بدأ النوابغ بطرح تساؤلاتهم على زعيم عائلة جيغال الواحد تلو الآخر.
“ألا يوجد قارب في الجوار؟”
“لا يوجد.”
“ماذا لو قمنا بقطع الأشجار وصنعنا طوفاً؟”
“لا توجد أشجار صالحة لصناعة طوف قريبًا وحتى لو وُجدت، فمن المستحيل نقلها إلى ضفة النهر دون أن يلاحظك الخصم.”
“هذا صحيح، وحتى لو نجحنا في إنزال الطوف للماء، فمن المؤكد أننا سنتعرض للهجوم…”
“بالضبط.”
عندما سُدت طرق الأسئلة الأولية، سأل بوم سانغ جين بصوت حذر
“هل يمكننا… دفع رسوم مرور والعبور؟”
“ذلك الخبير ليس قاطع طريق ولا لصاً مائياً بل على العكس، في اللحظة التي تنطق فيها بهذا الكلام، سيشعر بالإهانة ويهاجمك.”
صرخ نام غونغ جي تشون بصوت جهوري
“حتى لو كان من المستحيل الفوز عليه، إذا كان هناك سبب يحتم عليّ العبور، ألن يكون كافياً أن أخاطر بحياتي وأوجه ضربة واحدة لخلق ثغرة؟ إذا تمكنت من اختراق الجسر في تلك اللحظة الخاطفة…!”
“هل تظن أن خبيراً لا يمكنك هزيمته أبداً سيسمح لك بمثل هذه الثغرة؟ هناك أمور كثيرة في هذا العالم لا يمكن تحقيقها حتى لو أحرق المرء حياته ما تقوله ليس شجاعة، بل هو تهور.”
“تباً.”
شعر النوابغ في قاعة المأدبة وكأنهم يخوضون نقاش السيف ضد ذلك الخبير المجهول الذي وضعه زعيم عائلة جيغال.
[نقاش السيف : هي نوع من أنواع المبارزة الذهنية التي لا تعتمد على القوة الجسدية، بل على الذكاء التكتيكي وشرح التقنيات شفهياً]
وضع دانغ هوي يده على ذقنه مفكراً، ثم قال بصوت منخفض
“ما مدى عرض وعمق النهر تحت الجسر؟ هل هو عميق بما يكفي للعبور غوصاً؟”
“كما قلت في البداية، هو نهر كبير وعريض جداً كما أن تيار الماء هائج للغاية، ومن المستحيل العبور غوصاً.”
ثم تقدم دانغ تاي يول قائلاً
“في مثل هذا الموقف، سأستخدم السم مهما كان الخبير قوياً، فإنه فوق جسر لا يوجد فيه مكان للاختباء، سيضطر في النهاية للقفز في الماء وفي تلك الأثناء، سأستخدم مهارات خفة الحركة بأقصى سرعة لأعبر.”
لقد كان تفكيراً يليق بمقاتل من عائلة دانغ في سيشوان.
“أسلوب مثير للاهتمام ولكن، إذا رششت سماً مسحوقاً، فسيقوم بإعادته إليك بسهولة باستخدام طاقة كفه أو ريح سيفه، وإذا كان سماً سائلاً، فكل ما عليه فعله هو التراجع بضع خطوات للخلف لتجنبه لن تتمكن من عبور هذا الجسر بتلك الطريقة.”
“…”
بينما ساد صمت مفاجئ، سأل أحد الأسياد الشبان بصوت رزين
“هل تسمح لي بأن أدلي برأيي؟”
بدأ كلامه بتلك الطريقة وكأنه يريد جذب الأنظار إليه، فأومأ زعيم عائلة جيغال برأسه.
“السيد الشاب غويانغ، تفضل وقل ما عندك.”
“ماذا عن الجانب السفلي من الجسر؟ إذا قمت بإخفاء حضوري تماماً، وتشبثت بالهياكل السفلية للجسر وعبرت سراً؟”
تعالت صيحات الإعجاب من بعض النوابغ عند سماع هذا الجواب.
“أوه، يبدو أنها طريقة جيدة حقاً!”
“في حالة الغوص، يجب أن يرفع المرء رأسه فوق سطح الماء للتنفس، ولكن بهذه الطريقة…!”
