نظر بانغ سوول إلى إي هيون بنظرة تنم عن الاستخفاف، وكأنه يرى شخصاً يثير الشفقة.
“ما أقوله هو أن كلماتك تلك لا تحمل أي قوة إقناع، طالما أنك تتحدث بهذا التعبير على وجهك.”
هبّ إي هيون واقفاً من مكانه والدهشة تعلو محياه، وكأنه لا يفهم ما يُرمى إليه.
اقترب من مرآة موضوعة في زاوية الغرفة وأخذ يتأمل ملامحه بتمعن.
صرخ اي هيون بنبرة يشوبها الشعور بالظلم بعد أن عاين تعابير وجهه في المرآة
“ما بها تعابير وجهي؟ إنها تبدو طبيعية تماماً!”
“أتسمي ما تقوله الآن منطقاً…؟”
“…. لا، حقاً، هذا هو تعبير وجهي المعتاد، ما المشكلة فيه بالضبط؟”
بينما كان إي هيون يعبث بوجنتيه بتعجب، مسح بانغ سوول وجهه بيده من شدة الضيق الذي لم يعد يطيقه.
“حسناً، انسَ الأمر واجلس فحسب.”
“…….”
وعندما عاد إي هيون ليجلس في المقابل بحذر، وكأنه يتفحص رد فعله بخفية، أطلق بانغ سوول تنهيدة طويلة.
“حسناً لأكن صادقاً معك، مشاعري معقدة بالفعل ولكن ما الحيلة؟ كما قلتَ أنت، أي شخص في مكاني سيمر بذات الحالة.”
“أرأيت؟ هذا طبيعي جداً.”
وما إن وافقه إي هيون الحماس بسرعة وكأنه كان ينتظر هذه الكلمات، حتى تعمقت الغضون بين حاجبي بانغ سوول.
“أقصد رد فعلك هذا! هذا الرد هو السبب!”
“…….”
بينما كان إي هيون يراجع كلامه في ذهنه ليرى إن كان هناك خطأ ما، لم يستطع بانغ وول الاحتمال أكثر، فتناول كوب الشاي.
تجرع الشاي دفعة واحدة وكأن نيران الغيظ تشتعل في صدره، ثم وضع الكوب فوق الطاولة بقوة أحدثت صوتاً مدوياً، وكأنه يضع كأساً من الخمر.
“آه… ألم تنسَ بعد؟ عندما قلتُ إنني سأناديك باسمك منذ الآن، رفضتَ ذلك!”
“لم أرفض، بل قلتُ إن الثمن هو مئة قطعة ذهبية.”
“يا لك من…!”
“…….”
ارتجف اي هيون عندما رأى بانغ سوول يحكم قبضة يده.
حكّ بانغ سوول جبينه وتنهد بأسى
“أنا حقاً لا أفهم لماذا تشعر بكل هذا الذنب تجاهي؟”
“ماذا؟”
“ألم تقل إنك لم تدخل هذا الجسد بمحض إرادتك؟”
“بلى، قلتُ ذلك.”
“ومع ذلك، تبدو وكأنك ارتكبت جريمة كبرى، وتظهر تعبيراً يقول ‘سأقبل بأي معاملة قاسية من السيد الشاب بانغ دون اعتراض’… هذا ما يقرؤه المرء على وجهك!”
هز إي هيون رأسه بذهول
“لا، عن ماذا تتحدث؟ لم يحدث ذلك قطرأنت تسيء الفهم.”
“أي سوء فهم؟”
تجعد وجه بانغ سوول غضباً
“أنت الذي طلبتَ أن أُعاملك كبشر، ولكن حين بدأتُ أفعل ذلك، تطلب مني أن أناديك بالشيطان مرة أخرى؟ بل وتطلب أن أعود لمعاملتك بفظاظة كما في السابق؟! وعندما أحاول سؤالك عن نفسك، تتهرب وتقول كلمات تُفقدني صوابي!”
“…….”
“من الطبيعي أن يصبح موقفي حذراً تجاهك! لو كنتَ مكاني، ألم تكن لتفعل الشيء نفسه؟”
أخذ بانغ سوول نفساً عميقاً وصمت لبرهة؛ فقد طفت على سطح ذاكرته ذكرى من الماضي القريب.
ترددت في أذنيه أصداء صرخة ذلك اليوم كأنها هلاوس سمعية.
ومع استرجاع تلك الصرخة، شعر وكأن تلك الحمى الغالية التي أحرقت رأسه في ذلك اليوم بدأت تسري في جسده من جديد.
ذلك اليوم الذي كان فيه فاقداً لصوابه تقريباً، وهو يفتش بين الأدغال بجنون، متتبعاً عطر التعقب الخاص بعائلة بانغ، والذي كان عالقاً بقطع الفضة التي أعطاها لذلك الفتى.
وعندما التقطت حاسة سمعه، التي بلغت ذروة تركيزها، صرخةً خرجت بصوت هيون… شعر بانغ سوول بقشعريرة تسري في كامل جسده.
‘لا! هيون!’
اندفع بانغ سوول كالسهم نحو مصدر الصوت.
