام، ولا في
المكتبة، ولا حتى في غرفةِ النوم.
أين ذهبت هذه المرة؟ هل ستغيب لعدّة
أيام؟ وبينما كنت أفكّر في هذا…
“آنستي.”
ناداني الخادمُ الذي كان يتجولُ في الممرات مسرعًا.
استدرتُ نحوهُ مُتسائلةً عمّا يُريده، فتقدّم إليّ بهدوءٍ.
“هناك زائرٌ بانتظاركِ.”
زائرٌ؟
عقدتُ حاجبيّ بحيرةٍ.
في العادة، إن جاء زائرٌ فسيتم إخبارُ أُمّي أو أبي أولًا.
وإن لم يكن كذلك، يتم إعادتهُ.
“هل الزائر جاء لرؤيتي؟”
“نعم، لقد جاء الزائرُ خصيصًا لمُقابلتكِ يا آنستي.”
حقًا؟
فتحت عينيّ بدهشةٍ عند سماع ذلك.
في حين قد ابتسم الخادمُ بهدوءٍ بعدما لاحظ ردّةَ فعلي.
“لا تقلقي، إنّهُ شخصٌ تعرفينهُ جيدًا.”
لم أكن قلقةً بسبب عدم معرفتي للزائرِ، بل كنتُ قلقةً لأنّ الزائر الذي يجبُ أنّ يذهبَ إلى أُمّي أو أبي قد جاء إليّ.
في تلك اللحظة، هززتُ رأسي ببطءٍ قائلةً:
“سأذهبُ.”
حينها بدأت بالسيرِ بتثاقلٍ نحو غُرفةِ الاستقبال.
***
“أهلًا بكِ.”
وفور أن فتحتُ الباب، سمعتُ صوتًا مُرحبًا بهِ إليَّ.
نهضَ رجلٌ وسيمٌ ذو شعرٍ أسودَ طويلٍ.
كان شخصًا ذو ملامحٍ جذابةٍ يرتدي نظاراتٍ وتظهرُ
عليهِ ملامحُ الجمالِ، حيثُ وقفَ هناك بابتسامةٍ لطيفةٍ وهو يحييني.
“إيركيل؟”
كانَ مُعلَّمي إيركيل توالو بأنتظاري وهو الذي كانَ يدرّسني فنونَ الآدابِ والرياضيات دومًا.
اندفعتُ نحوه بسرعةٍ مُنصدمةً من هذا، فانحنى
إيركيل بأناقةٍ، كما يليقُ بِمُعلِّم الآداب.
“هل نلتِ قسطًا من الراحة؟ أعتذرُ
لزيارتي في الصباحِ الباكر.”
أخرج إيركيل رسالةً من جيبه، ممهورةً بالشمع الأحمر، وتحمل خط والدتي الأنيق وختمَ عائلةِ كارلشت.
نظرت إلى الرسالة بعينين متسعتين ثم رفعت رأسي نحوه، فأجابني بابتسامةٍ مُحرجةٍ.
“يبدو أنها لم تُخبركِ بشيء.”
“ماذا؟”
“طلبت مني البارونة أن أكونَ وصيًا عليكِ في هذا
القصرِ لفترةٍ مؤقتةٍ، وأتولى جميعَ الأعمالِ هنا.”
نظرتُ إليهِ بحيرةٍ، وحاولت فهمَ ما يقصدهُ.
‘وصيًا عليّ؟’
بالطبع كانَ إيركيل وصيًا عليّ منذُ صغري.
فهو مُعلِّمي منذُ سنواتٍ طويلة، وكان أيضًا صديقًا وشريكًا قديمًا لوالدتي.
لكن أن يتولى إدارةَ شؤونِ القصر؟ لماذا إيركيل؟
كان الأمرُ محيّرًا، خاصّةً بوجودِ والدتي
التي تديرُ كُلَّ شيءٍ هنا.
