بينما حافظ إي هيون على هدوئه التام، شدَّ بوم سانغ جين قبضتيه من شدة الانفعال لسبب ما، وهتف بصوت مرتجف
“هـ.. هذه هي.. جمعية التنانين الصاعدة..!”
‘ليس الأمر كذلك..’
‘لا أظن أن هذا هو المقصود..’
ابتلع النوابغ المحيطون ببوم سانغ جين اعتراضاتهم التي لم يجرؤوا على النطق بها أمام هذا الإعجاب.
في تلك الأثناء، مد زعيم عائلة جيغال مروحته المطوية ببطء نحو الأمام، وكأنها نصل سلاح حاد
“المقاتل حين يُصد سيفه، يبحث عن سيف أكثر حدة لكن في بعض الأحيان، تكون بضع كلمات أقوى من أي تقنية قتالية يجب عليكم دائماً التفكير فيما هو الأكثر فاعلية في الموقف الراهن.”
تابع زعيم عائلة جيغال حديثه وهو يصوب نظرة عميقة نحو إي هيون
“تلك الفكرة التي جعلت من قيد الجسر سلاحاً لصالحك.. حقاً، لقد كان تصرفاً يليق بشخص يجري في عروقه دم عائلة جيغال.”
“شكراً لك.”
دم عائلة جيغال.
عند سماع هذه الكلمة، تذكر النوابغ الحاضرون حقيقة واحدة؛ وهي أنه مهما كثرت الأقاويل حول ما إذا كان السيد الشاب الثالث لعائلة دانغ يحمل دماء عائلته أم لا، فإن أحداً لم يشكك يوماً في نسبه لجهة والدته.
“حسناً، دعني أسألك إذاً ما هو برأيك الهدف الحقيقي من وراء طرحي لهذا اللغز؟ أظن أن السيد الشاب الثالث لعائلة دانغ يعرف الإجابة.”
أجاب اي هيون بهدوء وثبات
“لقد وضعت يا زعيم عائلة جيغال قيوداً عديدة لجعل اللغز قائماً ولتوجيهنا نحو إجابة محددة ولكن في المعارك الحقيقية، ستكون المتغيرات التي يجب أن نأخذها في الحسبان أكثر من ذلك بكثير.”
“هذا صحيح.”
“ومع ذلك، هناك شيء واحد لا يتغير أبداً.”
“وما هو؟”
رفع إي هيون رأسه والتقى نظراته بنظرات زعيم عائلة جيغال
“الحقيقة التي لا تتغير هي: أنك لا تستطيع وضع خطة لمواجهة خصمك إلا إذا عرفت ما الذي يضعه في قمة أولوياته، وما هو هدفه النهائي من وراء كل ذلك.”
ارتسمت على شفتي زعيم عائلة جيغال ابتسامة عريضة.
“ممتاز وهذا بالضبط هو المغزى من طرحي لهذا اللغز.”
“وأعتقد أن هناك معنىً خفياً آخر خلف ذلك أيضاً.”
“أوه؟ أنا متشوق لما ستقوله تفضل، كلي آذان صاغية.”
نهض اي هيون من مكانه، وأخذ يتفرس ببطء في وجوه النوابغ الشباب الذين كانوا يراقبونه باهتمام بالغ.
“في الواقع، الحلول التي اقترحها الآخرون قبل قليل ليست خاطئة تماماً لكنها تعتمد على شرط مسبق واحد.”
سأل بوم سانغ جين بلهفة وعيناه تلمعان
“وما هو ذلك الشرط؟!”
“هو: هل أملك القوة الكافية لتنفيذ هذا الحل؟”
“…”
“لو كانت مهاراتي في التخفي أو تقنية تسلق الجدار على مستوى عالٍ جداً، لكان ربما حل السيد الشاب غويانغ أو السيد الشاب بانغ أفضل ولو كان مستوى سمومي يقارن بمستوى شيوخ عائلة دانغ، لكان اختراق الطريق باستخدام السم أمراً متاحاً.”
