“ليس هناك داعٍ لأن نندفع جميعاً، سألقي نظرة سريعة وأعود.”
بهذه الكلمات، أومأ إي هيون بعينيه خفية نحو الجزء الخارجي من الجناح.
كان يقصد بذلك أن يستغلوا الوقت الذي سيعطل فيه سيد حديقة تشونغ يو ليقوموا باستكشاف هيكل هذا المكان، لكنه لم يكن واثقاً تماماً إن كانت رسالته قد وصلت إليهم بنجاح.
وحتى لو لم يكن ذلك هو السبب، فماذا لو لحقوا به جميعاً ووقعوا في فخ ما؟ إن بقاء القوة الضاربة في الخارج هو الخيار الأفضل بمراحل.
وبينما كان بايك ريم يتبادل النظرات في ارتباك بين سيده وبين السيد الثالث، توجه إي هيون بالحديث إلى سيد حديقة تشونغ يو قائلاً
“هل تسمح لصديقي وحارسي بجولة في الحديقة؟ لقد مضى وقت طويل منذ أن رأيتُ حديقة بمثل هذا الرقي.”
“بالطبع، سأجعل أحد الخدم يرافقكما.”
أما بانغ سوول، فقد حدق في إي هيون بنظرة بدت وكأنها تريد التهامَه، قبل أن يطلق تنهيدة عميقة وينهض من مكانه.
***
وصل إي هيون برفقة سيد حديقة تشونغ يو إلى مبنى صغير وما إن رآهما الحراس حتى فتحوا الأبواب الموصدة على مصراعيها.
“تفضل بالدخول.”
بمجرد دخوله، لم يجد أمامه سوى غرفة عادية جداً، خالية من أي تفاصيل تثير الاهتمام
“ما الذي يوجد في هذه الغرفة؟ لا أرى شيئاً مميزاً هنا،”
سأل إي هيون بتعابير تخفي خيبة أمل مصطنعة.
ابتسم سيد الحديقة بخبث، وضغط بقوة على زينة موضوعة فوق خزانة وفجأة، دويّ صوت ثقيل وكأن الأرض تترنح، لينشق جدار جانبي ببطء، كاشفاً عن ممر يؤدي إلى القبو.
‘كما توقعت.’
إذن، كانت الآلية مخبأة هناك.
لقد راهن إي هيون على أن تظاهره بالخيبة سيدفع الآخر لاستعراض قوته وكشف الآلية أمامه، وقد أصاب في ذلك حفظ إي هيون تفاصيل تلك الزينة المحركة بدقة في ذاكرته.
“من هذا الاتجاه.”
كلما هبطوا درجات السلم، غمر الظلام المكان، لكن القناديل الزيتية المعلقة بانتظام على الجدران جعلت الرؤية واضحة كان من الجلي أن هذا المكان يشهد حركة مستمرة.
عند نهاية الدرج وبعد سير قصير في العتمة، اعترض طريقهم باب حديدي ضخم.
أومأ سيد الحديقة بعينيه، فوقف أحد الحراس خلف إي هيون مباشرة، وكأنه ينوي مراقبته عن كثب.
وعندما انفتح الباب الحديدي الثقيل ببطء…
“آه… أوه…”
تسللت إلى مسامع إي هيون تأوهات غارقة في الألم، وصوت سحب السلاسل الحديدية وفي الوقت ذاته، هاجمت أنفه رائحة دماء نفاذة وزفرة كريهة.
داخل الرواق، امتدت غرف ذات قضبان حديدية سُجن فيها بشر كان بعضهم يلوون وجوههم من شدة الألم بجروح غائرة، وكان من بينهم طفل يبدو أصغر سناً من دانغ هويجي
شعر إي هيون بغثيان يفوق بمراحل ما شعر به حين كان معلقاً على الحصان كتم اشمئزازه الفطري وبذل قصارى جهده حتى لا تظهر علامات النفور على وجهه.
“… يبدو أن هؤلاء هم من يُستخدمون في ألعاب جمعية تشونغ يو.”