“يقولون إن تحت المصباح يكون مظلماً، لم أفكر أبداً في استهداف الجزء السفلي من الجسر.”
“يبدو أن هذا هو الجواب الصحيح.”
ومع تزايد التأييد من حوله، ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه السيد الشاب غويانغ.
التفت إي هيون بنظره نحو ذلك الاتجاه دون قصد.
‘إذاً هذا الفتى هو ابن زعيم عائلة غويانغ.’
لقد التقى بزعيم عائلة غويانغ خلال حادثة محاولة اغتيال سيد قلعة سوك السابقة.
ربما لهذا السبب، وبالرغم من أنها المرة الأولى التي يراه فيها، لم يشعر أن ابنه، السيد الشاب غويانغ، غريب تماماً.
لكن في تلك اللحظة، التقت نظراتهما، فحدق السيد الشاب غويانغ في إي هيون بنظرة حادة وعدائية.
‘…؟ ما الخطب؟’
وبينما كان يشعر بالحيرة من هذا التصرف، قطع زعيم عائلة جيغال الحديث بحزم
“هذا غير ممكن بالطبع خبير بذلك المستوى سيشعر بك في اللحظة التي تقترب فيها، سواء عن طريق الصوت أو الإحساس بالطاقة في اللحظة التي تمر فيها تحت قدميه، سيجعلك تسقط في مياه النهر الباردة بضربة واحدة من قدمه على الجسر ربما لو كنت تملك مهارات تخفٍ عالية المستوى وتستطيع استخدام تقنية للتسلق في آن واحد لكان الأمر ممكناً، لكن بالنسبة لك الآن، فهذا مستحيل.”
“…… فهمت.”
في وسط الصمت الذي خيم على المكان مرة أخرى، فتح بانغ سوول فمه وتحدث بصوت واثق بعد أن كان يراقب الموقف بهدوء
“ماذا لو قمت بمراقبته بإصرار لعدة أيام؟ ذلك الخبير إنسان في النهاية، ولا يمكنه حراسة الجسر ليل نهار دون انقطاع سيحتاج للنوم وتناول الطعام بلا شك، وسأستغل تلك الثغرة للعبور.”
ضرب أحدهم على ركبته قائلاً
“هذا صحيح! استخدام القوة ليس الطريقة الوحيدة للعبور.”
“بالتأكيد بما أنه بشر، فلا يمكنه البقاء مسمراً في مكانه للأبد لقد كانت نقطة غائبة عن أذهاننا.”
التفت النوابغ حوله نحو بانغ سوول بوجوه يملؤها الإعجاب بهذا الحل غير المتوقع، لكن زعيم عائلة جيغال أطلق ضحكة خفيفة ساخرة.
“إجابة جيدة، لكن ألم أقل لك إن الخصم خبير يتفوق عليك بمراحل في القوة؟ إذا راقبته من مسافة بعيدة جداً، فلن تتمكن من العبور في الوقت المناسب حتى لو ترك مكانه أما إذا استمررت في مراقبته عن قرب، فسيُكشف أمرك سريعاً هل لدى ذلك الخصم أي سبب يجعله ينتظرك لعدة أيام وهو تحت مراقبتك؟”
“…… كلامك منطقي إذا أطلت الوقت بهذا الشكل، فكل ما على الخصم فعله هو قتلي أو إخضاعي.”
“بالضبط وبما أننا فتحنا هذا الموضوع، سأضيف شرطاً آخر: أنتم لديكم سبب عاجل لا يحتمل التأخير ويحتم عليكم عبور الجسر بأسرع وقت ممكن ها، فهل من وسيلة؟”
يبدو أنه وضع هذا الشرط ليقطع الطريق على أي إجابة تقترح الانتظار لسنة أو سنتين.
“…”
“…”
خيم صمت ثقيل على قاعة المأدبة.
فمهما كانت الحلول المقترحة، كانت تصطدم دائماً بذلك الافتراض المطلق: خبير ساحق لا يمكن هزيمته أبداً
ومع ذلك، لم يكن زعيم عائلة جيغال يطلق شروطًا تعجيزيه بلا منطق ، فالفجوة الهائلة في القوة كفيلة بسحق كل المحاولات بالفعل.
