اقتحم بونغ دو جين المسكن بقوة كانت الغرفة مضاءة بنور خافت من المصابيح الزيتية، وكأن خادماً قد أعدها مسبقاً.
فتح بونغ دو جين إحدى الخزائن بعصبية، وأخذ يفتش بداخلها بحركات خشنة وسرعان ما أخرج شيئاً وألقى به نحو إي هيون.
كان الشيء الأول عبارة عن كتيب مغلف بغطاء أسود، والآخر كان هوية خشبية
’يبدو أن هذا الكتيب هو دعوة السوق الأسود.‘
“أفترض أن هذا يكفي؟ اخرج الآن.”
رد اي هيون وهو يمد يده ويحرك أصابعه آمراً
“عليك أيضاً كتابة عقد تقر فيه بفسخ الخطوبة من غيوم ران، وعدم الاقتراب منها مجدداً جهز أدوات الكتابة، حتى أتمكن من تدوين النص فوراً.”
“…….”
اختلج ما بين حاجبي بونغ دو جين بسبب غطرسة إي هيون، الذي يبدو أصغر منه سناً بكثير وفي اللحظة التي بدأت فيها هالة القتل تتسرب منه، لاحظ نظرة بيك ريم الذي كان يراقبه بصمت.
لقد تم إخضاعه من جانب واحد حتى عندما حاول الهجوم مباغتة، لذا فهو يدرك تماماً -أكثر من أي شخص آخر- أنه لن يتمكن أبداً من هزيمة بيك ريم في مواجهة مباشرة، خاصة وأنه خسر أمامه مرات لا تحصى.
“تشه.”
في النهاية، ابتلع بونغ دو جين غضبه واقترب بصمت من طاولة الكتابة أمسك بقطارة الماء وصبها في المحبرة، ثم بدأ بطحن حجر الحبر بصب جام غضبه فيه.
وضع بونغ دو جين الحبر فوق مسند الحبر بصوت مرتفع، وقال بوجه مرعب
“هل انتهيت الآن؟!”
“همم.”
جلس إي هيون على الطاولة، وغمس الفرشاة في الحبر، وبدأ في تدوين محتوى العقد.
لقد أطال في الجمل لضمان عدم وجود أي ثغرات قد يستغلها بونغ دو جين للقيام بعمل أحمق، ولكن الجوهر كان يتلخص في فسخ الخطوبة فوراً والتعهد بعدم الاقتراب منها ثانية.
في الواقع، لم يرغب اي هيون في التدخل في مثل هذه الأمور الشخصية، وشعر للحظة أنه يتطفل فيما لا يعنيه، لكنه اعتقد أنه لا ضير من الاستعداد لأسوأ الاحتمالات خاصة وأن رغبة غيوم ران في فسخ الخطوبة تبدو حازمة بالفعل.
بعد كتابة نسختين من نفس الوثيقة، قرأ إي هيون ما كتبه بلمحة سريعة ثم وضعهما على الطاولة.
“الآن، قم بالتوقيع على هذا العقد.”
“…….”
اقترب بونغ دو جين بصمت من الطاولة وأمسك بالورقة وبعد أن تفحص بضعة أسطر بعينيه، أطلق ضحكة ساخرة باردة.
“بالنظر إلى هذه الوثيقة فقط، يبدو الأمر وكأنني سأهرع إلى غيوم ران لأفعل بها شيئاً ما.”
“حسناً، أنت الشخص الذي جاء لقتل شخص ما بدافع الغيرة، مخاطراً بإثارة غضب عائلة بانغ في هابوك من يدري ما قد تفعله؟”
“…….”
“لا تكن مضحكاً لست حثالة دنيئة لدرجة أن أفعل شيئاً كهذا بالمرأة التي أحبها.”
أمسك بونغ دو جين بالفرشاة وهو يضغط على أسنانه، ووقع اسمه بخشونة، ثم ألقى بالعقد الموقع نحو إي هيون.
سقطت الورقة ببطء أمام إي هيون.
“هل انتهيت الآن؟ اغربا عن وجهي، كلاكُما.”
بينما كان إي هيون ينحني قليلاً لالتقاط الورقة، كان بيك ريم أسرع منه؛ حيث التقط العقد من الأرض وسلمه له.
أومأ إي هيون برأسه رداً على نظرة بيك ريم التي كانت تستفسر عن رأيه.
“لنذهب.”
“حاضر.”
تركا بونغ دو جين في الغرفة المظلمة، وأغلقا الباب وخرجا وبينما كانا يسيران نحو البوابة الكبيرة، صادفا الخادم الذي استقبلهما في البداية.
