تلك القوة المالية التي تسمح بإنفاق المال وكأنه ماء، والذوق الرفيع غير التقليدي، وصولاً إلى تلك العقلية التي تربط كل شيء بالتجارة بشكل طبيعي. من الصعب على سليل عائلة عادية أن يستوفي الشرط الثالث تحديداً، ولكن ماذا لو كان من طائفة هاو ؟
إن طائفة هاو ليست فقط كبرى طوائف الصراط الشيطاني، بل هي منظمة تشمل أعمالها كافة المجالات؛ ومن ضمن مشاريعهم غابة كوايهوال ، حيث تُقام الرهانات غير القانونية في خفاء تام.
تلك الرهانات التي ذكر الفتى أنه يستمتع بها بين الخدم، ألا تشير في الحقيقة إلى مراهنات غابة كوايهوال ؟ وربما كان يقصد بكلمة الخدم أولئك العبيد في تلك الغابة.
‘لم أسمع قط أن لزعيم طائفة هاو ابناً مريضاً، لكن احتمال وجود ابن مخفيٍّ يبقى قائماً وبقوة فلو كان ابناً لم يتبقَّ في عمره الكثير، فمن المنطقي ألا يظهره للعالم.’
كل هذه القرائن كانت تشير إلى استنتاج واحد.
‘بما أنه يتجول بمبالغ طائلة وبرفقة حارس بارع، فهذا يعني أنه يحظى بمكانة جيدة داخل عائلته إذاً..’
ارتسمت على وجه صاحب حديقة تشونغ يو نشوة غامرة، هي نشوة من ظفر بسره الثمين وحده.
‘يجب عليّ أن أرضي هذا الفتى بأي ثمن وأجعله زبوناً دائماً! بهذه الطريقة فقط، يمكنني بناء صلة قوية مع طائفة هاو قبل أن يلفظ الفتى أنفاسه الأخيرة.’
وفي اللحظة التي اشتعلت فيها شرارة الطموح في عيني صاحب الحديقة، انطلقت صرخة مدوية وغاضبة من خلف القضبان، كادت تمزق طبلة أذنيهما
“أيها الأنذال الجبناء!”
“لو واجهتموني بنزاهة لما صمدتم أمامي للحظة واحدة! هل تستمتعون بالعبث بأشخاص سُلبت طاقتهم الداخلية ولا يستطيعون حتى تحريك أجسادهم؟! إن كان لديكم ذرة من خجل، فاقتلوننا بكرامة هنا والآن!”
“الأخ جانغ، انتظر لحظة..!”
التفتت الأنظار نحو زنزانة تضم رجلين؛ أحدهما الشاب الذي صرخ في وجه إي هيون وصاحب الحديقة، والآخر صبي يحاول يائساً تهدئته.
“اتركني! سواء متنا هكذا أو هكذا، سأختار الموت بشرف!”
ابتسم إي هيون” وهو يغلق مروحته فجأة بصوت مسموع
“لا يمكننا فعل ذلك، فأنتم أدوات لعب ثمينة من الآن، ستغسلون أجسادكم جيداً، وتتناولون مأدبة أخيرة، وتنامون بعمق، ثم تصعدون إلى المسرح المهيب الذي أعددناه لكم لا أعرف بالتفصيل نوع المسرح الذي جهزه صاحب الحديقة، لكن لا تستعجلوا، فستنالون مرادكم قريباً.”
“لقد سمعتُ ترهاتكم! أتظنون أنني لا أعرف نواياكم القذرة؟! كيف تجرؤون على تسمية هذا المكان حديقة تشونغ يو بلا حياء؟ إنه وكر للخاسرين الذين يختطفون المحاربين للهو بهم وإفراغ عقدهم النفسية المقززة!”
وقبل أن ينهي الشاب كلامه، برز عرق غليظ في صدغ صاحب الحديقة من شدة الغضب
“لقد تركتُ لك لسانك كنوع من الرحمة، فهل يتجرأ عبد مثلك على التفوه بهذا الهراء؟!”
