“قبل بضعة أيام، عندما أخبرتني عن ماضيك يا بايك ريم، شعرت أن هناك شيئاً غريباً.”
“ما هو؟”
“لو كان سيد طائفة بونغ دو الراحل يعزك لدرجة الرغبة في جعلك خليفته، لكان قد تخلى عن فكرة جعلك سيد الطائفة القادم، وحاول بدلاً من ذلك إقناعك بمساعدة بونغ دو جين ودعمه فليس من الضروري أن يكون أقوى شخص في الطائفة هو سيدها بالضرورة كما أن محاولة تغيير الوريث فجأة قد تسبب نزاعات لا داعي لها داخل الطائفة.”
توقف اي هيون عن المشي وخلع قناعه، ثم نظر إلى بايك ريم متابعاً
“وحتى لو طمع في أسرار فنونك القتالية، فلا يوجد سبب يدفعه للضغط عليك بقوة تجعلك تفكر في مغادرة طائفة بونغ دو فلو ذهبت إلى دوجو منافس، لكانت تلك كارثة أكبر بالنسبة له، أليس كذلك؟”
“…….”
“وحتى قصة اليوم، لقد قلت لي قبل أيام إنك ذهبت إلى جنازة سيد طائفة بونغ دو الراحل ولكن تم طردك من أمام الباب لا داعي للكذب عليّ في هذه الحقيقة لكن لو كانت علاقتك بسيد الطائفة مجرد استغلال متبادل منذ البداية، لما كنت قد كلفت نفسك عناء الذهاب إلى جنازته.”
“…….”
“والأهم من ذلك، بطبعك يا بايك ريم ى لا أظنك ستقبل بالبقاء تحت إمرة شخص يحاول سرقة أسرار فنونك القتالية هل كلامي خاطئ؟”
أطلق بايك ريم تنهيدة عميقة وكأنه يخرج أنفاساً كانت محبوسة في صدره، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة يائسة.
“…… هههه حقاً، لا يمكنني مجاراتك يا سيد دانغ الثالث.”
“لقد أنقذت حياتي، وساعدت في إنقاذ حياة سا هيونغ أيضاً لذا، من باب الأدب أن أكشف لك الحقيقة.”
“همم، إذا كنت لا ترغب في التحدث، فلا داعي لإجبار نفسك…….”
“لا، بل أشعر برغبة في الحديث عما حدث في ذلك الوقت بعد طول غياب هل ستستمع إلي؟”
“…… حسناً.”
بحث اي هيون و بايك ريم عن صخرة واسعة وجلسا عليها تاهت نظرات بايك ريم في الفضاء وكأنه يسترجع ذكريات الماضي.
“كان ذلك عندما كنت صغيراً في وضح النهار، اعترض طريقي بعض رجال العصابات وبدأوا في مضايقتي، فاشتبكت معهم كانوا رجالاً بالغين وكثيري العدد، بينما كنت أنا مجرد طفل لم يأكل شيئاً لعدة أيام.”
يبدو أنها قصة طفولته عندما كان بلا مأوى
“ومع ذلك، تمكنت بطريقة ما من طرحهم أرضاً واحداً تلو الآخر، لكن في النهاية، وبسبب الجوع، كنت على وشك أن أُقتل على يد آخر واحد منهم في تلك اللحظة، كان سيد طائفة بونغ دو الراحل هو من أنقذني.”
أي أنه والد بونغ دو جين.
“بمعنى آخر، لقد كان منقذك؟”
“بالضبط.”
“في ذلك الوقت، رآني سيد الطائفة بنظرة جيدة واصطحبني معه إلى طائفة بونغ دو أتذكر سا هيونغ وهو ينظر إليّ بذهول ويقدم لي كعكة القمر رغم أنني كنت أبدو كالمتسول.”
’من أنت؟‘
’أنا…… بايك ريم.‘
’هل أنت من متسولي طائفة المتسولين؟ يبدو أنك جائع جداً، تناول هذا على الأقل.‘
“وهكذا، عشت في طائفة بونغ دو لفترة من الوقت وبما أنني كنت أمتلك فنوناً قتالية أتقنتها بالفعل، لم أتعلم الفنون القتالية من سيد الطائفه لكن بونغ دو جين أراد مني أن أناديه بلقب سا هيونغ ، ففعلت ذلك.”
’أليست علاقة الإخوة في الطائفة تُعقد عندما يتعلم الاثنان من نفس المعلم؟‘
’نحن نعيش في نفس الدوجو ونأكل من نفس القدر، فمن الطبيعي أن تناديني سا هيونغ الجميع ينادونني هكذا، فإلى متى ستظل تناديني يا سيدي الصغير؟‘
“هذا غير متوقع يبدو أنه كانت هناك أيام كنتم فيها مقربين.”
