عندما أشرقت شمس الصباح في اليوم التالي، وصل الخادم الذي وعد به سيد حديقة تشونغ يو إلى غرف الضيوف ليرشد مجموعة إي هيون
خرج إي هيون من الغرفة واضعاً على وجهه القناع الذي أخذه مسبقاً مع بانغ سوول
تبعا الخادم، فظهرت حديقة أخرى تختلف تماماً عن تلك التي ضمت الجناح بالأمس.
كانت أزهار المشمش الزاهية وأزهار الخوخ في كامل تفتحها بين أغصان الصفصاف المتهدلة التي تتمايل مع النسمات.
تمتمت بانغ سوول الذي كان يسير بجانبه بضحكة خافتة بدأت وكأنها استنكار
“بمناسبة الحديث، يبدو أن اليوم هو مهرجان تشينغ مينغ”.
‘آه، لهذا السبب يقيمون تجمع تشونغ يو اليوم’
كلمة تشونغ يو تعني الاستمتاع بالنزهات النقية والبسيطة، أما تشينغ مينغ فيعني الوقت الذي تصفو فيه السماء تدريجياً.
ألقى اي هيون نظرة سريعة على أشجار الصفصاف والمشمش والخوخ المتناثرة حوله.
لطالما حملت أشجار الصفصاف والخوخ منذ القدم معنى طرد الأرواح الشريرة، بينما ارتبط المشمش بمعانٍ نبيلة تتعلق بـكونفوشيوس والأطباء الذين أنقذوا الفقراء كما تُعد أشجار الصفصاف والمشمش من الرموز المميزة لمهرجان تشينغ مينغ
[ بقول سالفه كونفوشيوس نهاية الفصل ]
ومن ناحية أخرى، فإن اجتماع أزهار المشمش والخوخ مع الصفصاف قد يوحي بالولائم الفاخرة التي كان يقيمها الأباطرة قديماً.
‘بالأمس في السجن، كنت أتحدث فحسب دون تفكير، لكن يبدو أن سيد حديقة تشونغ يو يمتلك جماليات راسخة خاصة به.. رغم كونه شخصاً يختطف الناس ويسخرهم في مثل هذه التجمعات ذات الذوق الرديء’
بعد تجاوز الحديقة، ظهر مبنى مهيب كُتب على لافتته قاعة تشونغ يو من الخارج، لم يبدُ مختلفاً كثيراً عن بقية المباني، وكان هناك أشخاص يسبقون إي هيون في الدخول.
كان كل منهم يحمل في يده ما يشبه بطاقة دعوة، يقوم الحارس الواقف عند المدخل بتدقيقها واحدة تلو الأخرى.
سلم الخادم الذي كان يرشدهما كلاً من إي هيون وبانغ شوول بطاقة دعوة مغلفة بالحرير الفاخر
“مهمتي تنتهي هنا بتقديمكما لهذه البطاقة، يمكنكما دخول المبنى، وكذلك إبرازها لمحاربي الحراسة عند دخول البوابة الرئيسية للحديقة”.
شكر إي هيون الخادم، وقدم الاثنان بطاقتيهما للحارس الذي أعادهما لهما فور التأكد ثم سقطت نظرة الحارس على السيف العظيم الذي كان يحمله بانغ سوول على ظهره
“أعتذر، ولكن يُمنع إدخال الأسلحة يرجى تركها هنا”.
سخر بانغ سوول قائلة
“هل تحاولون تقليد طقوس هاي غوم جي ؟”.
كان هاي غوم جي” البقعة التي يجب على المحاربين تجريد أنفسهم من السلاح عندها قبل عبور بوابة مدرسة وودانغ كنوع من الاحترام لمؤسس المدرسة.
وباستثناء مثل هذه الحالات الخاصة، فإن مطالبة محارب في الموريم بتسليم سلاحه تُعد إهانة بالغة؛ فالمحارب، حتى لو كان من الدرجة الثالثة، يحرص على حمل أفضل سلاح يمكنه الحصول عليه، لأنه يمثل حياته في وقت القتال.
