بعد تبادل أطراف الحديث لفترة، خيّم صمتٌ ثقيل وبارد بين الرجلين.
بمجرد أن أخرج إي هيون تابعه جيوك بول هاي من الغرفة، فتح بونغ دو جين قلبه بصوتٍ يملؤه اليأس
“أأنت هو ذلك الفتى المزعج صاحب القناع؟”
“أجل.”
“لقد كنتَ طفلاً أصغر مما توقعت.”
كان من المتوقع أن يغضب من حقيقة أن صاحب القناع الذي هدده ووعظه لم يكن سوى صبي صغير، إلا أن بونغ دو جين كان هادئاً بشكل مريب، كشخصٍ تخلى عن كل شيء.
قال بونغ دو جين بنبرة فاترة
“السبب في تصفية هذه المدرسة بسيط؛ لم يعد هناك مبرر لاستمرارها.”
“ماذا تقصد بذلك؟”
أجاب بونغ دو جين بابتسامة مريرة ممزوجة بالسخرية من الذات
“…. ابن الرجل الذي حاول قتل طفل لسرقة فنونه القتالية، بأي وجهٍ يمكنه أن يرتدي قناع الطائفة الصالحة ويدير مدرسة؟ إن تعليم التلاميذ روح الفروسية والعدالة تحت هذه اللافتة هو محض نفاق.”
لجمت الصدمة لسان إيهيون وظهر الذهول على وجهه
“كيف علمتَ بذلك؟”
لم يتوقع أن هذا الشخص يكترث فعلاً لروح الفروسية ، لدرجة أنه بمجرد علمه بالحقيقة، قرر تصفية المدرسة التي كان يستميت لوراثتها.
كان من المربك التفكير في أن شخصاً كهذا حاول قتل باك ريم سابقاً، لكن اي هيون أدرك أن البشر كائنات معقدة؛ قد يرتكبون الشر في جانب، ويتمسكون بالحق في جانب آخر.
ضحك بونغ دو جين ضحكة ساخرة مريرة
“هاهاها! يبدو أنك كنت تعلم أيضاً حتى أنت، الذي لا علاقة لك بمدرسة بونغ دو ، كنت تعرف الحقيقة أما أنا، صاحب المدرسة، فكنت الأحمق الوحيد الذي غرق في جهله!”
“…….”
لم يكن من الممكن أن يخبره بايك ريم بذلك، إذاً..
‘لا بد أنه سمع الأمر من غيوم ران.’
في تلك اللحظة، تذكر إي هيون العقد الذي وقعه مع بونغ دو جين؛ العقد الذي أقسم فيه الأخير ألا يقترب من غيوم ران.
“بونغ دو جين لقد قابلتَ غيوم ران، أليس كذلك؟”
“…….”
أطبق بونغ دو جين شفتيه وأزاح بنظره بعيداً.
ضيق إي هيون عينيه
“لا تخبرني أنك نكثت العقد و—”
“كلا! لقد كان لقاءً بمحض الصدفة ليس إلا.”
“تلتقي بشخص صدفة فتخوضان في أسرار عائلية مخزية؟ هذا الكلام غير منطقي.”
“…….”
تنهد بونغ دو جين بعمق كمن يستسلم، ومسح وجهه بخشونة
“…. مهما فكرت، لم أستطع قبول ما قاله بايك ريم أن يتشاجر شخص بطبيعته مع والده بسبب رفضه توريثه المدرسة.. هذا أمر لا يمكن تخيله لمن يعرفه حقاً.”
يبدو أن سنوات العيش معاً لم تذهب سدى.
“…. لذا، كان عليّ أن أعرف ما حدث حقاً آنذاك كما أن غيون ران بدأت تتجنبني بوضوح منذ ذلك الوقت، فحدستُ أنها ربما تعرف شيئاً كان مجرد شعور مبهم.”
“فهمت لذا ذهبت إليها لتسألها عن ذلك.”