“هاها، حسناً، كنا صغاراً حينها كنا نجمع أوراق الشجر الجافة ونشوي البطاطا الحلوة مع ساهيونغ وبقية التلاميذ حتى أننا سرقنا رشفة من نبيذ سيد الطائفة الذي كان يخفيه، وتعرضنا للتوبيخ بشدة عندما اكتشف أمرنا وفي الصيف، كنا نركض إلى النهر بعد التدريب للاستحمام أو لصيد السمك ونبلل ملابسنا تماماً وكان ساهيونغ دائماً أول من يقفز في الماء.”
’فهمت.‘
بسماع هذه القصة، أدرك إي هيون السبب الذي جعل بايك ريم يبقي بونغ دو جين على قيد الحياة رغم محاولة الأخير قتله كانت هناك ذكريات تجمع بينهما لكن العلاقات البشرية تتغير بطبيعتها عندما يتنافس الطرفان على فريسة واحدة، حتى لو لم تكن لدى بايك ريم هذه النية، فإن بونغ دو جين بدأ يشعر بالخطر من وجود بايك ريم نفسه.
لم يتحدث بايك ريم عن التفاصيل التي أدت إلى تدهور علاقته بـبونغ دو جين.
“وهكذا، تأقلمت وعشت جيداً في طائفة بونغ دو كنت أعلم أنني سأغادر يوماً ما، لكنني أردت رد الجميل للطائفة قدر الإمكان حتى ذلك الحين فالسيد و ساهيونغ والتلاميذ جميعاً كانوا يعاملونني بلطف شديد …… حتى جاء ذلك اليوم.”
’من هنا تبدأ القصة الحقيقية التي لا يعرفها بونغ دو جين.‘
وكأن تعبير بايك ريم يؤكد شكوك إي هيون، فقد أصبح وجهه كئيباً قليلاً.
“أقيمت في هابوك مسابقة للفنون القتالية للناشئين وشاركت طائفة بونغ دو بتمثيلي أنا و ساهيونغ وبعض الأشخاص الآخرين ولكن في ذلك الوقت…….”
توقف بايك ريم عن الكلام للحظة وكأنه يتردد في نطق الكلمات التالية ثم أطلق تنهيدة خفيفة وفتح فمه، وكانت نبرة صوته مشبعة بمرارة شديدة.
“أمرني سيد الطائفة الراحل، إذا كنت أريد رد جميل تربيته لي، أن أقطع ذراع وريث الدوجو المنافس.”
اتسعت عينا إي هيون بصدمة
“…… هذا.”
“بالطبع، رفضت القيام بذلك، وقلت إنني لا أستطيع فعل شيء كهذا وحينها…….”
أغمض بايك ريم عينيه وكأنه يتذكر ذلك الموقف.
’…… أنا آسف مهما كان هذا طلبك يا سيد الطائفة، فلا يمكنني أبداً القيام بهذا…… آغ!‘
مع الكلمات التي أخرجها بايك ريم بصعوبة وهو يطأطئ رأسه، انبعثت هالة حادة كالإبر وخزت جلده.
كانت تلك الهالة صادرة من سيد الطائفة نفسه.
تعبير وجه سيد طائفة بونغ دو الذي كان يتسم بالود، تحول فجأة ليصبح بارداً كالثلج، خالياً من أي ذرة دفء، وكأنه شخص آخر تماماً.
’…… لا تستطيع؟‘
كانت البرودة الكامنة في تلك الكلمة الواحدة تبدو وكأنها تتغلغل في عظام بايك ريم
’…… سيد الطائفة؟‘
’أهذا حقاً جوابك؟ أتجازي من آواك وأنت بلا أهل واعتنى بك كابنه الحقيقي بهذا الرد فحسب؟!‘
’أنا آسف، كح……؟!‘
في لحظة، اقتربت يد سيد طائفة بونغ دو وأمسكت بعنق بايك ريم بقسوة شعر بألم يعتصر أنفاسه، وبدأت رؤيته تتشوش.
’سيد الطائفة……!‘
مهما بلغت موهبة بايك ريم، فقد كان حينها صغيراً جداً، ولم يكن ليقارن بـسيد طائفة بونغ دو الذي كدّس الطاقة الداخلية لسنوات تفوق عمر بايك ريم بأضعاف لكن ما جعل بايك ريم يشعر بالارتباك أكثر من فارق القوة كان شيئاً آخر.
كانت طاقة غريبة ومشؤومة تنبعث من جسد سيد الطائفة، لم يشعر بمثلها من قبل.
“بالنظر إلى الماضي، أعتقد أن سيد الطائفة الراحل قد بدأ حينها في ممارسة الفنون الشيطانية.”
“فنون شيطانية؟!”
أومأ بايك ريم برأسه بتعبير مرير
“ذلك الرجل الذي كان يتسم بالود، أصبح منذ تلك الفترة يثور غضباً لأتفه الأسباب، وتغيرت هالة طاقته تماماً هو مجرد تخمين مني، لكنني لا أجد سبباً آخر يفسر تغير شخص بمثل تلك السرعة.”