علاوة على ذلك، كان المحاربون الذين يحرسون الحديقة مدججين بالسلاح، فكيف يُطلب من الضيوف البقاء عُزلاً؟ لم تكن هذه الحديقة بقلعة لمدرسة عريقة مثل وودانغ ليثق المرء ويضع سلاحه فيها ببساطة.
وعلى الرغم من أنها لم يطلق طاقته القتالية، إلا أن الحارس ارتبك وتراجع للوراء تحت وطأة نظرات يانغ شوول الحادة،
بصوت يرتجف قليلاً
“لكنها القواعد.. القواعد هي التي تفرض ذلك، أرجو تفهم الأمر!”.
عندما انحنى الحارس معتذراً مراراً، فترت نظرة بانغ سوول الشرسة.
تنهد وهو يدرك أنه مجرد مأمور ينفذ التعليمات، وأن أي تصرف لافت قد يفسد خطتهم.
فكر للحظة وهو ينظر باتجاه نزل الضيوف، مفاضل بين العودة لترك السيف لدى بايك ريم أو تركه لهذا الرجل وفي النهاية، قرر أن تركه هنا سيسهل استعادته لاحقاً، فسلم سيفه العظيم بغمده.
“من الأفضل أن تكون مستعداً للعواقب إذا لم يعد هذا السيف إلى يدي ثانية”.
“نعم، بالطبع.. أوه!”.
كاد يسقط من ثقل السيف الذي استقر فجأة بين يديه تجاوز الاثنان الحارس ودخلا إلى الداخل.
كانت الغرفة تبدو عادية، باستثناء بعض اللوحات المعلقة لأشجار المشمش والخوخ والصفصاف، وفي أحد الأركان، كان هناك ممر مفتوح يؤدي إلى السرداب بدا واضحاً أن المكان صُمم بحيث يمكن إخفاء الممر فوراً في حال وقوع تفتيش مفاجئ.
كانت المصابيح الزيتية المثبتة على الجدران كافية لإنارة الطريق تحت أقدامهم، لكن ذلك لم يطرد الظلمة الموحشة الخاصة بالسراديب.
تساءل إي هيون إن كان هذا الغموض جزءاً من العرض أيضاً.
عندما نزلوا الدرج، ظهرت مساحة واسعة لا يمكن مقارنتها بتلك الغرفة الصغيرة في الأعلى.
‘أي ذوق مريض هذا..’
على الجدران، عُلقت لوحات ضخمة تفيض بأجواء غريبة تتناقض مع فخامة الداخل.
رسمت اللوحات مشهداً غريباً ومرعباً: في جانب منها يظهر التعذيب الوحشي الذي يمارسه حراس الجحيم ضد الناس، وفي الجانب الآخر من نفس اللوحة، يظهر أثرياء يجلسون خلف طاولات مليئة بأفخر أنواع الطعام.
هؤلاء الأشخاص في اللوحة كانوا يشاهدون التعذيب بهدوء شديد، وكأن آلام الآخرين مجرد فاتح للشهية بالنسبة لهم.
وتماماً كما في اللوحة، كانت هناك طاولات مرتبة بشكل مدرج تطل على قفص حديدي ضخم كان العازفون يضبطون أوتار آلاتهم مثل الكمان الصيني و البيبا ، مستعدين للعزف.
بدا واضحاً أنهم يخططون للاستمتاع بالموسيقى والطعام وهم يشاهدون المناظر المروعة التي ستحدث داخل القفص.
شعر إي هيون بالغثيان بمجرد تخيل ما سيحدث.
وبدا أن بانغ سوول شاركه الشعور ذاته، فرغم القناع، كان من الممكن الإحساس بتصلب تعابير وجهها ورغبتها في قلب الطاولات الآن لكن، وبالنظر إلى عدد الحراس والتشكيلات الدفاعية التي تحمي الحديقة، لم يكن التهور خياراً متاحاً.
اقترب خادم منهما وهما يقفان بذهول
“سأرشدكما إلى مكانكما”.
كتم الاثنان ملامح اشمئزازهما وجلسا جنباً إلى جنب في المقاعد الخالية.
“لقد احتشد الكثيرون هنا”.
تمتم بانغ سوول بصوت خافت، وأومأ إي هيون برأسه بهدوء موافقاً على كلامه كانت الطاولات مرتبة على شكل حرف (冂)، تحيط بالجوانب الثلاثة للقفص الحديدي الضخم بشكل مدرج.