“ذهبتُ لأسألها عما حدث فعلاً، وهذا كل شيء يمكنك التأكد منها بنفسك.”
“…….”
جال إي هيون ببصره في المكان
“بعد أن تصفي المدرسة، ما الذي تنوي فعله؟”
“أنا أفكر تملك العائلة بعض المدخرات، لذا قد أنتقل لمدينة أخرى وأفتح متجراً صغيراً.”
“دون استخدام مبنى مدرسة بونغ دو؟”
“هذا العقار واسع جداً ليكون متجراً صغيراً، وموقعه ليس مثالياً.. وعلاوة على ذلك، لم أعد أرغب في البقاء في هذا المنزل.”
بقراره تصفية المدرسة، أصبح العقد الذي أجبره إي هيون على توقيعه بلا قيمة فعلياً، لأن قيمة ذلك العقد كانت تكمن في حرص بونغ دو جين على سمعة المدرسة.
‘لم أتخيل أبداً أنه سيتخلص من التزامه بالعقد بهذه الطريقة.’
نظر إي هيون إلى بونغ دو جين؛ كان يبدو وحيداً وهو يراقب الشجرة الكبيرة خارج النافذة بنظرة شاردة، وكأنه يسترجع ذكريات طفولته هنا مع بايك ريم وغيوم ران وتلامذته.
فجأة، نظر إي هيون إلى الحلويات الكثيرة على الطاولة؛ أدرك من أنواع الشاي الموجودة أنه كان يفكر في فتح دار شاي
“إدارة دار شاي ليست بالأمر السهل، خاصة في المناطق التجارية حيث المنافسة شديدة هل أقول إن اندفاعك في تصفية المدرسة دليل على قوة عزيمتك، أم هو مجرد قرار متهور؟”
“لماذا أضيع الوقت في التردد ما دامت النتيجة لن تتغير مهما فكرت؟”
“إذاً، هل تنوي بيع هذا العقار؟”
“هذا هو المفترض.”
رسم بونغ دو جين ابتسامة ساخرة على شفتيه
“لكنني لا أعرف إن كان سيُباع فعلاً.”
“ولماذا؟”
“لأنني ببساطة لا أرغب في بيعها لشخصٍ ينوي تحويلها إلى مدرسة فنون قتالية أخرى مهما حدث.. ومن ناحية ثانية، لا أدري إن كان هناك من يرغب في شراء هذا العقار لاستخداماتٍ غير ذلك.”
“ولماذا؟ أرى أن المبنى يمكن استغلاله بطرق شتى حسب حاجة المشتري.”
“بما أن المكان أُسّس ليكون مدرسة، فإن ساحات التدريب تشغل مساحة شاسعة منه أضف إلى ذلك أننا بعيدون عن المناطق الحيوية، مما يجعل الموقع غير مثالي لافتتاح متجر وبما أن طموح عائلتنا المتوارث كان الارتقاء بالمدرسة لتصبح طائفة ، فإن الأرض واسعة جداً لكن يملؤها الفراغ لذا، فهي ليست مناسبة حتى للسكن العادي من يملك فائضاً من المال قد يهدمها ويبنيها من جديد، لكن من يملك تلك الثروة، ألن يبحث عن عقارٍ أفضل منذ البداية؟”
كان كلامه منطقياً وصريحاً في كل تفاصيله، لكن توقعات بونغ دو جين بشأن عدم العثور على مشترٍ كانت خاطئة تماماً.
“أحقاً؟ إذاً، قم بجولة معي وأرني أرجاء المنزل.”
“…. ماذا قلت؟”
“ألم تقل أنك تنوي تصفية المكان على أي حال؟”
كان إي هيون في ذلك الوقت يبحث بجدية عن مقرٍ لتصنيع حبوب مئة سم في منطقة هابوك؛ فقد أدرك أن نقل أعشاب الجرس الذهبي إلى مقاطعة سيشوان البعيدة ليس سوى ضربٍ من الحماقة.