عند سماع ذلك، تغيرت ملامح السيد الشاب غويانغ وكأنه ذاق طعماً مريراً، بينما سخر دانغ تاي يول بلامبالاة.
“ولو كنت تملك مهارة سباحة تضاهي اللصوص المائيين، لكان العبور غوصاً أو سباحة أمراً ممكناً ولو كانت قوتي القتالية تضاهي الخصم الذي يقطع الطريق، لكان ممكناً لي أيضاً القيام باختراق مباشر كما اقترح السيد نام غونغ لو كنت أملك تلك القوة، لما احتجت أساساً لتهديده بالجسر، فأسلوبي الذي اخترته كان أقرب للمقامرة.”
أومأ نام غونغ جي تشون برأسه بثقل، وقد بدت عليه علامات الإعجاب الحقيقي
“بالفعل، كلامك في محله.”
“في نهاية المطاف، الأمر يتلخص في هذا: بما أننا ما زلنا نفتقر إلى الكثير، وبما أننا لا نملك القوة المطلقة، فنحن مضطرون للجوء إلى هذه الوسائل المحدودة وغير المكتملة لذا، عليكم الاجتهاد في التدريب والارتقاء بأنفسكم لتتمكنوا من اتخاذ خيارات أفضل عندما تحل الأزمات.”
عاد إي هيون والتقى بنظرات زعيم عائلة جيغال مجدداً.
“أعتقد أن هذا هو الدرس الذي كنت تود تلقيننا إياه يا زعيم العائلة.”
“…”
للحظة واحدة، ساد صمت مطبق أرجاء قاعة المأدبة.
‘هل كان ذلك.. هو المعنى العميق؟’
‘بالتأكيد، عندما نفكر في الأمر ملياً، نجد أنه يتناسب تماماً مع غرض جمعية التنانين الصاعدة التي تجمع النوابغ الشباب.’
‘هل نعجب بزعيم عائلة جيغال الذي صاغ هذا اللغز بكل هذه الحكم، أم نعجب بالسيد الشاب الثالث لعائلة دانغ الذي استطاع كشف هذه الأبعاد الخفية؟’
وبينما كان الجميع غارقاً في أفكاره مكتتماً دهشته، انطلق صوت ضحك مدوٍ
“هاهاهاهاها!”
انفجرت ضحكات مجلجلة ومرحة من مقعد الصدارة.
“أنت حقاً مذهل! لقد أصبت الهدف تماماً كان من المفترض أن أقول تلك الكلمات الأخيرة بنفسي بعد أن أضفي شيئاً من الهيبة على الأجواء، لكن السيد الشاب الثالث لعائلة دانغ سرق الأضواء مني تماماً!”
وبسبب هذا التوبيخ اللطيف، انحنى اي هيون برأسه مع إظهار ملامح ارتباك طفيفة.
“أعتذر، لقد كنت متجاوزاً لحدودي.”
“إنها مجرد دعابة.”
رفع زعيم عائلة جيغال إصبعه السبابة، وأشار إلى إي هيون وهو يطقطق بلسانه بخفة
“مع كل هذا الذكاء والوضوح في المنطق، كيف لم تستطع كشف هذه المزحة البسيطة؟”
“…… أعتذر عن ذلك.”
“لا بأس في الواقع، كنت أنوي إنهاء الأمر بأسئلة وأجوبة خفيفة، لكن بفضل إجابتك أصبح احتفال الليلة ذا معنى أعمق دعني أرى…”
بعد أن بدا وكأنه يفكر وهو يلمس ذقنه، ضرب زعيم عائلة جيغال الطاولة بمروحته المطوية لتصدر صوتاً مسموعاً.
“لقد خطرت لي فكرة جيدة لدينا في عائلتنا دواء روحاني نادر سيكتمل صنعه قريباً؛ هو دواء ثمين كرسنا عشر سنوات من الجهد لتطويره ورغم أنه لا يزال ينقصه العقار الأخير ويحتاج لثلاثة أشهر أخرى ليجهز، فما رأيك أن أمنحه لك كمكافأة على ما حدث اليوم، وكاحتفال بتمام شفائك؟”
عند سماع هذا العرض غير المسبوق، حبس النوابغ أنفاسهم واحداً تلو الآخر.