وكان هناك العشرات من أعضاء جمعية تشونغ يو يجلسون في أماكنهم، يتهامسون بضجيج يملأ القاعة.
‘هل يعقل أن يوجد هذا العدد الكبير من الأثرياء الذين يمتلكون مثل هذا الذوق المريض؟’
بعد قليل، بدأت الخادمات اللواتي ارتدين ثياباً زاهية بتقديم شاي الحليب الأبيض الناصع كاليشم، ومجموعة من الحلويات الملونة والمنسقة بعناية؛ كان هناك السو ماي المزين على شكل براعم زهور صغيرة، وفواكه مجففة تلمع بطبقة من العسل.
عندما مد إي هيون يده ليلتقط قطعة صغيرة من كعكة القمر، انتزعها منه بانغ سوول بسرعة كانت نظراته تقول بوضوح ,كيف تأمن على نفسك أن تضع طعاماً في فمك في مكان كهذا؟,
أشار إي هيون بأصابعه نحو الطعام ثم نحو حركة فمه، موضحاً أنه كان ينوي التظاهر بالأكل فقط؛ فمن المريب جداً أن يبقيا الوحيدين اللذين لا يلمسان الطعام وسط الجميع.
لا يعلم إي هيون إن كان بانغ سوول قد فهم قصده أم لا، لكن في الأخير عقد ذراعيه وعاد لمراقبة القفص الحديدي باهتمام.
استرق اي هيون النظر إلى المحيطين به وسأل بصوت خافت جداً
“هل تعرف أحداً هنا؟”.
“هاه؟ لا أعرف”.
وهذا منطقي، فالمكان الذي يجلس فيه أعضاء الجمعية كان مظلماً إلى حد ما، والجميع يرتدون الأقنعة.
كان القفص الحديدي الضخم محاطاً بالقضبان من ثلاث جهات، أما الجهة الرابعة فكانت تمثل الجدار الداخلي للمبنى، وبها باب يؤدي مباشرة إلى غرف الانتظار بالداخل.
كانت أرضية القفص مغطاة بالتراب، مما يعطي انطباعاً بخشونة المكان وقسوته، بينما كانت منطقة الجمهور مكسوة بحجر السبج الأسود الفاخر، وكأن تصميم المكان نفسه يهدف للفصل بين طبقة من هم داخل القفص ومن هم خارجه.
سرعان ما ظهر رجل يرتدي زي العلماء أمام القفص؛ إنه سيد حديقة تشونغ يو انحنى للضيوف محيياً إياهم، ثم أشار بيده للموسيقيين، فبدأت الألحان تتدفق في الأرجاء.
“أشكركم جميعاً على حضوركم تجمع تشونغ يو اليوم أرى السيد هناك، هذه هي زيارته العاشرة لنا أنا ممتن حقاً لإحضارك أصدقاءً جدد معك هذه المرة أيضاً”.
نظر إي هيون نحو الاتجاه الذي أشار إليه، فرأى رجلاً يرتدي قناعاً على شكل طائر الكركي يبدو أن بعضهم يجهز أقنعته الخاصة حسب ذوقه.
(أن يحضر عشر مرات.. يبدو أنه يملك مالاً يفيض عن حاجته حقاً).
صرخ سيد الحديقة آمراً
“أدخلوا العبيد!”.
بناءً على أمره، سحب الحراس مجموعة من الرجال من الباب الداخلي للقفص.
كان من بينهم ذلك الفتى الذي رآه إي هيون بالأمس في السجن السفلي لقد وضعه سيد الحديقة في عرض اليوم بناءً على طلب إي هيون
كانت السلاسل الحديدية الباردة تقيد أيدي الرجال، وارتسمت على وجوههم تعابير مختلطة من الغضب المكبوت، القلق، والخوف.
أشار سيد الحديقة إليهم وكأنه يعرض بضاعة ثمينة
“هؤلاء هم الحراس الذين دخلوا حديقتنا بالأمس فقط وبما أنهم حراس قافلة، فهم بالطبع يتقنون الفنون القتالية”.
