“أنت مذهل حقاً، يا السيد الشاب الثالث لعائلة دانغ!”
ما إن غادر سيد عائلة جيغال قاعة الوليمة، حتى اقترب بوم سانغ جين من اي هيون وصاح بنبرة لم يستطع إخفاء حماستها
“كيف استطعت تحديد الأمر بدقة متناهية هكذا؟! لو كان السيد الشاب الثالث من عائلة جيغال…!”
توقف بوم سانغ جين عند هذا الحد فجأة، وأغلق فمه مسرعاً وكأنه أدرك زلّة لسانه يبدو أنه كان سيقول: لو كنت من عائلة جيغال لظننتُ أنكم اتفقتم على الكلام مسبقاً
بالطبع، كان ذلك مستحيلاً، فابن سيد عائلة جيغال، جيغال روك، موجود في هذا المكان، ولا يوجد سبب يدعوهم للتواطؤ مع إي هيون لإظهاره بشكل لافت على حساب ابنهم.
انفجر نام غونغ جي تشون بضحكته الصاخبة المعتادة
“هاهاها! لقد ترددت شائعات كثيرة حول السيد الشاب الثالث لعائلة دانغ، ولكنني أدركت اليوم من أعماق قلبي أن كل ذلك لم يكن سوى ترهات أطلقها العميان!”
“أنت تبالغ في مديحي.”
قال بوم سانغ جين
“لا، دعنا من حل المسألة، ولكن كيف استطعت اختراق نية سيد العائلة بهذه الدقة؟ وكأنك دخلت إلى قلبه ثم خرجت! لقد ظننتُ حقاً أنها معجزة من تدبير أحد الخالدين.”
بدت على وجه إي هيون ملامح الحرج
“في الحقيقة، الأمر ليس بهذا العظمة أي شخص يمكنه فعل ذلك إذا عرف الحيلة.”
“حـ… حيلة؟! هل تقول إن هناك حيلة لحل مسائل كهذه؟!”
“هذا صحيح.”
عندما أومأ إي هيون برأسه بهدوء، تغيرت نظرات نوابغ الجيل الصاعد الآخرين، الذين كانوا يشعرون بالاستياء داخلياً من كونه محط الأنظار الوحيد.
حتى أولئك الذين كانوا ينظرون إلى إي هيون بازدراء في أنفسهم، تظاهروا بعدم الاهتمام لكنهم أرهفوا السمع بوضوح لكل كلمة تقال.
قال إي هيون بهدوء
“بما أن واضع المسألة بشر، فلا بد أن تنعكس نيته داخلها أليس كذلك؟”
“هذا… صحيح على ما أظن؟”
“حسناً، ما هو أول شيء يتبادر إلى أذهانكم عندما تسمعون اسم عائلة جيغال؟ فكروا في الأمر جميعاً، وليس بوم وحده.”
بسبب أسلوب إي هيون اللطيف في التوجيه، بدأت الإجابات تتدفق من بين النوابغ الذين كانوا صامتين قبل قليل
“بلا شك، إنها تشكيلات الكيمون القتالية، أليس كذلك؟”
“سمعت أيضاً أنهم مشهورون بمهاراتهم الطبية الغامضة.”
“ممم، هذه الأشياء مشهورة طبعاً، ولكن أليست الحكمة والدهاء في قراءة أحوال العالم هي الأولى؟”
“سمعت أن عائلة جيغال تمتلك تقنية مقدسة تحفز الدماغ وتطور البصيرة هذا أول ما فكرت فيه.”
أومأ إي هيون برأسه ببطء وكأنه يجمع تلك الإجابات المتناثرة
“كلامكم جميعاً صحيح والقاسم المشترك بين هذه الإجابات هو حقيقة أن عائلة جيغال تتخذ من البصيرة أقوى سلاح لها.”
كان الجميع ينصتون لصوت إي هيون بتركيز شديد وكأنهم منجذبون إليه.
“أي عائلة تستضيف حدثاً كبيراً تجذب إليه أنظار العالم، لا بد أن تضع فيه شيئاً تفتخر به وتعتبره مصدر عزها وعائلة جيغال تقدس البصيرة والحكمة أكثر من أي شيء آخر إذاً، من الطبيعي جداً أن تكون إجابة هذا السؤال كامنة في ذلك السياق.”
“أوه… هذا مؤكد.”
