اصطفّت على أحد جانبي الشارع مبانٍ بارتفاع ثلاثة طوابق، بينما امتدت على الجانب الآخر بحيرة شديدة السواد كأنها نهر عظيم وفوق مياهها، كانت تطفو بضع قوارب صغيرة يستمتع أصحابها بنسيم الليل، تتأرجح بهدوء وهي تحمل قناديل ضئيلة الضياء.
كان الشارع يغص بالفوانيس الحمراء المتدلية من حبال طويلة ممتدة في الهواء، وكأنها تطرز سماء الليلوأما المصابيح المعلقة تحت الأفاريز، فكانت تنضح بنور أصفر فاقع يضيء الدرب، وينعكس ضياؤها فوق سطح البحيرة متموجاً، مما يمنح المرء شعوراً واهماً بأنه قد انتقل إلى عالم آخر.
وعند مدخل شارع المتاجر، انتصب جناح الليل الابيض ضخم، يقف أمامه رجلان ضخما البنية يحرسانه بيقظة تامة كانا يرتديان ثياباً سوداء ويتقلدان السيوف عند خصورهم، ويفيض مظهرهما بهيبة طاغية لقد كانا حراس التفتيش في السوق السوداء.
في مكان كهذا، لا بد أن يظهر من يثير الشغب، لذا كان من المتوقع أن يكون هؤلاء الحراس خبراء قادرين على التعامل مع أي طارئ فور حدوثه.
وعندما اقترب إي هيون، رفع أحد الحراس يده بصمت قاطعاً عليه الطريق.
“لا يسمح بالدخول من هنا دون بطاقة دعوة.”
أخرج إي هيون بصمت بطاقة دعوة مغلفة بجلد أسود من جيبه وسلمها له.
“الذي بجانبي هو حارسي الشخصي.”
ألقى الحارس نظرة خاطفة على الاثنين بعد سماع كلمات إي هيون، ثم أعاد البطاقة بصمت.
“تفضلوا بالدخول.”
بمجرد صدور إذن الدخول، خطا إي هيون مع يو جان داخل جناح الليل الابيض
كان شارع السوق السوداء يضج بالمارة، ويبدو مفعماً بالحيوية بشكل غير متوقع.
كان اي هيون يظن أن المكان سيكون هادئاً بما أن الدخول يتطلب دعوة، لكن الواقع خالف توقعه.
لعل هناك الكثيرين ممن قدموا من خارج بكين، فالسوق السوداء في بكين تشتهر بتوفر بضائع نادرة، كما أنها منظمة جيداً لدرجة أن حتى من هم ليسوا من عالم القوى الظلامية يترددون عليها دون قلق كبير.
“بمناسبة الحديث، ومع أن الوقت قد تأخر قليلاً لسؤالك، لكن لماذا لم تحضر ذلك الحارس معك اليوم؟”
“أتقصد بايك ريم ؟”
“نعم.”
بالطبع، رغم أن بايك ريم كان لطيفاً معه كضيف، إلا أنه لم يكن من السهل اصطحابه إلى كل مكان بمجرد رغبة بسيطة.
ففي النهاية، هو مضطر لرفع تقرير وافٍ عن تحركات إي هيون إذا طلب منه بانغ سوول ذلك.
“بايك ريم هو حارس عائلة بانغ، وليس حارسي الشخصي.”
“هذا منطقي، ولهذا السبب استأجرتني أنا على أي حال، إلى أين نتوجه الآن؟ إذا أخبرتني بوجهتك، سأتمكن من إرشادك بشكل أسرع.”
“هل تعرف نباتاً يدعى عشب الجرس الذهبي ؟ إنه نبات للزينة.”
عشب الجرس الذهبي هو ذلك النبات الذي، إذا تم تناوله مع حبة تخليص الأرواح من آلاف السموم ، يمكنه تحييد سم ساهونرو فكر يو جان قليلاً ثم تمتم بصوت بدا فيه الاعتذار
“لم أسمع باسم زهرة كهذه من قبل… معذرة، يبدو أنني لن أكون مفيداً في هذا الأمر.”
“لا بأس، ليس غريباً ألا تعرفها.”
لم تظهر نبرة خيبة الأمل في صوت إي هيون فعشب الجرس الذهبي في هذا الوقت لم يكن يُباع إلا كزهرة زينة مستوردة من الخارج، لذا كان من الصعب حتى على شخص مطلع على معلومات الموريم مثل يو جان أن يعرفها.
خاصة وأن تداولها في السوق السوداء لم يبدأ منذ زمن طويل.
“كما يوحي اسمها، لها زهور تشبه الأجراس الذهبية، لذا لن يكون من الصعب العثور عليها.”
“فهمت، إذاً فلنبحث في المحلات التي تبيع الزهور والنباتات.”
بدأ الاثنان البحث على الفور.
ظنا أن الشكل المميز لـزهور الجرس الذهبي سيسهل العثور عليها، لكن وعلى عكس المتوقع، واجها صعوبة بالغة طافا عدة مرات على منصات البيع والمتاجر المليئة بالزهور الزاهية، لكن لم يظهر أثر لتلك الأجراس الذهبية في أي مكان.