لاحظَ إيركيل نظراتي المُتشككةَ، فردَ بهدوءٍ:
“هل يُعقل أنّكِ لم تسمعي بأنّ والدتكِ
ستغادرُ القصرَ لفترةٍ؟”
“…”
أومأتُ برأسي بارتباكٍ، فظهرت على وجهِ
إيركيل ملامحُ الدهشّةِ.
نهضتُ بسرعةٍ من مكاني بعدما لاحظت
ملامح القلق عليه. وقلت له:
“انتظر قليلًا.”
ثم هرعت للخارج.
وعند خروجي، كان الخادم ينتظرني وقد بدا عليهِ القلقُ.
“هل حدثَ شيءٌ ما؟”
“هل تعرفُ أينَ ذهبت والدتي؟”
“هاه؟ أوه، أنّ البارونة…”
ترددَ الخادمُ قليلًا وأخذ يتجنبُ النظرَ إليّ.
حينها ازدادت مخاوفي.
وبعد أن ضغطت عليه ليجيبَ، أجابَ بحذرٍ:
“البارونة قد توجّهت إلى قصرها
الريفي في تشيلانو.”
“تشيلانو…قصرٌ ريفي؟”
اتسعت عيناي بدهشةٍ، فأومأ الخادم برأسهِ بهدوءٍ.
‘تشيلانو؟’
تلك المنطقة تقعُ في الجهة المُقابلةِ مِن أراضينا!
لماذا هي هناك؟
سألتُ الخادم بذهولٍ، فأجابَ بصوتٍ منخفضٍ وحذر:
“كما تعلمين، صحة البارون قد تدهورت مؤخرًا.
وقد رأت البارونة أن الهواءَ في كارلشت ليس جيّدًا، فقرّرت بناءَ قصرٍ ريفيٍّ في تشيلانو. هناك، تعتزم معالجةَ البارون وإدارةَ شؤونِ الأسرة. كما لقد بدأت بنقل الأعمالِ إلى هناك منذ شهرين…ألم تعلمي بذلك؟”
“نعم…أمي لا تُخبرني مُطلَقًا بأيِّ شيءٍ يتعلَّق بالعمل.”
“أتفهم ذلك.”
شعرتُ بالارتباكِ إزاءَ هذا الردِّ الهادئ.
‘تتفهم ذلك…هذا ليسَ وقتًا مُناسبًا للإيماءِ برأسكَ بهدوءٍ هكذا فقط! لقد ألقت أمي للتوِّ قنبلةً بخصوصِ الابنِ غيرِ الشرعيِّ لجلالةِ الإمبراطور، ثم اختفت فجأةً!’
كانت أمي تتنقَّلُ كثيرًا هنا وهناك لعلاجِ مرضِ أبي.
فاعتدتُ أن أعتقد أنَّهُ إذا غابت
أمي، فإنَّها ستعودُ قريبًا…
وهذا ما فكّرتُ فيه هذه المرَّة أيضًا.
لكن عندما اكتشفتُ أنَّ مُعلَّمي إيركيل قد أُعدَّ
مُسبقًا للوصاية عليّ هنا، بدأتُ أشعرُ بالشَّكِّ في طول المدة التي سوف تغيبُ فيها.
“لماذا الآن بالذات…؟”
يبدو أنَّ ارتباكي كان ظاهرًا على وجهي، فأضافَ
الخادمُ قائلًا:
“لقد تركت لكِ البارونة رسالةً في مكتبِها.”
استدرتُ على الفورِ ودخلتُ المكتبَ من جديدٍ لأبحثَ في الأدراج، وبالفعلِ وجدتُ الرسالةَ كما قالَ الخادم.
「مرحبًا، إليانا. لقد وجدتِ رسالةَ أمكِ، إليس كذلك؟
رائع! سأصفقُ لكِ!
ابنتي دائمًا ذكيةٌ، مثل أمِّها.