“حتى لو كان جسدي محبوساً في حفرة الديدان هذه، فإن قلبي لم ولن يكون عبداً لك أبداً! مجرد تفكيرك في إدارة هذه اللعبة الدنيئة والمقززة يثبت مدى تفاهتك وحقارتك يا صاحب هذا القصر! أنت مثير للضحك بل للشفقة! هاهاهاها!”
صوت سحب السيف
“حسناً، دعنا نرى إن كنت ستستمر في الثرثرة بعد أن أشق هذا الفم المتطاول..!”
وفي اللحظة التي استل فيها صاحب الحديقة سيفه، مدّ إي هيون يده بسرعة خاطفة عبر القضبان الحديدية وسدّ فم الشاب وما إن سحب يده حتى تراجع الرجل عن القضبان وهو يسعل بشدة.
“كحه! كحه! أيها النذل الماكر! ما الذي.. كحه.. ما الذي أطعمتني إياه؟!”
“لقد كنت تطالب بالموت فوراً قبل قليل، فهل دبّ الرعب في قلبك الآن؟”
“تباً..!”
سقط الشاب فجأة على الأرض، فشحب وجه الصبي وأخذ يهزه بقوة
“الأخ جانغ! استيقظ أرجوك! الأخ جانغ..!”
ارتبك صاحب الحديقة تماماً
‘لقد كنت أنوي فقط قطع لسانه قليلاً، لم أكن أنوي قتله!’
فالألعاب التي تقدمها حديقة تشونغ يو تحتاج إلى محاربين حقيقيين لا مجرد متشردين من الشوارع واختطاف المحاربين ليس بالأمر السهل ويتطلب مبالغ طائلة إنه خسارة كبيرة أن يموت لمجرد سبب تافه كهذا.
‘ه-هل مات حقاً؟ هل استخدم ذلك الفتى سماً زعافاً؟ إنه شاب قوي لم يسبق لنا استخدامه في عروضنا بعد!’
“افتحوا.. افتحوا باب الزنزانة! بسرعة!”
“حاضر!”
فتح الحارس الباب بالمفتاح، فهرع صاحب الحديقة إلى الداخل ووضع يده تحت أنف الشاب ولحسن الحظ، بدا أنه قد فقد وعيه فقط ولم يمت.
وبينما كان يتنفس بارتياح رسم إي هيون على وجهه تعبيراً يعتذر فيه
“أعتذر منك، لم أستطع كبح نفسي وهو يهينني ويهين حضرتك اطمئن، سيفتح عينيه بعد يوم أو يومين بشكل طبيعي.”
“آه، أحقاً ما تقول؟!”
“بالتأكيد، فأنا لست شخصاً عديم الأخلاق لدرجة أن أحطم ممتلكات الآخرين رغم أنه فور استيقاظه، سيشعر بألم فظيع وكأن أحشاءه تذوب وروحه تتفتت إلى قطع صغيرة.”
‘يا له من مجنون..’
“إذاً، ألا يعني هذا أن ذلك الوغد سيموت في النهاية بسبب السم؟!”
“ليس الأمر كذلك، فلديّ الترياق.”
“آه، فهمت.. إذاً، هل الترياق بحوزتك الآن؟”
عند سؤال صاحب الحديقة، بردت نظرات إي هيون وأصبحت حادة كالشفرة
“لا تخبرني أنك تطلب مني معالجته الآن؟ ذلك الوغد لم ينكر جمالياتك الفنية فحسب، بل أهانني بكلماته القذرة أيضاً.”
“بالطبع لا أقصد ذلك! لكن، أليس من واجبي أن أعرف على الأقل ما إذا كان الترياق متاحاً لديك؟”
“طريقة التركيب موجودة.”
نقر إي هيون بإصبعه على رأسه بخفة
“هي هنا، في عقلي سأخبرك بها عندما أقرر أن ذلك الوغد قد نال كفايته من العقاب.”
“لكن، هذا سيجعل الأمر صعباً بعض الشيء..”
“أيها السيد الشاب..!”
وقبل أن ينهي صاحب الحديقة جملته، اندفع الصبي من داخل الزنزانة المفتوحة، وأمسك بكلتا يدي إي هيون بتعابير يائسة ومتوسلة
“أرجوك، لا تؤجل الأمر، وتفضل علينا برحمتك! أطعموني السم بدلاً منه، أما الأخ جانغ فـ..!”