وفي الواقع، لو وقف زعيم عائلة جيغال نفسه فوق ذلك الجسر وكان على أحد الموجودين هنا العبور، لكانت النتائج مطابقة تماماً لما دار في هذا الحوار.
بدأت علامات الارتباك تظهر بوضوح على وجوه النوابغ.
هل هناك جواب صحيح لهذا اللغز أصلاً؟
ما الذي يمكن لنابغة شاب أن يفعله في موقف يائس كهذا؟
وعندما لم يتقدم أحد، وقعت نظرات زعيم عائلة جيغال على مو يونغ غون، الذي كان يحدق في الفراغ بملامح ذاهلة.
“السيد الشاب التاسع مو يونغ، ما رأيك أنت؟”
“…… همم، لو كان خبيراً بهذا المستوى، سأطلب منه أن يقبلني تلميذاً لديه…… فمن المفترض أنه لن يقتل تلميذه……”
“…… هذا غير ممكن.”
بعد أن رُفضت حتى إجابة مو يونغ غون الهزيلة بحزم، خيم صمت مطبق على القاعة، ولم يعد هناك من يجرؤ على التقدم للمحاولة.
طوى زعيم عائلة جيغال مروحته اليدوية، وتفحص وجوه النوابغ واحداً تلو الآخر.
كان من المتوقع أن يسأل ابنه جيغال روك، لكنه لم يلتفت نحو ابنه ولو بنظرة واحدة.
‘سأطرح سؤالاً في المأدبة القادمة، وعليك أن تلتزم الصمت ولا تجيب أبداً.’
تذكر جيغال روك التحذير البارد الذي تركه والده قبل بدء المأدبة، فعض على شفتيه لا إرادياً.
راقب زعيم عائلة جيغال الحاضرين الذين بدوا وكأنهم ابتلعوا عسلاً (صامتين بعجز)، ثم رفع فنجان الشاي بوقار وهدوء.
‘هذا القدر كافٍ.’
في الأصل، لم يكن يتوقع الحصول على إجابة صحيحة.
كان ينوي الاستماع إلى إجابات الفتيان ليريهم حدود تفكيرهم، ثم يمنحهم الحل في النهاية.
فجمعية التنانين الصاعدة تهدف أساساً لصقل خبرات هؤلاء النوابغ الشباب.
وعلى عكس الآخرين الذين خفضوا رؤوسهم بارتباك، كانت عينا إي هيون هادئتين وصافيتين، تحدقان مباشرة في زعيم العائلة.
ذلك الوجه الذي بدا وكأنه نسخة طبق الأصل من أخته الصغرى..
في تلك اللحظة، اختفت الابتسامة عن وجه زعيم عائلة جيغال، لكن ملامحه الخالية من التعبير سرعان ما مُسحت بابتسامة دافئة عادت للظهور سريعاً، وسأل بصوت ناعم
“ماذا عن السيد الشاب الثالث لعائلة دانغ، أليس لديه فكرة جيدة؟”
اتجهت أنظار الجميع في القاعة نحو إي هيون في آن واحد.
“السيد الشاب الثالث لعائلة دانغ؟”
“إذاً هذا هو السيد الشاب الثالث الذي تتناقله الشائعات.”
“سمعت أنه لم ينهض من فراش المرض إلا منذ مدة قصيرة، ومع ذلك حضر إلى هنا…”
تعالت الهمسات الخفية والنظرات المليئة بالفضول.
ورغم ذلك الصخب، فتح إي هيون فمه وتحدث بنبرة هادئة للغاية
“مما صُنع ذلك الجسر؟”
“الأعمدة من الحجر، أما السطح فمصنوع من الخشب إنه أسلوب بناء شائع.”
“فهمت إذاً الجواب بسيط.”
بمجرد نطق تلك الكلمة، ساد هرج ومرج بين النوابغ الذين كانوا متجمدين في أماكنهم.
“بسيط؟”
“لا بد أنه تفاخر فارغ”
“ما هو الجواب الذي ينوي قوله…”
مد زعيم عائلة جيغال يده باهتمام
“بسيط، هكذا تراه؟ إذاً قل لي، كيف ستعبر ذلك الجسر؟”
نظر إي هيون مباشرة في عيني زعيم عائلة جيغال وقال بهدوء
“لو كنت مكانه، سأخبر ذلك الخبير أنني سأحرق الجسر.”