بينما تعالت صيحات الإعجاب المنخفضة هنا وهناك، تابع إي هيون حديثه بنبرة ناعمة
“في العادة، يقوم واضع السؤال ببناء الإطار بحيث تُستنبط الإجابة من ضمن ما قصده في الواقع، قد تحدث متغيرات غريبة وغير متوقعة، لكن إذا وضعنا مثل هذه المصادفات في الحسبان داخل إطار المسألة، فلن يكون هناك إجابة صحيحة أو خاطئة على سبيل المثال، في الواقع، قد يموت العدو فوق الجسر بصعقة برق مفاجئة، لكن لا يمكننا اعتبار ذلك إجابة صحيحة للمسألة، أليس كذلك؟”
“بالطبع!”
“ولكن عندما نظرتُ بتمعن، وجدتُ أن الفرضية التي طرحها سيد العائلة كانت مصممة بدقة لدرجة أننا لا نملك خياراً سوى الاستسلام أمام قوة العدو الساحقة إذاً، ما هي العناصر التي يمكننا التحكم بها في ذلك الموقف؟”
فكر النوابغ ملياً ثم أجابوا
“بما أن القوة العسكرية لا تنفع، فهذا يعني أن ما تبقى هو البصيرة والحكمة التي ذكرها السيد الشاب الثالث قبل قليل أي أننا يجب أن نختراق الموقف بالعقل وليس بالقوة.”
“بما أن النهر واسع والعدو قوي كما قال سيد عائلة جيغال ولا يمكننا فعل شيء حيال ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي يمكننا التحكم به هو الجسر.”
أومأ إي هيون برأسه مع نظرة تشجيع
“هذا صحيح ولهذا السبب قدمتُ تلك الإجابة.”
“لقد فهمتُ الآن حقاً!”
هتف بوم سانغ جين بإعجاب شديد.
“بعد سماع شرح السيد الشاب الثالث لعائلة دانغ، صار الأمر جلياً للغاية، لا أدري لِمَ لم أدرك ذلك في حينه.”
“في العادة، كلما كان الشيء بسيطاً، زادت صعوبة ملاحظته تماماً كالغبار المستقر على المكتب، لا تراه بوضوح إلا إذا وجهت انتباهك إليه.”
قال إي هيون ذلك بتواضع، ثم أردف مبتسماً
“ولكن بما أنكم عرفتم المبدأ الآن، فأنا واثق أنكم ستلاحظون مثل هذه الأمور بسرعة في المستقبل.”
“ممم، هذا صحيح بعد سماع ذلك، لا يبدو الأمر بالصعوبة التي تخيلتها.”
“أظن أنني سأتمكن من حل أي مسألة مشابهة إذا واجهتها مرة أخرى لم أكن أعلم أن هناك حيلة بارعة كهذه.”
بينما كان نوابغ الجيل الصاعد يتهامسون بذلك، رمق بانغ سوول ودانغ تاي يول إي هيون بنظرات ملؤها الاستنكار والريبة.
لا شك أن شرحه لم يكن خاطئاً، بل يمكن اعتباره درساً بليغاً ومع ذلك، لماذا يشعران وكأن في الأمر خدعة؟
عند الاستماع إلى تفسيراته، تبدو كل المعضلات واضحة وبسيطة، لكن بمجرد محاولة مواجهتها دون شروحه، يدرك المرء أنها لا تزال عسيرة.
في الواقع، لو طُرحت عليهم الآن مسألة بصيغة مختلفة قليلاً، لعجز تسعة من أصل عشرة منهم عن فتح أفواههم بكلمة واحدة.
ومع ذلك، فإن فصاحة إي هيون ولسانه السلس منحا المستمعين شعوراً غريباً بالرضا، وكأنهم تلقوا سراً خاصاً لا يعرفه غيرهم.
لقد جعلهم يشعرون بأنهم اكتسبوا معلومة قيمة وحققوا مكسباً كبيراً.
كتم دانغ تاي يول ضحكة ساخرة في صدره
“هذا الوغد، كأنه بائع متجول مخادع.”
رغم أنها المرة الأولى التي يظهر فيها في مثل هذه المحافل، إلا أنه استطاع في لحظة واحدة أن يحفر وجوده في أذهان نوابغ العائلات المتنفذة.
على الأقل، لن يجرؤ أحد من الحاضرين بعد الآن على التقليل من شأنه أو وصف السيد الشاب الثالث لعائلة دانغ بالغباء.
“هل قرر أخيراً الكف عن التظاهر بالحمق والبروز علانية في مثل هذا المكان؟”
كان هذا ما يتمناه دانغ تاي يول بالفعل.
وبينما ارتسمت ابتسامة ملتوية على شفتيه، رفع دانغ هوي، الذي كان يجلس بجانبه، كوب الشاي وتمتم
“يبدو أنني سأجني أرباحاً أكثر مما توقعت.”