‘دواء روحاني؟!’
‘هل سيهديه دواءً استغرق تطويره عشر سنوات لمجرد إجابة واحدة في نقاش خفيف؟’
‘لقد سمعت إشاعات تقول إن زعيم عائلة جيغال يضمر ضغينة لعائلة دانغ منذ منافسته القديمة مع والدة إي هيون وسيد العائلة الشاب، يبدو أنها مجرد ترهات أطلقها المتطفلون.’
“…”
وسط هذه الأنظار المتباينة التي صُبت عليه، ابتسم إي هيون بهدوء ونظر مباشرة إلى زعيم عائلة جيغال، ثم ضم يديه أمام صدره وقام بتحية التقدير بكل احترام.
“أشكرك بشدة على كرمك ولطفك، ولكنني لا أستطيع قبول هذه الهدية القيمة أرجو أن تتراجع عن عرضك.”
بسبب رفض إي هيون القاطع، خيم على القاعة ذهول أعمق بكثير مما كان عليه قبل قليل.
‘لقد رفض؟ دواءً روحانياً من عائلة جيغال وليس أي شيء آخر؟!’
‘هل أصابه مس في عقله؟’
وبينما كانت الهمسات تنتشر كالأمواج في القاعة، نظر زعيم عائلة جيغال إلى إي هيون بهدوء.
“هل لي أن أسأل عن السبب؟ لا أعتقد أن دواء عائلتنا لا يروق لك، أليس كذلك؟”
ورغم هذا السؤال الذي حمل في طياته نظرة فاحصة، لم يبدُ على إي هيون أي أثر للارتباك، بل هز رأسه نفياً.
“كيف لي أن أظن ذلك؟ إنه دواء روحاني استغرق تطويره جهداً امتد لعشر سنوات بل إن ثقله أكبر بكثير مما يمكنني احتماله.”
“…”
“ولكن ألا يزال أمامكم ثلاثة أشهر حتى تكتمل عملية الصنع؟ إن دواءً بهذا القدر من الندرة لا يكتمل إلا إذا توافقت إرادة السماء ولا بد أن خبراء تحضير الأدوية في عائلة جيغال يكرسون كل جهدهم في هذه المرحلة النهائية الحاسمة، خاصة وأنه دواء جديد تماماً، مما يتطلب منهم عناية فائقة.”
“همم.”
“وفي مثل هذه اللحظة الحرجة، فإن حقيقة أن هذا الدواء قد وُعد به شخص من خارج العائلة قد يلقي بظلال من الضغط على كاهل من يحضرونه، ولو كان ضغطاً بسيطاً لا يكاد يُذكر لذا، أرجوك تراجع عن عرضك.”
كانت هذه الحجة مثالية لدرجة لا تُترك فيها ثغرة.
تقوست عينا زعيم عائلة جيغال بطريقة غريبة بينما ارتسمت عليهما ابتسامة ساخرة.
‘.. انظروا إلى هذا الفتى.’
بادله إي هيون ابتسامة هادئة وهو ينظر إليه.
‘هل ظننت أنني سأنخدع بذلك؟’
بالطبع، كان لدى إي هيون أسباب وجيهة لرفض مثل هذه الفرصة الذهبية.
أولاً:
بالفعل، كان إي هيون يعلم بصفته مؤلف القصة أن زعيم عائلة جيغال رجل مخادع ومكار خلف قناع الوقار فمن المستحيل أن يهدي دواءً روحانياً بهذا القدر من الندرة لشخص غريب عن عائلته بكل هذه السهولة.