“..”
وقبل أن ينطق إي هيون المندهش بكلمة، طار جسد الصبي بعيداً لقد سحبه الحارس بعنف عن إي هيون وركله دون رحمة.
“أيها الحشرة، كيف تجرؤ على الخروج؟!”
ارتبك الحارس وأعاد الصبي بسرعة إلى الزنزانة وأقفل الباب، مما أصاب صاحب الحديقة بالذهول؛ لأنه لم يكن قد خرج بعد من خلف القضبان!
“أيها اللعين! أنا لا أزال في الداخل وأنت تقفل الباب من الخارج؟!”
“آه! عذراً يا صاحب الحديقة! لقد اندفع ذلك الفتى فجأة و..”
“هل تعتبر هذا عذراً تقوله الآن؟!”
سعل الصبي وهو منبطح على الأرض
“سيدي الشاب.. أرجوك، أخبرنا بطريقة صنع الترياق لقد قلتَ بنفسك إن حالة أجسادنا يجب أن تكون جيدة لكي يستمتع الضيوف هنا أنا أتوسل إليك!”
“همم.. هذا صحيح نوعاً ما.”
نظر إي هيون بطرف عينه إلى الصبي الذي يسجد له على الأرض، ثم وجه سؤاله إلى صاحب الحديقة الذي كان يوبخ الحارس خارج الزنزانة
“هل سيظهر هذا الفتى أيضاً في نادي تشونغ يو غداً؟”
“هذا الصغير؟ ليس دوره غداً.”
“إذاً، هل يمكنك يا صاحب الحديقة تعديل الجدول قليلاً ووضعه على المسرح غداً؟ ربما تشاهد شيئاً ممتعاً للغاية.”
“شيء ممتع؟ ماذا تقصد؟”
“ألن تضيع المتعة إذا عرفتَ مسبقاً؟ إذا وضعتَ هذا الفتى في ساحة اللعب غداً، فسأعطيك طريقة تركيب الترياق فوراً.”
في الحقيقة، وبالطبع، لم يكن ما أطعمه للرجل سماً قاتلاً على الإطلاق.
كان الشاب سيستيقظ تلقائياً لو تُرك وشأنه، لكن إي هيون وضع الترياق بجرأة كطعم على طاولة المفاوضات؛ فكل ما عليه فعله هو إعطاؤهم أي تركيبة أعشاب غير ضارة.
لم يكن صاحب الحديقة يدرك نوايا إي هيون، فبدت الحيرة على وجهه
‘هل أقبل؟ أم أرفض؟’
بالتفكير في الأمر، لقد كان ينوي قطع لسان ذلك المتطاول، فلماذا يبذل كل هذا الجهد الآن للحصول على ترياق ينقذه؟ لم يفهم السبب وراء هذا التحول.
شعر صاحب الحديقة ببلبلة لثوانٍ، لكنه استدرك
‘لا يهم، كل هذا لا يهم الآن.’
الأمر الأكثر أهمية هو كسب رضا ابن زعيم طائفة هاو وبناء صلة قوية معه ولن ينال شيئاً إذا ساءت العلاقة بسبب أمر تافه كهذا.
“حسناً، كما تشاء.”
“لقد اتفقنا إذاً، أنت رجل يتفهم الأمور بسرعة والآن، بما أننا شاهدنا ما يكفي، هل نخرج؟ يا إلهي، يبدو أنكم لم تنظفوا هنا منذ دهر، أنفي يكاد ينفجر من الرائحة.”
“هاها، بالفعل، هذا ليس مكاناً يليق ببقاء سيد كريم مثلك لفترة طويلة.”
“هذا صحيح تماماً.”
‘سحقاً لك! ألم تكن أنت من طلب رؤية هذا المكان في المقام الأول؟!’
أراد صاحب الحديقة قول ذلك، لكنه كتم غيظه وصبر.
‘سأتحملك الآن فقط، أيها الفرخ الصغير..!’
سأمتصُّ نخاع عظامك في حديقة تشونغ يو هذه، وأجردُك من كل ما تملك قبل أن تلفظ أنفاسك الأخيرة!
التعليقات لهذا الفصل " 64"