أنا وأبوكِ في طريقنا إلى تشيلانو، حيث يوجد هناك شخصٌ منعزلٌ قادرٌ على علاجِ مرضِ والدكِ.
هذا الشخصُ لا يتركُ مكانهُ أبدًا، لذا نحن
في طريقنا إليهِ مع والدكِ.
سنعودُ بعد العلاجِ، لكن يبدو أنَّ الأمرَ سيستغرق وقتًا هذه المرَّة. ربما نصف عام؟」
“نصفُ عامٍ…؟”
شعرتُ بالدَّهشةِ تغمرني، فلم أستطع
أن أُكمل حديثي حتى.
كيف تُغادرين المكانَ لمُدَّة تصل إلى نصفِ عامٍ دونَ إخباري مُسبقًا حتى؟
ولماذا هذا الشخص هو الذي سيعالجُ أبي؟ كيف وجدتهُ أمي أصلًا؟
نظرتُ إلى الرسالة بذهولٍ وأعدتُ قراءتها.
「أعتقدُ أنَّ ابنتي الآن غاضبةٌ مني.
كيف أغادرُ دون أن أقول شيئًا، وخصوصًا بعد أنّ أحضرتُ لكِ ذلك الطفل؟
لكن، من أجل أن أجعلكِ الإمبراطورةَ التي كنتِ تحلمينَ بها منذُ صغركِ، كان عليَّ أن أتَّخذَ هذا القرار.」
لكن تلك الطفلةَ التي كانت تحلمُ بذلك لم تعد موجودةً!
أنا الآن في العاشرةِ من عمري! لقد كبرتُ يا أمي!
「أستطيع أن أتخيَّل مدى ارتباككِ وأنتِ تقرئين هذه الرسالة.
ولهذا، يا إليانا، أعددتُ لكِ شيئًا خاصًا.
افتحي الدرجَ الثالثَ في المكتب، ستجدين هناك كتابًا أعددتُه لكِ.
هذا الكتاب سيقودكِ إلى الطريقِ الصحيح.
إذًا، عزيزتي، عيشي حياتكِ جيدًا، وإذا احتجتِ إلى شيءٍ، لا تترددي في الطلب مني.
آه، ونسيتُ أن أخبركِ أنَّ إيركيل سيبقى في القصر لبعض الوقت ليساعدكِ.
أما الأمورُ الكبيرةُ الخاصةُ بالعائلة، فقد نُقِلَت إلى تشيلانو، لذا لا تقلقي بشأنِ العمل.
وأخيرًا، يا إليانا العزيزة، آملُ أنّ تصبحي أكثرَ قُربًا مِن كلوديل خلال غيابي. أُحبُّكِ حقًا يا ابنتي.」
هل يكفي أن تختمَ رسالتَها بمشاعرِ
حُبٍّ دافئةٍ كهذه في النهاية؟
تنهدتُ وأنا أضعُ الرسالة جانبًا.
‘لكن، ماذا عن الكتاب؟’
حينها انحنيتُ وفتحتُ الدُّرج.
وكما قالت أمي، كان هناك كتابٌ بانتظاري.
إنه الكتابُ الذي كانت أمي تكتبُ فيه
أحيانًا حينما كانت تجلس بجانبي.
قلَّبتُ الغلافَ الفارغ، وظهرت في الصفحةِ
الأولى عبارةٌ في منتصفها:
「إلى ابنتي العزيزة، إليانا.」
حدَّقتُ في الجملةِ بصمتٍ، ثم قلَّبتُ الصفحةَ ببطء.
حيثُ نظرت إلى خطُّ أمي الأنيقُ الذي بدأ الحديثَ
في الكتابِ بتحيَّةٍ موجَّهةٍ إليَّ.
「مَرحبًا إليانا، أمكِ شخصٌ ليسَ مِن هذا العالمِ.」
__تَرْجم بِكلِّ حُبٍّ مِنْ قَبْلِ كَارِيبِي
التعليقات لهذا الفصل " 3"