أما السبب الثاني : فالدواء المزعوم لا اسم له، وقد حدد موعد اكتماله ببعد ثلاثة أشهر
لم يمنحه إياه في الحال، بل أجله للمستقبل؛ وهذا يعني أنه لا يوجد أي طريقة للنوابغ الحاضرين للتأكد مما إذا كان زعيم عائلة جيغال قد وفى بوعده فعلاً أم لا.
كان بإمكان الزعيم، عندما يحين الوقت، أن يتذرع بأي عذر تافه ليتنصل من وعده، فبما أنه دواء جديد، فمن السهل عليه الادعاء بحدوث خطأ في التركيبة أو بقاء سموم قاتلة فيه تستوجب إتلافه.
أو ربما كان بإمكانه اختلاق أعذار أخرى، كتعطل وصول آخر المكونات، أو ظهور مريض طارئ في عائلته يحتاج للدواء.
الأعذار كثيرة، وأي عذر يختلقه سيكون حجة دامغة ضد إي هيون؛ فلو تجرأ إي هيون على الشكوى لاحقاً، لظهر بمظهر الرجل الصغير والطماع.
أما السبب الثالث: سواء أكان هذا الدواء موجوداً حقاً أم لا، فقد ترسخت في عقول النوابغ الشباب حقيقة واحدة: إي هيون حل اللغز وحصل على دواء روحاني أسطوري.
من الواضح أن زعيم عائلة جيغال لم يتوقع أن يحل إي هيون اللغز بتلك البراعة؛ بل ربما كان يتمنى فشله.
ولكن بما أن الأمور سارت على هذا النحو، فقد أراد استغلال إي هيون ليظهر بمظهر الكريم والنبيل أمام الجميع، وليغسل سمعة عائلته من الإشاعات السلبية المتعلقة بوالدة إي هيون.
والأسوأ من ذلك، أنه أراد أن يضع إي هيون في موقف يحسده فيه الآخرون ويصبون عليه غضبهم وحقدهم؛ خاصة في مكان يضم وريثي أقوى عائلات عالم الموريم.
فقبل أن يرفض إي هيون، كانت أعين الكثيرين تنهش فيه حسداً.
“…”
غطى زعيم عائلة جيغال فمه بمروحته.
‘لم يكتشف الفخ الذي نصبته فحسب، بل غلف رفضه بأعذار لبقة ومهذبة للغاية.’
لدرجة تجعل من المستحيل عليه الإصرار على تقديمه.
دارت بين زعيم عائلة جيغال و إي هيون معركة ذهنية شرسة، صامتة، وخالية من السيوف، لم يلحظها أحد غيرهما.
ثم ضحك زعيم عائلة جيغال ببساطة كما لو أنه مستسلم للأمر الواقع
“هاها، بما أنك تهتم بمصالح عائلتنا لهذا الحد وتتفهم وضعنا، فلن أصر عليك أكثر من ذلك.”
بدأت ألحان الموسيقيين التي توقفت سابقاً تعزف من جديد ببهجة وفخامة، فنهض زعيم عائلة جيغال من مقعده بملامح بدت عليها الرضا والارتياح.
“حسناً، إذا بقيتُ هنا بينكم لفترة أطول، فلن تتمكنوا من الاستمتاع بوقتكم بحرية سأنسحب الآن بهدوء، أتمنى لكم جميعاً قضاء ليلة ممتعة.”
انطلقت ضحكات خفيفة من هنا وهناك رداً على تحيته الماكرة والمرحة، وتسابق النوابغ الشباب للوقوف وأداء تحية التقدير بكل احترام.
“شكراً لك على كرمك ولطفك، نتمنى لك يا زعيم العائلة ليلة هادئة ومريحة!”
وفي اللحظة التي غادر فيها قاعة المأدبة مودعاً وسط أجواء دافئة ومبهجة، تبخر الدفء فجأة من عيني زعيم عائلة جيغال، اللتين كانتا تبدوان طوال الوقت وديتين خلف عدسات نظارته
مضى في سيره ببطء، وعلى وجهه ابتسامة باردة كالصقيع، وتمتم بصوت خافت
التعليقات لهذا الفصل " 193"