“…”
في تلك اللحظة، ساد صمت ثقيل في قاعة المأدبة الفاخرة وكأنما سُكب عليها ماء بارد.
وسرعان ما انفجرت أصوات النوابغ بذهول وسخرية
“ماذا؟ تحرق الجسر؟”
“ظننت أنه سيخرج بفكرة عبقرية، ولكن…”
“إجابة غبية.”
“إذا دمرت الجسر، ألن تمنع نفسك من العبور أيها السيد الشاب؟”
عند سماع ذلك السؤال الأخير الذي حمل حيرة بريئة، ارتفعت زوايا فم اي هيون قليلاً
“هذا صحيح.”
أمال نام غونغ جي تشون رأسه بملامح لا تفهم الأمر بتاتاً
“إذا فعلت ذلك، ألن تحقق مصلحة الخصم فقط؟ الخبير واقف هناك ليمنعنا من العبور، فما الفائدة من تدمير الجسر بنفسك؟”
“في اللحظة التي تقول فيها ذلك، تنتقل زمام المبادرة إليك.”
“وكيف يحدث ذلك؟”
“لأن ذلك الخصم يحتاج إلى الجسر أيضاً.”
“…!”
“آه…!”
بمجرد نطق تلك الكلمات، علت ملامح الإعجاب على وجوه بانغ سوول وعدد من الحاضرين الذين أدركوا المغزى فوراً.
أما بوم سانغ جين، فصرخ بانفعال واستعجال
“مـ.. ماذا تعني بذلك؟! أرجوك أكمل الشرح يا سيد دانغ الشاب الثالث…!”
“في هذه المعضلة، لا أملك وسيلة لعبور النهر ما لم أستخدم الجسر، تماماً كما أوضح زعيم عائلة جيغال من خلال إجاباته على الأسئلة السابقة.”
“…”
وبينما كان زعيم عائلة جيغال يراقب إي هيون بصمت، هتف بوم سانغ جين بحماس مشجعاً إياه على الإكمال
“أوه، هذا صحيح! ولكن ما علاقة ذلك بتهديدك بحرق الجسر؟!”
“لو كان هدفه الوحيد هو منعي من العبور، فإن الطريقة الأبسط والأضمن هي تدمير الجسر تماماً فبما أن التيار هائج وعرض النهر شاسع، فإن السباحة أو استخدام الطوف أمر مستحيل بالنسبة لنا على الأرجح سينقلب الطوف قبل أن يقطع مسافة قصيرة، وإن حاولنا السباحة فسيجرفنا التيار هل يوجد بينكم هنا من سبق له دخول نهر هائج كهذا أو جرب قيادة طوف؟”
“…”
لم يجب أحد على سؤاله؛ ففي الحقيقة، لم يسبق لأحد منهم حتى ركوب طوف في نهر هادئ، ناهيك عن واحد ثائر.
أومأ إي هيون برأسه وتابع
“كما ترون، لو دمر الخصم الجسر بنفسه، لما احتاج لبذل الجهد في المراقبة والحراسة ومع ذلك، لم يختار الخصم هذا الطريق السهل لماذا برأيكم؟”
وسط صمت عجيب خيم على الحاضرين، قدم إي هيون الإجابة
“لأن ذلك الخصم يحتاج إلى الجسر أيضاً سواء كان ذلك لمرور قواته، أو لاستخدامه كطريق للإمدادات، أو حتى كطريق للتراجع… أياً كان السبب، فهذا يعني أن الخصم سيقع في مأزق إذا فُقد هذا الجسر.”
“…”
وبينما حبس الجميع أنفاسهم وهم يحدقون في اي هيون وحده، ابتسم الأخير بخفة
“لذلك، لو كنت مكانه، سأضع الجسر نفسه على طاولة المفاوضات، وسأستخدمه لإغراء الخصم أو تهديده.”
“…”
“…”
تيك، تيك، تيك.
في تلك اللحظة، انبعث صوت تصفيق بطيء من مقعد الصدارة.
كان ذلك زعيم عائلة جيغال.
خلف عدسات نظارته، ارتسمت على عينيه الضيقتين ابتسامة غامضة يصعب تفسيرها
التعليقات لهذا الفصل " 192"