ثبّت الصبي القابع خلف القضبان نظراته في إي هيون بحدة، لكن إي هيون تعمد تجاهله تماماً وأشاح بنظره عنه.
ومع اقتراحه هذا، ساد الهرج والمرج بين الأعضاء في مقاعد المتفرجين.
“أوه، هذا بالتأكيد تطور لم نشهده من قبل قتال بين عضو وعبد.”
“سيكون من الممتع المراهنة على ما إذا كان هذا العبد سيُظهر ذرة أخيرة من الإصرار للنجاة، أم أنه سيواجه نهاية مأساوية سأراهن بقطعة فضية واحدة على هذا العبد.”
“آه، وأنا أيضاً سأراهن على العبد.”
“إذاً سأراهن أنا على هذا السيد الشاب.”
بدأت أصوات المراهنات تتعالى من كل حدب وصوب وأمام هذا الجو الصاخب الذي يزداد حماسة، قطب بانغ سوول حاجبيه وقال بصوت خافت
“أنت تستهتر بهذا الجسد كأنه ليس ملكك، أليس كذلك؟ ماذا تنوي أن تفعل وأنت لا تجيد القتال أصلاً؟”
“لا تقلق ك سأبذل قصارى جهدي كي لا أتعرض للأذى.”
عندما مال الجو العام نحو الرغبة في رؤية نتيجة هذه المراهنة، بدا تشونغ يو وون جو مرتبكاً للحظة قبل أن يومئ برأسه موافقاً.
“هممم، لا مفر من ذلك إذاً.”
كان ينوي التودد لابن زعيم طائفة هاو عبر إقامة مراسم إعدام جريئة منذ اليوم الأول، ولكن بالنظر للأمر، فإن قتل عبد وصل للتو -حتى لو كان طفلاً ضعيفاً كهذا- كان يبدو خسارة نوعاً ما.
وفوق كل شيء، كانت هذه الواقعة غريبة الأطوار، حيث يطلب ضيف بنفسه دخول القفص لمقاتلة عبد، موقفاً مثيراً للاهتمام بالنسبة لـتشونغ يو وون جو نفسه.
تقدم إي هيون نحو القضبان الحديدية
“إذاً، هل نعتبر أن الأمر تم ونبدأ؟”
“نعم، حسناً… آه، لحظة!”
توقف إي هيون عن السير عند سماع اعتراض تشونغ يو وون جو
“ماذا هناك؟”
“أيها السيد الشاب، لقد كنت تحمل سماً بالأمس إذا قمت بإخراجه واستخدامه داخل القفص، فقد يصبح القتال من طرف واحد تماماً ألا يجعل ذلك المراهنة غير عادلة؟”
عادت الهمهمات لتسري بين الأعضاء مرة أخرى عند سماع ذلك.
“بالتأكيد، إذا استخدم السم فستكون النتيجة محتومة.”
“استخدام السم فعل دنيء، أو يمكن اعتباره غشاً.”
حينها، اخترق صوت هادئ تلك الهمهمات.
“استخدام السم في خضم معركة محتدمة ليس بالأمر السهل كما تظنون.”
كان بانغ سوول هو المتحدث تابع كلامه وهو يعقد ذراعيه بلا مبالاة
“استخدام السم يتطلب تدريباً شاقاً للغاية خاصة في خضم تبادل الهجمات، إذ قد ينتهي الأمر بمستخدم السم بتسميم نفسه إذا أخطأ التصرف هل يملك أي منكم هنا الثقة في تسميم خصم يندفع نحوه وهو عازم على قتله؟”
ساد الصمت بين الأعضاء بالتأكيد، لا أحد منهم يملك الجرأة أو الثقة لإخراج سم واستخدامه بهدوء أمام خصم يهاجم بسلاح، فهم لم يتلقوا تدريباً احترافياً على فنون استخدام السموم.
“على أي حال، مرافقي لا يجيد استخدام السموم بالطبع إنه فتى لا يجيد فعل أي شيء على الإطلاق.”
لم يكن من الواضح ما إذا كان يدافع عنه أم ينهال عليه بالشتائم.
خلع إي هيون رداءه الطويل وسلمه للجلاد الواقف بجانب تشونغ يو وون جو
“فتشوه كما يحلو لكم.”
بإيماءة من تشونغ يو وون جو، بدأ الجلاد بتفتيش الرداء بدقة فحص الجيوب وبطانة الأكمام بعناية لكنه لم يجد شيئاً وبعد برهة، هز رأسه نافياً.
“لا يوجد شيء، يا سيدي.”
“هممم.”
حدق تشونغ يو وون جو في إي هيون بنظرة مريبة للحظة، ثم قال بحذر
“هل تمانع إذا قمنا بتفتيش جسدك سريعاً؟”
تصلب وجه إي هيون وبدا عليه الاستياء الشديد.
“هل تعامل ضيفك كمعاملة السجناء من أجل مجرد تسلية عابرة؟”
“كلا، ليس الأمر كذلك ولكن بما أن الأعضاء الآخرين قد بدأوا بالمراهنة، فمن الأفضل أن يكون الأمر واضحاً ونزيهاً للجميع.”