“يا إلهي، لقد غفلت عن أمر بديهي جداً. إذا لم يكن هذا موسم إزهارها، فقد لا تكون الزهور قد تفتحت بعد.”
“لقد سألت باسم عشب الجرس الذهبي، ولكن يبدو أنه لا يوجد بائع زهور يعرف هذا الاسم أيضاً.”
ربما في هذه الفترة لم يكن اسم عشب الجرس الذهبي قد استقر بعد، فهو نبات لم يمر وقت طويل على استيراده من الخارج.
“بالفعل إذاً، فلنسأل مع وصف شكل الزهرة.”
“هذا أفضل.”
مرت نصف ساعة تقريباً وفي النهاية، دخل اي هيون و يو تشان إلى مقهى دون تحقيق أي نتيجة استلقى إي هيون فوق الطاولة التي تتوسطها زهرية، وعلى وجهه علامات الإرهاق الشديد.
‘هذا غريب.’
استرجع إي هيون أحداث روايته، حامي حرب عائلة بانغ في القصة الأصلية، حصلت الشخصية الجانبية دانغ سا هيون على عشب الجرس الذهبي في مثل هذا الوقت تقريباً ولهذا السبب، اعتقد أنه سيتمكن من الحصول عليها دون عناء.
‘هل يمكن أن يكون عشب الجرس الذهبي غير موجود في هذا العالم، على خلاف ما كتبته في الرواية؟’
إذا لم يكن عشب الجرس الذهبي موجوداً، فلن يتمكن اي هيون أبداً من البقاء حياً بعد شرب سم ساهونرو
‘لو كان لدي متسع من الوقت لكان الأمر مختلفاً، لكن الوقت المتبقي هو مجرد…’
وبعيداً عن كونه قد تفاخر أمام مانغ ريانغ، فإن خسارة هذا الرهان لا تعني الموت فحسب، بل تعني تلاشي روحه تماماً.
وعندما فكر في ذلك، شعر وكأن الدنيا قد أظلمت في عينيه لم يتخيل أبداً أنه سيتعثر في مكان كهذا.
سأل يو جان بحذر وهو يراقب تعابير إي هيون
“هل هو غرض مهم جداً؟ وهل يجب العثور عليه الليلة حتماً؟”
“… نعم.”
لأن السوق السوداء لن تفتح مرة أخرى قبل الموعد الذي حدده مع مانغ ريانغ.
“إذاً يجب أن نجده بأي ثمن من المبكر جداً الاستسلام ألا يوجد أي شيء آخر تتذكره عن ذلك النبات المسمى عشب الجرس الذهبي؟”
“…”
عند تلك الكلمات، حاول إي هيون جاهداً تذكر مزيد من المعلومات من الرواية.
‘على ما يبدو، لم يسبق لي أن وصفت الأمر بدقة أكثر من هذا.’
فكر في الأمر؛ في أي رواية، عندما يقوم صديق البطل بتطوير ترياق جديد وتسليمه للبطل، فإنه نادراً ما يفيض الكاتب في ذكر التفاصيل الدقيقة لمكونات ذلك الترياق، إلا إذا كانت مواد نادرة تطلبت مغامرة من البطل لجمعها بنفسه.
عادةً ما يكتفي الكاتب بسرد أسماء بعض المكونات ثم ينهي الأمر بقوله إنها خُلطت لتكوين الدواء.
في رواية حامي حرب عائلة بانغ أيضاً، تم الاكتفاء بالشرح بأن خلط عشب الجرس الذهبي الذي حصل عليه دانغ سا هيون من السوق السوداء مع حبة تخليص الارواح من الألف السموم قد أنتج دواءً أرقى يسمى حبة هدم السموم المطلقة واستخدم البطل بانغ سوول ذلك الترياق في موقف حرج بعد استلامه من دانغ سا هيون.
‘… لحظة.’
رفع إي هيون رأسه فجأة بعد أن كان يشد شعره من الإحباط.
‘بالمناسبة، لماذا فكر دانغ سا هيون في خلط عشب الجرس الذهبي مع حبة تخليص الارواح من الألف السموم من الأساس؟’
فكر إي هيون بأنه إذا تتبع طريقة تفكير دانغ سا هيون كإنسان حي وليس ككاتب، فقد يكتشف شيئاً ما وضع يده تحت ذقنه وبدأ ينقر على الطاولة غارقاً في أفكاره.
‘حبة تخليص السموم من الألف السموم ليس دواءً يسهل الحصول عليه.’
كما فعل اي هيون، لا بد أن دانغ سا هيون احتاج إلى إذن من رئيس مجلس الشيوخ للحصول عليها ودانغ سا هيون كان شخصاً عقلانياً للغاية، ولم يكن ليخاطر بهدر دواء ثمين بخلطه مع عشب مجهول دون أي أساس أو دليل.