ورغم أن إي هيون يحصل على هذه الأعشاب من تجار تشو ريونغ في منطقة لياونينغ، إلا أن هذا النبات يُجلب في الأصل من مناطق أكثر شمالاً.
وبحكم طبيعة هذا النبات الذي ينمو في الصقيع القارس والأجواء الجافة، فإنه لا يتناسب أبداً مع مناخ سيتشوان الحار والرطب.
علاوة على ذلك، أليست سيتشوان منطقة حوض تحيط بها سلاسل جبلية وعرة من كل جانب؟ إن نقل البضائع من هابوك إلى سيتشوان ليس بالأمر الهين، والمخاطرة بفساد الخصائص الطبية للأعشاب خلال تلك الرحلة الطويلة كانت كبيرة جداً.
في المقابل، إذا صُنعت الحبوب هنا في هابوك، فسيتمكن من استلام الأعشاب من التجار مباشرة، مما يلغي خطر تلفها أثناء النقل، ويوفر الكثير من الوقت والتكاليف.
كانت هناك مشكلة أخرى تتعلق بصنع الحبوب داخل سيتشوان؛ وهي وجود الكثير من العيون داخل طائفة دانغ التي تراقب تحركات السيد الشاب الثالث، ومن بينهم أولئك الذين حاولوا قتله سابقاً.
فإذا صُنعت الحبوب داخل الطائفة، سيكون تسرب الوصفة مسألة وقت ليس إلا، ولا أحد يضمن ما قد يفعله ذوو النوايا الخبيثة.
لذا، أراد إي هيون فصل عملية تصنيع حبوب مئة سم عن طائفة دانغ تماماً، لاسيما وأنه يحتاج لبناء مصدر دخل مستقل ومنفصل عن أموال العائلة؛ وهذا هو السبب ذاته الذي جعله يبرم عقداً منفصلاً مع رب عائلة غويانغ.
بناءً على كل ذلك، كان إنشاء ورشة لتصنيع الحبوب في هابوك خياراً منطقياً للغاية.
“في الواقع، كنت أفكر في بدء مشروع تجاري صغير هنا في بكين.”
“مشروع تجاري؟”
“أجل وكنت أبحث بالفعل عن عقار مناسب، وبما أنك تنوي إغلاق هذا المكان، أود إلقاء نظرة عليه.”
“ولأي غرض ستستخدمه؟”
“اطمئن، لن يكون مدرسة فنون قتالية على الأقل.”
“…….”
بالفعل، أي مدرسة فنون قتالية قد يفتتحها صبي صغير كهذا؟ أومأ بونغ دو جين برأسه موافقاً؛ فبالنسبة له، سيكون أمراً جيداً أن يشتري أي شخص هذا العقار.
“اتبعني.”
جال إي هيون في أرجاء مدرسة بونغ دو برفقة صاحبها، يتفحص كل زاوية فيها وهو يمسح ذقنه بتمهل.
‘إنه مثالي تماماً.’
حتى وجود ساحة التدريب كان أمراً إيجابياً في نظره؛ ففي النهاية، يحتاج الأفراد الذين سيحرسون هذا المكان إلى مساحة للتدريب، أليس كذلك؟
علاوة على ذلك، لم يكن لدى إي هيون نية لاستخدام هذا المكان كمجرد ورشة لتصنيع الحبوب الطبية فحسب.
لذا، فإن وجود مساحات شاسعة فارغة تسمح ببناء ملحقات إضافية مستقبلاً وفقاً للحاجة كان أمراً نال استحسانه كما أن المباني القائمة كانت كافية لتتحول إلى مخازن وورش عمل.
“بما أنك تبحث عن وجهة جديدة، ما رأيك في العمل تحت إمرتي؟”
ارتسمت على وجه بونغ دو جين تعابير وكأنه سمع أغرب شيء على الإطلاق
“أأنت تمزح معي؟”
“بل أنا جاد تماماً.”