“هه حسناً، كما تشاء فتشوا قدر ما تريدون.”
قام الجلاد بالتربيت على جسد إي هيون فوق ملابسه بدقة في كل مكان، ثم هز رأسه نافياً مرة أخرى ولم يقتنع تشونغ يو وون جو إلا بعد أن فحص حتى المروحة التي كان يحملها إي هيون
“رائع! لا يوجد سم في أي مكان على جسد هذا السيد الشاب يمكنك الدخول ولكن، لست مسؤولاً عما قد يحدث بالداخل هل أنت موافق؟”
“بالطبع.”
دخل إي هيون أخيراً إلى القفص الحديدي.
وبنظرة خاطفة، رأى ذلك الصبي الذي التقاه في السجن يحدق فيه بتعابير مضطربة، لكنه لم يخفِ عداءه بل نظر إليه بتحدٍ.
نقر إي هيون على كفه بمروحته المطوية
“حسناً إذاً ، تقدم وهاجمني من أي جهة تريد.”
صرخ تشونغ يو وون جو
“حسناً، تنتهي المباراة عندما يعجز أحد الطرفين عن الحركة، أو يعلن استسلامه ابدأوا!”
كتشاااااانغ!
“أواااااااااااااخ!”
بمجرد رنين الصنج، اندفع الصبي وهو يصرخ بمرارة فتح إي هيون مروحته بحركة سريعة وكشط بها الأرض، فطار الغبار والتراب نحو وجه الصبي.
” كــ !”
توقف الصبي للحظة عندما دخل التراب في عينيه، فاستغل إي هيون الفرصة لتقليص المسافة بينهما انطلقت صيحات الاستهجان على الفور من الجمهور.
“يا له من فعل دنيء، رش التراب في العينين!”
“هذا تصرف لا يقوم به إلا بلطجية الشوارع!”
‘وكأنكم كنتم تنتظرون رؤية نزال شريف حقاً، يا لكثرة كلامكم.’
لم يكن إي هيون يعرف شيئاً عن فنون الحركة ،لكن بفضل خفة جسد دانغ سا هيون، استطاع الالتفاف خلف ظهر الصبي بسهولة مذهلة، لدرجة أنه هو نفسه اندهش قليلاً.
في تلك اللحظة تحديدًا، استدار الصبي فجأة، وأمسك بياقة إي هيون بكلتا يديه بعنف، محاولًا أن يطرحه أرضًا بقوة.
كخ!
غطّت يدُ إي هيون وجهَ الصبي لم يبدُ أنه استخدم قوة كبيرة، ولم يكن سوى ذلك القدر من الحركة، ومع ذلك تسلّل الوهن دفعة واحدة من يدَي الصبي اللتين كانتا تمسكان بالياقة ثم—
ارتطم!
سقط الصبي أرضًا بلا حراك، واهنًا تمامًا.
أمام هذه النهاية العبثية للغاية للمواجهة، وقف جميع من كانوا يشاهدون عاجزين عن النطق حدّق إي هيون لحظة في الصبي الملقى أرضًا، ثم لوّح بيده بخفة، كأنه ينفض الغبار المتصاعد، وقال بهدوء تام
“يبدو أنني أنا الفائز.”
ارتخت يد بانغ سوول التي كانت تقبض على مقبض خنجره سراً، مستعدة للاستلال في أي لحظة، وانبعثت من صدره تنهيدة خفيفة.
“مهلاً، ألم تقل أنك لا تجيد الفنون القتالية؟! هذا غش وخداع!”
صاح أحد الأعضاء محتجاً، فرد عليه إي هيون بمنتهى البرود وهو يضع يديه خلف ظهره
“أنا لا أجيدها بالفعل أيها السجانين هناك، هل بدت لكم حركاتي كحركات محارب؟”
تبادل السجانون النظرات فيما بينهم، ثم هزوا رؤوسهم نفياً
“لم تبدُ كذلك، ولم يبدُ أنه استخدم تقنيات ضرب نقاط الضغط .”
“أجل، لسوء الحظ، يبدو أن تلك اللحظة التي اندفع فيها هذا العبد نحوي كانت تمثل آخر قطرة من طاقته.”
“يا للخيبة، كيف يمكن أن ينتهي الأمر هكذا…”
“آه، كفاكم لغواً! من خسر في المراهنة فعليه دفع المال فوراً!”
بسبب اشتعال المراهنات المالية بين الأعضاء، لم يجرؤ صاحب تشونغ يو وون على الاعتراض أكثر من ذلك؛ فلو فعل، لأثار غضب الطرف الذي ربح الرهان.
كان هذا هو الهدف الذي خطط له إي هيون منذ البداية حين استدرجهم للمراهنة.
“إذن، سآخذ هذا العبد لألهو به الليلة كما وعدتكم بما أنكم كنتم تنوون التخلص منه كعقوبة على أي حال، فلن يمانع أحد، أليس كذلك؟”
بدا صاحب تشونغ يو وون متكدراً بعض الشيء، فمن الواضح أنه قلق من أن خاتمة اليوم الأول كانت باهتة وأقل إثارة مما تمنى ومع ذلك، وبما أنه قد أعطى وعداً مسبقاً، تنهد باستسلام
“إممم، حسناً ولكن… بما أن الأمور آلت إلى ما هي عليه، أرجو ألا تفرط في القسوة عليه أثناء التعامل معه.”