كانت الأدغال التي تحجب رؤيته تتراجع للخلف بسرعة مخلّفةً صوتاً هادراً، بينما كانت الأغصان الخشنة تخدش وجنتيه، لكنه لم يشعر حتى بالألم.
سلّم جسده بالكامل لارتداد الأرض تحت قدميه، وشق الغابة مندفعاً كالمجنون.
وبينما كان يركض بسرعة تجعل رئتيه على وشك الانفجار، كان صوت الرجل ذي العين الواحدة القاسي يتردد من بعيد
‘سأصنع في جسدك ثقوباً أخرى الواحد تلو الآخر بما أنك ستموت على أي حال، فلا أظنك ترغب في أن يتألم جسدك وهو يثقب بالكامل، أليس كذلك؟ تكلّم!’
كان صوتاً يهدد ذلك الشيطان بلا شك.
وفي اللحظة التي لاحت فيها نهاية الأدغال الكثيفة..
‘هاها… لا أعرف، لا أعرف! هل عليّ أن أقول هذه الكلمات المبتذلة؟’
وأخيراً، انقشع كل ما يحجب الرؤية، ليظهر ذلك الفتى وهو يتمتم بحال مزرية بينما يثبته الرجل أرضاً.
أدرك بانغ سوول على الفور؛ أن صوته كان يرتجف من شدة الرعب.
ومع ذلك، لم يكن لديه أي نية لإفشاء مكان اختباء بانغ سوول.
أمام مشهد كهذا، كيف يمكن لأحد أن يظن أنه تمثيل؟ من المؤكد أن هذا الفتى، عندما يخدع الأشرار، يتصرف بوقاحة لا مثيل لها ويتملص ببراعة كالأفعى.. وأحياناً يتصرف هكذا حتى مع من ليسوا أشراراً.
على أي حال.
حتى هذا الفتى، رغم براعته في التخفي، كانت تظهر على ملامحه الهادئة أحياناً شقوقٌ دقيقة، تماماً كخيوطٍ رفيعةٍ في لوح زجاجي.
كانت مجرد لحظة عابرة، ثغرة لا تدوم لأكثر من لمح البصر، لكن لسببٍ غامض، كانت عينا بانغ سوول تلتقطان ذلك التعبير المتخفي بوضوحٍ شديد
ورغم ذلك، وبما أنه فتى واسع الحيلة، كان يحاول تجاوز الموقف بسرعة عبر إلقاء كلمات ماكرة أو استفزاز الخصم….ولا أدري إن كان يدرك فعله هذا أم لا.
مسح بانغ سوول مؤخرة عنقه
“لقد قلتَ قبل قليل.. إنه يمكنني التشكيك بك والحذر منك علانية كما في السابق وأن ذلك سيكون مريحاً لك أكثر.”
“…. لقد قلتُ ذلك.”
“لماذا قلتَ كلمات كهذه؟”
“لأنه لا مفر من ذلك.. فأنا لم أجبك أبداً بشكل لائق على ما تسألني عنه—.”
بمجرد أن نطق بتلك الكلمات دون وعي، استنشق إي هيون أنفاسه فجأة.
‘…. لم أكن أنتوي أن أكون صادقاً إلى هذا الحد.’
لقد زل لسانه.
تصبب العرق البارد على ظهر إي هيون، وحاول تدارك الموقف بسرعة فأضاف
“لا، أعني.. ليس المقصد أنني كنت أكذب عليك بل قصدتُ أن هناك أموراً يصعب شرحها ولا أستطيع البوح بها—.”
ضيق بانغ سوول عينيه عند سماع ذلك، ولوح بيده مقاطعاً
“كفاك أعذاراً واهية.”
“كلا، الأمر ليس كذلك حقاً.”
شعر إي هيون وكأن الدموع ستنهمر من عيني روحه. وفي اللحظة التي أراد فيها أن يؤكد بلهفة أكبر على صدق نواياه، قال بانغ سوول
“أعلم جيداً أن هناك أشياء لم تخبرني بها.”
“…….”
توقفت شفتا إي هيون عن الحركة.
عقد بانغ سوول ذراعيه ونظر من النافذة متابعاً حديثه.
“لكن حتى أنا لدي أمور لم أخبرك بها أجل، كلانا يملك أسراراً لم يكشفها للآخر، فما المشكلة في ذلك؟ أليس لكل إنسان أسرار يخبئها؟”
عضّ إي هيون شفتيه دون وعي عند سماع تلك الكلمات، بينما كان بانغ سوول يحدق فيه مباشرة بنظرات نافذة.
“ليس عليك معرفة كل شيء عن الشخص لكي تثق به بالطبع، لو كنتَ عدوي، لكنتُ أجبرتك على كشف كل ما تخفيه بكل الوسائل.”
“…. كأن تخلع كتفي مثلاً؟”
لم يستطع إي هيون تحمل ثقل هذه الأجواء، فنطق بتلك الجملة أخيراً، ليرتسم الانزعاج فوراً على وجه بانغ سوول.