لاحظ سيد الحديقة أن رد فعل إي هيون لم يكن بالمستوى المتوقع، فبدأ الشك يتسلل إليه؛ فقد سمع سابقاً أن هذا الرجل يمتلك طبيعة سادية ويستمتع برؤية خدمه وهم يفتكون ببعضهم البعض، فكيف له أن يضطرب لمجرد رؤية مشهد كهذا؟ بدأ يظن أنه ربما كان مجرد وغدٍ عديم الفائدة.
“نعم هذا المكان مخصص لمن هم في حالة جيدة نسبياً أخبرني، هل هناك ما لم يعجبك؟”
أضاف سيد الحديقة بنبرة مريبة
“هل تشعر بعدم الارتياح مثلاً؟”
لو لم يكن هذا الرجل منجم ذهب وزبوناً دائماً، بل مجرد أحمق قد يخرج ليفشي الأسرار، لوجب سجنُه في هذا السجن المظلم فوراً، هو ومن معه بالخارج.
“نعم، قلبي لا يشعر بالارتياح فعلاً.”
“هوه… ومن أي ناحية؟”
أومأ سيد الحديقة للحارس الذي دخل معهما، فقام الحارس بدفع مقبض سيفه بإبهامه قليلاً، استعداداً لاستلاله في أي لحظة.
في ذلك الجو المشحون كالسير على جليد رقيق، قال إي هيون بوجه قاتم
“لقد بدأت أشك فيما إذا كانت ألعابكم ممتعة حقاً.”
“أوه… ولماذا تظن ذلك؟”
اعتقد سيد الحديقة أن الأمر كان يفوق تحمل هذا الفتى الضعيف وبينما همّ برفع يده لإعطاء أمر ما، تذمر إي هيون بلسانه.
“إن صيانة الأدوات هي جزء من كفاءة منظم اللعبة، ولكن هذا… يا للأسف.”
“… ماذا؟”
نظر إي هيون إلى سيد الحديقة بنظرة ملؤها الازدراء
“لن نتظاهر بالفضيلة ونحن نعلم أن كلينا فاسد الأخلاق لكن بعيداً عن ذلك، أليست هذه مسألة جودة’؟”
“… جودة؟ عن ماذا تتحدث بحق الخالق؟”
“الأدوات المستخدمة في اللعب يجب أن تُرفع إلى الحلبة وهي في أفضل حالاتها حتى في صراع الديوك، لا نرى مثل هذا الإهمال التهوية معدومة والرائحة تزكم الأنوف، والأرضية قذرة لا يبدو أنكم تنظفونهم حتى في مكان كهذا، ستنشأ أمراض لم تكن موجودة أين تذهب تلك العشر ليانغات من الفضة التي تتقاضونها؟”
“أليست السجون هكذا دائماً؟”
“هذا ليس سجناً، بل هو مطبخ.”
مطبخ؟ عن ماذا يتحدث هذا المعتوه؟
“على سبيل الاستعارة؛ الطاهي الماهر لا يعامل المكونات باستخفاف لكن ما أراه هنا يشبه إلقاء المكونات والأدوات في طين قذر أخشى أن ينهار هؤلاء قبل أن يفعلوا شيئاً، أو أن يشعر الضيوف بالملل ويناموا من رتابة المشهد صراحةً، أنا محبط أنت تفتقر إلى جماليات اللعب.”
عند تلك الكلمات المليئة بالاحتقار، تلاشت الابتسامة الباهتة عن وجه سيد الحديقة، وظهرت عليه علامات الاستياء الواضح، فقد كان يفتخر بأنه يمتلك ذوقاً رفيعاً في عمله.
“…… إن كلماتك هذه يصعب عليّ تجاهلها أو المرور عليها مرور الكرام.”
“أهذا صحيح؟”
“نعم، بكل تأكيد.”
“هذا النوع من الترفيه بالذات، يجب أن يكون الاعتناء بنظافته هو الأولوية القصوى.”
“نظافة؟! ما نفع النظافة وهؤلاء الحثالة سيذبحون بعضهم بعضاً عما قريب ويغرقون في دمائهم؟ لماذا قد نحتاج لشيء كهذا من الأساس؟”
“بالطبع هي ضرورية! ما المتعة في مشاهدة حثالة تنازع الموت قبل أن تبدأ حتى؟ ما الفرق بين ما تفعله وبين من يقدم سمكة للأكل دون غسلها، أو طهيها، أو حتى تتبيلها وإزالة أشواكها، بحجة أنها في النهاية ستستقر في المعدة وتتحول لشيء واحد؟!”