“سأضع ذلك في اعتباري.”
***
عندما بدأت خيوط الشمس تميل نحو الغروب.
انتهت مراسم تشونغ يو هوي بما شملته من مأدبة عشاء، وتسلّم إي هيون الصبي رسمياً.
وما إن غادر حراس تشونغ يو وون بعد أن نقلوا الصبي إلى غرفتهم، حتى تنفس بايك ريم بارتياح بعمق.
“لا أعلم لمَ تقلق هكذا في أسوأ الأحوال، كنتُ لأستطيع الفرار بجسدي هذا على الأقل.”
“وكأنك يا سيدي الشاب ستفر هارباً بمفردك ولكن، من يكون هذا الصبي؟”
أجاب بانغ سوول وهو يرفع حاجباً وينظر إلى أي هيون بتساؤل
“لا بد أنه أحد المخطوفين هنا ولكن، كيف فعلتها بحق الخالق؟ من المؤكد أن هذا الفتى لم يسقط لأن طاقته نفدت.”
“لقد استخدمتُ مسحوق النوم الذي جهزه لي رب العائلة الأمر بهذه البساطة.”
“ألم تدخل القفص وأنت لا تحمل أي سموم؟”
ابتسم إي هيون ابتسامة عريضة، ثم رفع مروحته التي كان يمسكها خلف ظهره ليراها الاثنان.
تشاااك!
فتح المروحة ببراعة، ثم ضغط بقوة على النواة المستديرة حيث تتجمع أضلاع المروحة في تلك اللحظة، ظهرت ثقوب صغيرة في الجزء العلوي من الأضلاع التي كانت تبدو مصمتة قال بانغ سوول وكأنه أدرك الأمر أخيراً
“فهمت ، إذن هي سلاح مخفي .”
“أووه، كيف صُممت بهذا الشكل المتقن؟”
لم يكن صنع جهاز إغلاق وفتح مثالي كهذا، داخل أضلاع مروحة رقيقة بحيث لا يتسرب المسحوق أو السائل، أمراً يستطيعه أي شخص.
كانت تقنية لا يتقنها إلا كبار الصناع الضالعين في صناعة الأسلحة المخفية، مثل حدادي عشيرة دانغ في سيشوان لذا، لم يكن لأحد أن يتخيل أن سيداً شاباً لا يعرف شيئاً عن الفنون القتالية مثل إي هيون قد يمتلك غرضاً كهذا.
أصلاً، معظم الناس لا يدركون وجود مثل هذه الأسلحة المخفية من الأساس.
“إذن استخدمتَ سم النوم بينما كنت تتظاهر برشق التراب في عينيه؟”
بالضبط وللاحتياط، كنتُ قد وضعتُ بعضاً منه على يدي اليسرى أيضاً.
“قد يبدو تكتيكاً دنيئاً، لكنه كان فعالاً.”
“فعالاً؟ تباً لهذا الهراء.”
“على أية حال، كان مسحوق النوم مجرد خطة بديلة في الواقع، هذا الفتى—”
“أوه، يبدو أن الصبي بدأ يستعيد وعيه.”
كما قال بايك ريم ، بدأت جفون الصبي ترتجف بشنج وما إن فتح عينيه ورأى الثلاثة أمامه، حتى صُبغت عيناه برعب شديد.
“ماذا… ماذا تنوون أن تفعلوا بي؟!”
“لا تقلق، لن نفعل بك شيئاً.”
“لا تقترب مني! إن اقتربت أكثر فسأقتلك!”
وعندما وصل اهتياج الصبي إلى ذروته، تقدم بايك ريم حذراً خطوة واحدة لمحاولة تهدئته
“اسمع، نحن لسنا أشراراً اهدأ قليلاً و—”
لكن كلمات بايك ريم قُطعت بصرخة مدوية ومفجعة
“آاااااااااااااااااااخ!”
بدأ الصبي يتلفت حوله بجنون، ثم التقط صينية كانت بجانبه، وأخذ يضرب بها الأرض بكل قوته مسبباً صوتاً يكاد يحطمها، وهو يصرخ صرخات تمزق الآذان.
بام! بام! بام! بام! بام!
وعندما شرع الصبي في البحث عن أشياء أخرى ليرميها فوق الأرض الخالية، وقف بانغ سوول و بايك ريم مذهولين يراقبان هذا المشهد بصمت.
“ما خطبه؟”
نطق بانغ سوول بهذه الكلمة بذهول، وفجأة، توقفت حركات الصبي تماماً.
وفي وسط ذلك الصمت المطبق بعد كل تلك الضوضاء، قال الصبي بصوت هادئ ورزين، وكأن نوبة الصرع قبل قليل كانت مجرد كذبة
“عذراً… هل يتكرم أحدكم وينصب حاجزاً عازلاً للصوت؟”
التعليقات لهذا الفصل " 68"