“أتمزح في وضع كهذا؟ أنت حقاً…”
رد إي هيون بصوت منخفض ومنكسر قليلاً وهو يتفحص رد فعله
“…. لقد كانت ذكرى قوية جداً، وشعرتُ أنني لن أجد فرصة أفضل من هذه لاستخدامها.”
“يا لك من…”
“أنا آسف.”
أطلق بانغ سوول ضحكة ساخرة متبوعة بتنهيدة عميقة.
“حسناً، بما أننا فتحنا الموضوع، فأنا أيضاً أعتذر منك رسمياً عما حدث حينها.”
“كلا، لقد كان لديك كل الحق في فعل ذلك آنذاك أنا من يجب أن يعتذر أكثر.”
“هل نحن في مباراة الآن لنرى من منا المذنب الأكبر؟”
“يبدو الأمر كذلك.”
أمام رد إي هيون المقتضب، أضاف بانغ سوول بصوت فاقد للطاقة
“أليس من المفترض أن تتصرف بطبيعية أكثر؟ ربما لستُ في وضع يسمح لي بقول هذا، وكما قلتَ أنت، ربما كنتُ أتجنبك دون وعي لهذا السبب قد لا يكون كلامك خاطئاً تماماً.”
“…….”
“بصراحة، أنت شخص كثير الارتياب، وعقلك لا يتوقف عن الحياكة والتدبير، وفيك من الغموض ما يملأ الجبال، ولكن—”
“يكفي، لا داعي للإكمال أظنني عرفتُ البقية، فكلما استرسلتَ زاد الكلام قسوة.”
لم يتمالك بانغ شوول نفسه فصرخ غاضباً
“ما الذي عرفته بالضبط؟! أجل، هذا الجانب منك هو ما يثير حنقي!”
ارتمى إي هيون بوجهه فوق الطاولة بضعف، وكأنه لم يعد يملك طاقة للرد.
“حسناً، توقف فحسب.”
“…. أنت حقاً شخص لا يمكن فهم ما يدور في رأسه أبداً.”
“…….”
بينما كان بانغ سوول يملأ كوب الشاي لنفسه، تمتم إي هيون وهو لا يزال منبطحاً على الطاولة
“مناداتي لدانغ تاي يول بأخي الأكبر لم تكن بتلك النية التي ظننتها الأمر ببساطة أنني مضطر للتصرف كدانغ سا هيون طوال الوقت، ولا يمكنني فصل الألقاب عن بعضها في كل مرة.”
“…. لقد اعتذرتُ عن ذلك الأمر بالفعل.”
“…….”
نهض إي هيون بكسل عن الطاولة وملأ كوب الشاي الخاص به، ثم مد الكوب نحو صديقه.
“بانغ سوول، ما رأيك في رهان؟”
“رهان فجأة؟ أي رهان؟”
“أنت لا تزال تعاني من الأرق ولا تستطيع النوم بشكل جيد، أليس كذلك؟”
“كلا، أنا أنام بعمق!”
أمام إنكاره الفوري، ضيق إي هيون عينيه باستخفاف
“لا تكذب هل تظن أن الأرق يُشفى بهذه السهولة؟”
“…….”
“حسبما أرى، أنت لا تسهر لأنك ترغب في ذلك، بل لأنك ببساطة لا تستطيع النوم.”
“وماذا في ذلك؟”
“أيهما سيكون أسرع؛ أن تشفى أنت من أرقك اللعين، أم…”
توقف إي هيون عن الكلام لبرهة، ثم تابع
“… أم أنجح أنا في استكمال الطقوس العظمى التي ستعيد صديقك؟”
“…….”
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه إي هيون.
“من يربح بيننا، سيتعين على الآخر تنفيذ أمر واحد له دون قيد أو شرط كأن تصعد إلى ساحة التدريب وترقص أمام جميع مرؤوسيك، أو شيء من هذا القبيل.”
“ألديك كل هذه الجرأة وأنت لا تعلم ما قد آمرك به؟”
“يبدو أنك واثق من فوزك؟ رغم أنني أرى حالتك ستحعل الأمر صعباً عليك…”
رد بانغ سوول بهدوء
“سيكون الأمر أسهل بكثير من العثور على شخص لا نعرف حتى أين هو.”
“…….”
“لماذا طرحت فكرة هذا الرهان فجأة؟”
“حسناً، لأن التفكير في الأمر الذي سآمرك به سيعطيني دافعاً وقوة أكبر وأيضاً…”
أضاف إي هيون ببعض من الحرج
“ربما بجعل الأمر رهاناً، سيصبح هذا الموضوع أقل ثقلاً وإزعاجاً بيننا.”
ففي النهاية، كان كل من إي هيون و بانغ سوول يشعران بالتخبط والارتباك بسبب قلقهما المفرط على مشاعر الآخر بخصوص هذه المسألة.
وربما كان طرح الأمر علانية وبخفة تحت مسمى الرهان هو الحل الأفضل.
تأمل بانغ سوول عيني اي هيون بصمت لبرهة، ثم قرع كوبه بكوب الآخر.
التعليقات لهذا الفصل " 181"