اتضح أن القافلة التي رآها بالأمس كانت مجرد تمويه؛ حيث هاجموا القافلة الحقيقية وسرقوا ملابسهم، بينما سجنوا الحراس الفعليين داخل العربات.
صرخ أحد الحراس المأسورين بصوت مبحوح
“كيف تجرؤون على اختطاف حراس أثناء مهمتهم؟ لو علم رئيس وكالتنا بهذا، فلن يترككم أحياء!”.
شُق الهواء بصوت سوط حاد، تلاه ضربة قوية على ظهر الرجل
(طاخ!)
“آاااغ!”
“لا تقاطع سيد الحديقة أثناء حديثه”.
طاخ!
هوى الجلاد بسوطه على الأرض مرة أخرى مهدداً، فدوى صوت الضربة في أرجاء القاعة كتحذير أخير.
ورغم ذلك، لم تكسر السلاسل كبرياء المحاربين المأسورين، إذ ظل بعضهم يرمق سيد الحديقة وجلاد بنظرات حادة تفيض بالتحدي
سأل أحد أعضاء الجمعية وهو يشاهد المشهد
“أليس من الممكن لمحاربي فنون قتالية تحطيم هذا القفص؟ يبدو الأمر خطيراً”.
“اطمئن، هذه القضبان مصنوعة من (حديد كون) المستخرج من الجنوب، وهو معدن مستحيل الكسر بالنسبة لهم علاوة على ذلك، فقد تم كبت طاقتهم الداخلية ، ومحاربيَّ مستعدون لقتلهم في أي لحظة لا يمكنهم إلحاق الأذى بكم أبداً”.
“همم، أفهم ذلك”.
“في العادة، يتاح للضيوف في اليوم الأول متعة ترويض هؤلاء المتمردين بأنفسهم ولكن بما أننا كررنا هذا الأسلوب كثيراً، فقد يشعر البعض بالملل لذا، سأغير ترتيب الأحداث اليوم قليلاً”.
“تغيير؟ وما هو؟”
“سنجعل هؤلاء العبيد يتقاتلون فيما بينهم بالدور الفائزون سيحصلون على غرفة جيدة ووجبات لذيذة لمدة أسبوع أما الخاسرون، فسنختار أحدهم بالقرعة و…”
“بالقرعة؟”
“سنقيم له مراسم إعدام! لنرى من سيكون الشخص سيئ الحظ الذي يفتقر للقوة والقدر أيها العبيد، قاتلوا بيأس!”.
فجأة، سرت قشعريرة باردة في ظهر إي هيون عندما التفت، وجد هالة مرعبة ومكبوتة تنبعث من جسد بانغ سوول الجالس بجانبه كانت قبضة يده تضغط على مسند الكرسي بقوة جعلت الخشب يئن ويكاد يتحطم.
أدرك إي هيون أن رفيقه على وشك الانفجار غضباً، فأمسك بكتفه بسرعة وقال محاولاً تهدئته
“سيد سيو! هل أنت بخير؟ تمالك نفسك!”.
تلاشت هالة بانغ سوول العنيفة في لحظة، ونظر إلى إي هيون بوجه تعلوه الدهشة والذهول، وكأنه نسي غضبه للحظة بسبب جملة إي هيون
قال بصوت منخفض لا يسمعه غيره
“ما هذا الهراء الذي تقوله الآن؟”.
• نهـاية الفصل •
[ في الثقافة الصينية القديمة ، يرتبط المشمش بـكونفوشيوس (الفيلسوف الصيني الشهير) بسبب أسطورة منصة المشمش ، يُقال إن كونفوشيوس كان يجلس في مكان محاط بأشجار المشمش ليلقي دروسه على تلاميذه ومنذ ذلك الحين، أصبحت أزهار المشمش رمزاً للتعليم، والمكان الذي يدرس فيه المعلم لطلابه يُطلق عليه أحياناً منصة المشمش و المشمش يرمز إلى المعاني النبيلة لأن كونفوشيوس كان يمثل الحكمة والأخلاق والزهد، وهو ما يتناقض تماماً مع ما يفعله سيد الحديقة الذي يختطف الناس ليعذبهم وسط هذه الرموز الجميلة ]
التعليقات لهذا الفصل " 66"