من يمارس الفنون الشيطانية تزداد احتمالية سقوطه في انحراف الطاقة وأعراض هذا الانحراف تتنوع، فمنها ما يجعل الشخص عنيفاً بشكل مفاجئ، ومنها ما يؤدي إلى التواء مسارات الطاقة في الجسد بالكامل وبالطبع، فإن أعراض الجسد والروح مرتبطة ببعضها البعض.
“ومنذ ذلك الحين، بدأ سيد الطائفة الراحل يضغط عليّ بشكل علني.”
’لقد انتهت المسابقة، ولا حيلة لنا في ذلك الآن لكن الفرصة لم تضع بعد إذا أردت البقاء في طائفة بونغ دو، فعليك بمبارزة وريث طائفة سو يونغ، واغتنم الفرصة لجعله عاجزاً عن ممارسة الفنون القتالية للأبد.‘
’لقد أخبرتك بالفعل أنني لا أستطيع فعل ذلك.‘
’إذا كنت ترفض، فسلمني أسرار فنونك القتالية إذن!‘
’فنوني القتالية هي فنون عائلية عادية! حتى لو حصلت عليها، فلن تجد فيها شيئاً مميزاً……‘
’أتحاول خداعي؟ أنا لا أتحدث عن الحركات التي تستخدمها عادة، بل عن تلك الحركة التي استخدمتها في ذلك اليوم للإطاحة برجال العصابات بضربة واحدة!‘
“لا، هذا غير معقول…….”
لم يستطع إي هيون إكمال كلامه لشدة دهشته، لكن سرعان ما لمعت في ذهنه حقيقة جعلته يرفع صوته
“انتظر إذن مسألة طلب أسرار فنونك القتالية ظهرت لأول مرة في ذلك الوقت؟ لم يكن الأمر أنه استقبلك في البداية مقابل تلك الأسرار.”
“نعم، هذا صحيح.”
“…… كما توقعت لقد كذبت عمداً اليوم حتى لا يستمر بونغ دو جين في تحطيم نفسه، أليس كذلك يا بايك ريم؟”
هز بايك ريم كتفيه وقال بهدوء
“حسناً، أنا الآن أعيش براحة بال تحت حماية عائلة بانغ في هابوك أما ساهيونغ…… فهو يكرهني بالفعل لدرجة لا يمكن معها زيادة هذا الكره لذا، إضافة سوء فهم بسيط لن يغير من الأمر شيئاً.”
“…… قد يكون الأمر كذلك، ولكن.”
لم يستطع إي هيون إكمال جملته، وابتلع المرارة التي كانت تحوم في فمه من في هذا العالم يحب أن يتحمل وزر فعل لم يرتكبه؟ خاصة وأنه هو الضحية في الحقيقة.
“على أي حال، عندما لم أعد أحتمل الأمر، هربت في النهاية من طائفة بونغ دو وكما أخبرتك سابقاً، كنت حينها قد وصلت لسن تمكنني من إعالة نفسي في أي مكان في الواقع، كان يجب أن أغادر في وقت أبكر، لكنني بقيت هناك بحماقة بسبب المودة التي تراكمت مع الوقت.”
“إذن، أنت لم تسمع أبداً بتلك القصة حول تزويجك من ابنته أو توريثك الدوجو؟ يبدو أن بونغ دو جين هو من اختلق هذه الكذبة؛ لأنه لم يستطع الاعتراف بأن والده كان يهددك بتلك الطريقة البشعة أما أنت، فقد آثرت الصمت وتظاهرت بتصديق كذبته تقديراً للذكريات الطيبة التي جمعتكم قديماً.”
“…….”
رد بايك ريم بالصمت تأكيداً لاستنتاج إي هيون.
ظن إي هيون أن القصة انتهت هنا، لكن بايك ريم فتح فمه مجدداً بشكل غير متوقع
“بعد هروبي من طائفة بونغ دو، وبما أنني كنت بحاجة لوسيلة للعيش، تقدمت لاختبار حراس القوافل في إحدى الوكالات.”
“…… وليس لاختبار حراس عائلة بانغ؟”
“في ذلك الوقت لم يكن باب التوظيف قد فتح بعد وصادف أن وقعت عيني على وكالة القوافل تلك ولكن أثناء خضوعي للاختبار…… ظهر سيد الطائفة الراحل هناك.”
اتسعت عينا إي هيون بذهول
“هل يعقل أنه حقق في المكان الذي ذهبت إليه؟”
“نعم يبدو أنه استأجر شخصاً لتعقب أثري وهكذا، سحبني سيد الطائفة من هناك وحبسني في مستودع كنت معصوب العينين فلم أستطع معرفة مكاني وقيد يدي وقدمي بالأغلال والسلاسل.”
“ماذا؟!”
يـ.. يا له من مجنون.
ابتلع لي هيون شتيمة رغماً عنه أمام هذا التطور المتطرف الذي فاق كل توقعاته.
لقد كان الأمر تماماً كما ظن ؛ لم يكن سيد الطائفة الراحل ليقبل أبداً بأن يذهب بايك ريم إلى طائفة أخرى أو ينتمي لغيره.
التعليقات لهذا الفصل " 89"