صاح إي هيون بحماسة وانفعال شديدين، مما جعل سيد حديقة تشونغ يو يتراجع خطوة للخلف لا شعورياً من شدة المباغتة.
“تمهل قليلاً.. ألا يمكنك تهدئة أعصابك؟”
“وهل ترى أن حالتي تسمح بالهدوء؟! كلما كان المشهد سينتهي بتناثر الدماء والأشلاء، وجب أن يظهر هؤلاء في البداية بصورة مثالية ونظيفة! عندها فقط سيكون لمشهد نهايتهم البائسة جمالية تراجيدية! هذه هي جماليات المتعة. أيعقل أنك، يا سيد الحديقة، لا تدرك هذا الفرق الجوهري؟!”
“……”
في البداية، ظن سيد الحديقة أن هذا مجرد هراء، لكن مع استمراره في السماع، بدا الكلام منطقياً جداً، بل ومقنعاً للغاية.
وبينما كان سيد الحديقة غارقاً في ذهوله، فتح إي هيون مروحته بحدة وأخذ يلوح بها بخفة وهو يطلق تنهيدة استهجان.
“أعتقد أن هناك الكثير من الزبائن الذين زاروا حديقة تشونغ يو مرة أو مرتين ثم انقطعوا عن المجيء، أليس كذلك؟”
“…… أليس هذا حال أي مكان يمارس التجارة؟”
“دور المدير الناجح هو تحليل السبب الذي يجعل الزبون لا يعود مجدداً، هذا طبعاً إن لم تكن ترغب في تدمير تجارتك أولئك الذين انقطعوا عن المجيء لن يخبروك أبداً عما لم يعجبهم هنا.”
“…… الآن حين أفكر في الأمر..”
كان كلامه صحيحاً ، تذكر سيد الحديقة أشخاصاً توسلوا لمعارفهم كي يدخلوا المكان، وبعد زيارة أو اثنتين اختفوا تماماً، رغم أن موعد دفع الرسوم التالية لم يحن بعد.
“هل تقصد أنك تعرف السبب، أيها السيد الشاب؟”
“فكر في الأمر قليلاً ، الأشخاص الذين يدفعون عشر ليانغات من الفضة هم حتماً من كبار الأثرياء.”
“هذا صحيح.”
“وهل تعتقد أن من يدفعون مبالغ كهذه اعتادوا على القذارة؟ هؤلاء يبحثون عن أرقى الغرف التي لا يشوبها ذرة غبار حتى في أسفارهم لا بد أن الكثير منهم شعر بالاشمئزاز في داخله حتى الممثلون في الحانات لا يجرؤون على صعود المسرح بمظهر المتسولين هذا!”
“لكنني ما زلت لا أفهم تماماً في النهاية، هؤلاء سيسكبون أحشاءهم ودمائهم وتتلطخ أجسادهم لو كان الزبائن يشعرون بالإهانة من ذلك، فلماذا يعود البعض مراراً؟”
شرح إي هيون وجهة نظره وهو يخفي تعابير وجهه خلف مروحته
“حين تشتعل أحداث العرض، ينجرف الجميع مع الأجواء وتطغى الإثارة على شعور القذارة لكن بمجرد خروجهم من حديقة تشونغ يو، سيعود إليهم ذلك الانزعاج الذي شعروا به في البداية من غلبت لديه الإثارة سيعود، ومن غلب عليه الاشمئزاز فلن تراه مجدداً أليس من الغباء أن تخسر زبائن كان بإمكانك الاحتفاظ بهم لمجرد إهمال تفاصيل صغيرة كهذه؟”
“…… يبدو أنك على حق فعلاً ولكن، كيف لسيد شاب من عائلة عريقة أن يفهم في عالم التجارة هكذا؟”
“ذلك لأنني ابن سيد طائفة هاو…”
“ماذا؟”
“لا.. لا شيء.”
أشاح إي هيون بوجهه بارتباك مصطنع، لكن الكلمات كانت قد وصلت بوضوح إلى مسامع سيد الحديقة.
وفي تلك اللحظة، لمعت فكرة في ذهن سيد الحديقة كبرق خاطف
التعليقات لهذا الفصل " 63"