كان يحمل صينية عليها طقم شاي وأكواب، فقد كان يحاول إحضار الشاي كما طلب إي هيون.
“أوه، هل أنتما مغادران؟”
“أنا آسف ، انتهى عملنا في وقت أقصر مما توقعنا.”
“أوه، لا بأس أنا من يجب أن يعتذر لتأخري في ضيافتكما.”
قال الخادم ذلك ثم نظر إلى بيك ريم بتردد، وبعد تردد طويل، تمكن أخيراً من متابعة كلامه.
“هذا.. من الواضح أنك لن تعود مجدداً، أليس كذلك؟”
رغم عدم ذكر الاسم، إلا أنه كان يوجه كلامه بوضوح إلى بيك ريم.
“هذا هو…….”
في اللحظة التي كان بيك ريم يحاول فيها الرد بابتسامة تخفي حرجه، أدار رأسه فجأة نحو الخلف.
اتسعت عينا بيك ريم ، وانطلق بجسده بسرعة البرق نحو مسكن بونغ دو جين.
“بيك ريم!”
قبل أن يتمكن اي هيون من التحرك بضع خطوات، فتح بيك ريم باب المسكن بعنف وصرخ
“ماذا تفعل يا سا هيونغ!”
عندما دخل اي هيون خلفه متأخراً، رأى مشهداً مرعباً كان بونغ دو جين يحاول شنق نفسه من السقف باستخدام حبل صنعه من تمزيق رداء طويل.
وكان بيك ريم يمسك بساقيه اللتين كانتا تتخبطان بسبب الاختناق، محاولاً رفعه بكل قوته.
هرع اي هيون والخادم، وهما في حالة من الذعر، للمساعدة في رفع ساقي بونغ دو جين حينها، استل بيك ريم سيفه بسرعة وقطع الحبل بضربة واحدة.
ترنح اي هيون والخادم عندما استقرا فجأة على وزن رجل بالغ وضخم البنية سارع بيك ريم بالإمساك بذراع بونغ دو جين وسحبه جانباً حتى لا يسقط فوقهما.
طاخ!
“كح! كح!”
بينما كان بونغ دو جين يطلق سعالاً متواصلاً، كان بيك ريم ينظر إليه بعينين مخيفتين.
“كح.. كح! كح!”
’هووه.‘
رتب اي هيون أنفاسه المضطربة وهو يمسح على غرة شعره يبدو أنه صدم أكثر مما توقع، فقد كان قلبه يخفق بشدة لدرجة أنه شعر بنبضاته عند صدغيه.
’يا له من مجنون.‘
كان يعلم أنه شخص مندفع ، لكنه لم يتخيل أبداً أن اندفاعه سيقوده إلى هذا الاتجاه.
وكأن بيك ريم يترجم ما يجول في خاطر إي هيون، صرخ بغضب
“ما هذا الفعل الأحمق الذي تقوم به!”
“كح.. وما شأنك أنت! حياتي ملكي وأنا حر في التصرف بها، هل ستتدخل حتى في هذا الأمر وتعرقلني؟!”
“أيها الإنسان الناقص…….”
“ماذا؟!”
عندما أمسك بيك ريم بياقه بونغ دو جين ورفعه، عبس دو جين بوجع وأصدر صوتاً مخنوقاً وبينما كان الخادم ينظر إلى المشهد بوجه قلق ومضطرب، وضع إي هيون يده على كتفه وقال بصوت منخفض
“اخرج واسترح لا بد أنك صدمت كثيراً.”
“ولكن.. ولكن…….”
“لا تقلق ، لن نسمح له بشنق نفسه مجدداً حتى لو لم تثق بي، ألا يمكنك الثقة بـابيك ريم؟”
“…….”
تردد الخادم للحظة، ثم أومأ برأسه وغادر الغرفة.
“بالطبع حياتك ملكك يا سا هيونغ ولكن إذا شنقت نفسك فور فسخ الخطوبة، فماذا سيقول الناس عن غيوم ران؟!”
“……!”
“لا يمكنني السماح لك بالموت بهذه الطريقة يا له من فعل مثير للشفقة! ألا تدرك حقاً أنك تحاول فقط تفريغ غضبك من فسخ الخطوبة بطريقة أخرى؟!”
“…….”
أفلت بيك ريم قبضته بقوة فدفع بونغ دو جين الذي سقط أرضاً، وبدا وجهه خالياً من الروح وكأن قواه قد استنزفت.
“لا أعلم ما الذي تسيء فهمه يا سا هيونغ، لكنني لا أنوي تكوين علاقة عاطفية، ولا أنوي تكوين عائلة هذا قراري منذ زمن طويل و غيوم ران كانت تعرف ذلك جيداً عندما جاءت لتعترف لي بمشاعرها هذه المرة.”