رفع دانغ تاي يول حاجباً واحداً وسأله
“عما تتحدث؟”
نظر دانغ هوي بهدوء إلى تموجات الشاي في كوبـه وقال بصوت خفيض
“هناك شخص جعلته مديناً لي.”
اتجهت نظراته المسترخية نحو إي هيون، الذي كان يتعامل بلباقة مع النوابغ الذين اقتربوا منه بدافع الفضول.
أخذ إي هيون رشفة من الشاي وزفر نفساً قصيراً
“هوف، أظن أن هذا المستوى كافٍ للنجاح حتى الآن.”
لم تكن الأسلحة التي يمتلكها إي هيون في الوقت الحالي كثيرة، وكان هذا هو السبب الذي دفعه للبروز بشكل متعمد في هذا المحفل.
لقد أراد البدء في الحصول على ما ينقصه.
وهو الاعتراف بوزن كلماته، بحيث يقال عنه “إن كلام هذا الفتى يستحق الإصغاء”.
حتى الآن، كان اي هيون يستعير سلطة الآخرين ليجعل صوته الضعيف مسموعاً؛ تارة يتظاهر بأنه الابن الخفي لسيد نقابة هاو، وتارة يبرز لوح الضيافة الخاص بعائلة بانغ.
لكن مثل هذه الأساليب لن تنجح للأبد.
لقد حان الوقت ليبدأ في إضفاء القوة على صوته الخاص.
ابتسم إي هيون بمرارة في قرارة نفسه.
فالحقيقة هي أنه أكثر من أي شخص آخر في هذه القاعة، كان إنساناً شق طريقه عبر خطوط الموت بفضل لسانه فحسب، لعدم امتلاكه أي سلاح آخر.
بام!
فجأة، مزق صوت ضربة عنيفة على الطاولة سكون القاعة.
ساد الصمت المكان فوراً وكأن ماءً بارداً سُكب على الأجواء الودية التي كانت سائدة.
اتجهت الأنظار المذعورة نحو جيغال روك، الذي كان واقفاً متجمداً وهو يعض شفتيه بقوة.
ألقى نظرة باردة وحادة على من حوله، ثم اندفع خارجاً من القاعة بخطوات غاضبة.
قال أحد النوابغ بصوت متذمر
“ما خطبه فجأة؟”
“لا أدري…”
فجأة، ارتسمت ملامح الإدراك على وجه بوم سانغ جين وخرجت منه صيحة خافتة
“آه”.
لقد أدرك حقيقة أنه بينما كان نوابغ الجيل الصاعد في القاعة يتجمعون في حلقات صغيرة ويتبادلون أطراف الحديث بحميمية، كان المحيط حول جيغال روك فارغاً تماماً وكأن الجميع قد اتفقوا على ذلك مسبقاً.
في المعتاد، حتى لو اكتفى بالجلوس صامتاً في مكانه، كان المكان ليزدحم بمن يحاولون لفت انتباهه وكسب وده.
فكيف وهذا المحفل يُقام في قلب عائلة جيغال تحديداً؟
ولكن، عندما رأى البقية أن نوابغ العائلات المتنفذة المرموقة لا يقتربون منه، بدأوا هم أيضاً بمراقبة الأجواء والابتعاد عنه تدريجياً بذكاء.
أطلق أحد الأسياد الشبان ضحكة ساخرة
“بالمناسبة، هل سمعتم جميعاً؟ تلك الشائعة التي تقول إن السيد الشاب جيغال روك كان يتردد على مكان يُدعى تشونغ يو.”
” تشونغ يو؟ وأين يقع هذا المكان بحق الخالق؟”
يبدو أن البعض قد سمعوا الشائعات بالفعل من هنا وهناك، لكن لم يكن قليلون أولئك الذين اتسعت أعينهم دهشة وكأنهم يسمعون الأمر للمرة الأولى.
“الأمر وما فيه، أنه مكان فظيع للغاية يقال إنهم اختطفوا أعداداً كبيرة من المحاربين الأسوياء وعذبوهم، ثم أجبروهم على القتال فيما بينهم كأنها حلبة صراع وكانوا يتقاضون المال مقابل جعل ذلك مشهداً للفرجة!”
“ماذا تقول؟!”
“كيف يرتكبون فعلاً شنيعاً كهذا…”
“تعذيب؟ وبأي طريقة تحديداً؟”
“لقد سمعتُ من أحد معارفي في تحالف الموريم، وتفصيلاً كان—”
وفي اللحظة التي كان فيها ذلك السيد الشاب يوشك على الاسترسال في حديثه بحماس بالغ، فتح بانغ سوول، الذي كان صامتاً حتى تلك اللحظة، فمه قائلاً
“من الأفضل ألا نتحدث في هذا الأمر أكثر من ذلك في هذا المكان.”