أخرج إي هيون لوح الهوية من صدر ثوبه وأراه إياه
“ربما لا ترغب في العمل تحت إمرة من هو أصغر منك سناً، ولكن إذا كان رب عملك هو أحد أسياد عائلة دانغ، ألا يستحق الأمر التفكير؟”
اتسعت عينا بونغ دو جين من الصدمة، ثم تنهد مقتنعاً
“لم أظنك يوماً طفلاً عادياً.. أقصد، لم أظنك كذلك يا سيد لكن لم أتخيل أبداً أنك السيد الشاب الثالث لعائلة دانغ الموقرة.”
أعاد إي هيون لوح الهوية إلى مكانه وتابع
“أنا غريب عن أحوال بكين، لذا أحتاج إلى شخص خبير بشؤونها أنت تعرف هذه المدينة جيداً، وقد اكتسبت حساً تجارياً من خلال إدارتك للمدرسة، لذا أراك الشخص الأمثل لمساعدتي ما قولك؟”
تردد بونغ دو جين قليلاً قبل أن يقول بحذر
“هناك من هو أنسب مني لهذا الدور.”
“ماذا؟ من؟”
“إنها غيوم ران.”
استدارت عينا إي هيون من المفاجأة؛ فلم يتوقع أبداً أن يقترح عليه خطيبته السابقة التي رفضته.
“إنها تبذل قصارى جهدها للاعتماد على نفسها هناك من يستخف بها لكونها امرأة، وبما أنها لا تزال في بداية طريقها، يبدو أن الأمور ليست سهلة بالنسبة لها من جوانب عدة..”
“……”
“إنها الشخص الذي واكبت أعمال والدها عن قرب، وهي أدرى الناس بالأسواق وشبكة العلاقات في بكين وإن أردنا قياس الحنكة والمهارة، فهي تفوقني بمراحل.”
تابع بونغ دو جين حديثه بنظرة هادئة وواثقة
“تسعى غيوم ران بكل قوتها للاستقلال عن عائلتها وعن سلطة والدها، قبل أن تُجبر مرة أخرى على زواج لا ترغب فيه ولتحقيق ذلك، هي بحاجة إلى قاعدة صلبة تستند إليها وبما أنك -أيها السيد الشاب الثالث- بحاجة إلى مساعدٍ خبير بشؤون بكين، فلا أرى مزيجاً أفضل منكما لسد ثغرات الآخر وعلاوة على ذلك، ألا يكفي صمتها المطبق عن ذلك الأمر حتى الآن دليلاً على أنها شخصٌ يمكن الوثوق برزانته وكتمانه للأسرار؟”
كان كلامه مقنعاً حقاً.
بدأ الغموض ينجلي أخيراً حول السبب الذي جعل بايك ريم يستميت في حماية هذا الشخص؛ فقد اتضح أن بونغ دو جين يمتلك جوهراً قد يجعله إنساناً أفضل.
ربما كانت هذه هي شخصيته الحقيقية في الماضي، قبل أن تنهال عليه الضغوط؛ من تدهور أحوال المدرسة وتناقص عدد طلابها، إلى غيرته من بايك ريم، وغياب والده، وصولاً إلى صدمة رحيل خطيبته.
كل تلك الأزمات لم تفعل سوى أنها كشفت عن أسوأ ما فيه حين وصل إلى الحضيض.
وبالطبع، فإن وصوله إلى هذا الحضيض النفسي، لدرجة محاولة قتل رفيقه بايك ريم ، هو فعلٌ شنيع لا يمكن أن يبرره أي عذر
“بالمناسبة يا بونغ دو جين، لدي سؤال أود طرحه عليك.”
“ما هو؟”
“لماذا حاولت قتل بايك ريم؟ هل كان ذلك شيئاً فكرت فيه بنفسك؟”
التعليقات لهذا الفصل " 183"