علاوة على ذلك، كان دانغ سا هيون مهتماً بالأعشاب الطبية أو السامة، لكنه لم يكن يهتم كثيراً بزهور الزينة فلماذا اشترى عشب الجرس الذهبي، وهو نبات زينة، من السوق السوداء؟
‘ربما اشتراه كهدية لبانغ سوول الذي يهوى الزهور، ولكن…’
لو كان الأمر كذلك، لما قام دانغ سا هيون بإجراء تجارب على هدية مخصصة لصديقه العزيز.
‘لا بد أنه وجد شيئاً ما في السوق السوداء جعله يعتقد بضرورة خلطه مع الترياق.’
خفق قلب إي هيون بقوة.
‘إذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني…’
بلا شك، أظهر عشب الجرس الذهبي رد فعل خاصاً تجاه نوع من السموم.
‘وبما أنه تحقق من هذا التفاعل بنفسه في السوق السوداء، فقد اشتراه.’
الاحتمال الأكبر هو أن دانغ سا هيون قد تحقق من الأمر عن قصد وليس بمحض الصدفة.
وبالنظر إلى شخصيته المخططة، كان هذا هو المسار الطبيعي.
وبما أنه صنع حبة هدم السموم المطلقة أثناء وجوده في بكين، فهذا يعني أنه أحضر حبة تخليص من الألف السموم معه من سيتشوان فلماذا تكبد عناء إخراج ذلك الدواء وإحضاره إلى بكين؟ ألم يكن يبحث منذ البداية عن شيء يرفع كفاءة ذلك الدواء إلى مستوى أعلى؟
‘إذاً…’
مد إي هيون يده في الهواء فوق الطاولة وبعد لحظات، اصطبغ طرف سبابته بلون حبري باهت للغاية.
لمعت عينا يو جان وهو يراقب ذلك المشهد بذهول.
كان إي هيون قد سحب للتو طاقة سامة من نواة السم عبر مسارات دمه وصولاً إلى إصبعه ولأنه قد يكون أمراً خطيراً، فقد أبقاها بتركيز خفيف جداً.
بالفعل، بعد أن بلغ إي هيون ذروة أسلوب المبادئ الثلاث ودخل بدايات أسلوب العناصر الخمسة، كان قد أجرى تجربة بسيطة ليرى إن كان بإمكانه التحكم في طاقة نواة السم بنفسه.
وبما أنه قد استوعب الآن بجسده كيفية التعامل مع الطاقة الداخلية، فقد بدا له أن تغليف السم بالطاقة الداخلية وجذبه إلى أطراف أصابعه أمر ممكن تماماً.
خاصةً إذا استخدم طاقة الخشب وطاقة الماء من أسلوب العناصر الخمسة، فسيكون الأمر أكثر سهولة.
وعندما شرع في التجربة فعلياً، استطاع سحب الطاقة السامة إلى كف يده دون صعوبة كبيرة.
في الحقيقة، لو علم دانغ تاي يول بهذا، لصرخ غاضباً متهماً إياه بأن ادعاءه نسيان الفنون القتالية كان كذبة محضة.
فأن يتمكن شخص بدأ للتو في تعلم أسلوب العناصر الخمسة من الوصول إلى مرتبة تقنية اليد السامة عبر التعلم الذاتي، لهو أمر يصعب تصديقه.
كانت سرعة تعلمه هذه مذهلة لدرجة أنها قد تصيب الآخرين بالذهول لو عرفوا بها—
لكن بالطبع، لم يكن لدى إي هيون وقت للاكتراث بمثل هذه الأمور.
مد إي هيون طرف إصبعه ولامس الزهور الموضوعة في المزهرية فوق الطاولة وكما هو متوقع، لم يحدث أي تغيير فلا يمكن لنبات عادي أن يذبل بمجرد لمسة من طاقة سامة مخففة.
ولكن، إن كان تفكير إي هيون صحيحاً.
‘من المؤكد أن عشب الحرس الذهبي سيظهر رد فعل خاصاً تجاه الطاقة السامة.’
كان لديه سبب وجيه لاختبار طاقة نواة السم في جسده بدلاً من شراء مواد سامة أخرى؛ فقد كان يأمل أن يحصل على معلومات أكثر دقة إذا كان السم نابعاً من جسده هو.
ولأنه لم يرد إهدار طاقة نواة السم الثمينة، جمع إي هيون طاقة مخففة جداً عند طرف إصبعه وبعد الحصول على إذن من صاحب المتجر، بدأ بقطف أوراق من نباتات لم تكن قد أزهرت بعد، واحدة تلو الأخرى، متلمساً إياها بحذر.
وبعد فترة طويلة من البحث، اشتعل بريق في عينيه أخيراً.
‘هذا هو…!’
أخيراً، وعند إحدى منصات البيع الصغيرة التي تعرض النباتات داخل جناح الليل الأبيض، وجد نباتاً يظهر رد فعل مختلفاً تماماً عما قابله حتى الآن.
التعليقات لهذا الفصل " 96"