“…… هل اعترفت غيوم ران لك بمشاعرها؟”
“آه.”
“…… كما توقعت إذن.”
ساد الصمت في الغرفة للحظة ثم قال بايك ريم بصوت يشوبه الحرج
“ألم تكن تعلم؟ لقد قلت لي سابقاً إن غيوم ران تكنّ لي المشاعر، فظننت أنك تقول ذلك وأنت على علم بكل شيء.”
“…… كنت أعرف منذ فترة طويلة أن غيوم ران تميل إليك، وبما أنها أعلنت فسخ خطوبتها مني، فقد خمنت بطبيعة الحال أنها ستكشف عن مشاعرها لك.”
“فهمت على أي حال، أقسم بالسماء أنني رفضتها بشكل قاطع ومع ذلك، ورغم أن غيوم ران تعرضت للرفض مني، إلا أنها لم تحاول الانتقام من أحد، ولم تحاول إنهاء حياتها لقد غادرت وهي تبتسم أمامي، فهل تظن أن قلبها كان مرتاحاً؟ التعرض للرفض من الآخرين أمر مؤلم لأي شخص.”
“…….”
“بالمقارنة مع غيوم ران، فإن سا هيونغ هو…… هاه.”
نظر بيك ريم إلى بونغ دو جين شزراً ثم هز رأسه يأساً حينها صرخ بونغ دو جين كمن ينفجر من شدة الألم
“ماذا تريدني أن أفعل إذن! لا زلت أحب غيون ران كثيراً هل تريدني أن أكرر هذه الأيام التي لن أتمكن فيها من رؤيتها مجدداً إلى الأبد؟!”
وفي غفلة منه، كانت الدموع تفيض من عينيه وتسيل على وجنتيه.
“منذ اللحظة التي أخبرتني فيها بفسخ الخطوبة، وقلبي يحترق ويتفحم حرفياً! هل تطلب مني أن أتحمل هذا الألم باستمرار؟! نعم، لا بد أنكم تظنون أنني لست رجلاً لأنني أبكي لمجرد أن امرأة رفضتني لن تتخيلوا أبداً مدى الألم الذي أشعر به الآن……!”
“إنه ما يسمى بمتلازمة القلب المنكسر.”
فجأة، تداخل صوت هادئ جعل أنظار بيك ريم و بونغ دو جين تتجه نحو مصدره كان المتحدث هو إي هيون.
قال اي هيون وهو يضرب صدره بخفة بقبضته
“الألم الشديد الذي يشبه اعتصار القلب هو العرض الرئيسي قد تجد صعوبة في التنفس أو تشعر بالغثيان لا بد أنك مررت بهذه الأعراض.”
“أنت، كيف تعرف ذلك……”
“الفقدان الشديد يسبب ألماً جسدياً حقيقيًا أنت محارب، ألا تعلم ذلك جيداً؟ تعلم أن عدم القدرة على السيطرة على المشاعر قد يؤدي إلى انحراف الطاقة وفي الحالات القصوى، قد يتوقف القلب وتحدث الوفاة، حتى دون أن تشنق نفسك.”
“……!”
رغم أن مثل هذه الحالات قد لا تكون شائعة، إلا أن هناك حالات وفاة حقيقية مسجلة.
بونغ دو جين، الذي كان يحاول الانتحار قبل قليل، بدت عليه علامات الخوف لمجرد سماعه أنه قد يموت بسبب مرض.
“بالمناسبة يا بيك ريم ، كيف لاحظت أن سيد طائفة بونغ دو كان يحاول شنق نفسه؟”
“لقد انبعثت هالة قوية فجأة ربما حدث ذلك دون وعي منه في اللحظة التي شنق فيها نفسه.”
“أرأيت؟ أنت تقول إنك تتألم لدرجة الرغبة في الموت، لكنك في الحقيقة تريد العيش ربما لو حاولت مجدداً سيحدث الشيء نفسه عندما شعرت أن أنفاسك ستنقطع حقًا قبل قليل، لا بد أنك شعرت بالخوف، أليس كذلك؟”
“…….”
“لكن الحظ قد لا يحالفك في كل مرة كما حدث الآن لذا، توقف عن القيام بهذه التفاهات.”
وبينما كان ينظر إلى بونغ دو جين الذي لا يزال يذرف الدموع، فكر إي هيون بقلب رحيم
’ربما من الأفضل أن أجعله يكدح بشدة لدرجة تمنعه من التفكير في هذه الترهات؟‘
التعليقات لهذا الفصل " 87"