أمام هذا المنع، لم يستطع المتحدث إخفاء حرجه فتنحنح محاولاً تدارك الموقف.
في الحقيقة، كان هدفه من طرح هذا الموضوع هو التودد لبانغ سوول من خلال الإشادة بدوره في حل قضية تشونغ يو.
“…ولماذا ذلك؟ أنت والسيد الشاب الثالث لعائلة دانغ الموجود هناك كنتما الطرفين اللذين كشفا ذلك الأمر، فظننتُ أنكما تودان نشر الخبر على نطاق واسع.”
عند سماع ذلك، اشتعل فضول النوابغ الذين لم يسمعوا عن الحادثة بعد، إلا أن دانغ هوي وضع كوب الشاي جانباً وقال بهدوء
“لكل شيء زمان ومكان إذا أردتم مناقشة هذا الأمر، فمن الأفضل فعل ذلك عندما تتوفر الهيئة الجادة والرزينة المناسبة له.”
“…….”
عندما تدخل كبار الأسياد الشبان من عائلتي بانغ في هابوك ودانغ في سيتشوان، لم يجرؤ ذلك السيد الشاب على الإصرار على مواصلة الحديث علانية.
ومع ذلك، لم يكن أحد قادراً على منعهم من الهسهسة والتهامس فيما بينهم بأصوات خافتة
“لم يكتفِ السيد الشاب الأكبر لعائلة جيغال المرموقة بالتردد على مكان شنيع كهذا، بل وافتُضح أمره أيضاً.”
عند سماع ذلك، ارتسمت على وجه سيد عائلة جيغال تعابير قاسية، كمن ينظر إلى غرضٍ معيب لا فائدة منه.
ارتجف جيغال روك حينما قال والده
“كم أنت غبي.”
“……”
“لو أنك أجبتَ على المسألة هناك متفاخراً، فماذا كنت تظن سيحدث؟ لن يصدق أحد أنك حللتها بجهدك الخاص، بل كنت ستصبح أضحوكة بين الناس ليس إلا.”
“إذاً… لِمَ أمرتني بحضور تلك الوليمة من الأساس؟”
“المرء إذا غاب عن مكانٍ يُفترض وجوده فيه، لفت الأنظار إليه أكثر لقد أمرتك بالبقاء هناك ساكناً وهادئاً لتحفظ مكانتك، أفعجزتَ حتى عن فعل ذلك؟ يبدو أن حبسك لمدة شهر لم يكن كافياً لإصلاح عقلك البليد، لقد تساهلتُ معك كثيراً.”
جزّ جيغال روك على أسنانه.
رغم أنه رأى علامات الخيبة على وجه والده سابقاً، إلا أنه لم يكن قط بهذا الوضوح والقسوة في التعبير.
لقد بدأ كل هذا منذ ذلك اليوم الذي افتُضح فيه أمره وتردده على تشونغ يو.
‘بل ربما، وبشكل أدق—.’
أحكم جيغال روك قبضتيه وطأطأ رأسه، فأشار سيد عائلة جيغال بيده بتعب وكأنه لا يطيق رؤيته
“لا أريد رؤية وجهك اخرج.”
“……”
أحنى جيغال روك رأسه بعمق معتذراً، ثم عاد إلى غرفته.
وما إن أُغلق الباب خلفه، حتى انطلق من الداخل دويٌّ حاد يشبه الصرخة المكتومة
“آآآآآآآآه!”
تحطم!
ارتطام!
دوت أصوات تكسير مفجعة بينما كانت الأواني الخزفية الثمينة، واللوحات، والمحابر تُقذف نحو الجدران وتتمزق وتتحطم إلى شظايا دون رحمة.
ورغم أنه جعل الغرفة ساحة من الفوضى، إلا أن غيظه لم يهدأ، وظل كتفاه يهتزان بعنف.
وقف هناك يلهث كوحشٍ جريح، وقبض بيده بقوة لدرجة أن مفاصل أصابعه ابيضّت من شدة الضغط.
لاح في ذهنه طيف الشخصين اللذين أوصلاه إلى هذه الحالة المزريّة.
“بانغ سوول، دانغ سا هيون…”
وأخيراً، استقرت في عينيه المحتقنتين بالدماء عزيمةٌ باردة ومظلمة
التعليقات لهذا الفصل " 194"