توقف الصبي، الذي كان قد غادر الزقاق بعد القضاء على جميع الرجال المتشحين بالسواد، فجأة واستدار عائداً.
“لقد نسيتُ التعامل مع الجثث.”
رغم أنه كان لا يزال يجهل الكثير عن أحوال العالم، إلا أنه كان يدرك تماماً أن ترك الجثث ملقاة في شوارع بكين سيجذب حراس السلطة كالنحل.
نزع الصبي سروالاً أسود من إحدى الجثث، وكان الأقل تلطخاً بالدماء، ثم أدخل ساقيه فيه.
فملابسه الأصلية كانت مبتلة بالدماء لدرجة أنها التصقت بجسده، فضلاً عن كونها لافتة للنظر بشكل مبالغ فيه.
أما الجزء العلوي، فلم يجد له حلاً؛ فبسبب هجماته التي أزهقت أرواحهم، تمزقت قمصانهم كالأسمال البالية وغرقت في الدماء.
لم يجد خياراً سوى التخلي عن فكرة ارتداء قميص، فبقي عاري الصدر مكتفياً بالسروال، ثم أخرج قارورة صغيرة من ثنايا رداؤه الأبيض الأصلي.
جمع الجثث في مكان واحد، ثم أمال القارورة فوقهم.
فشششش…
بمجرد أن لامس المسحوق الخارج من القارورة حواف ثيابهم، اندلعت نيران مستعرة.
ظهر الضجر على وجه الصبي وهو يراقب الجثث وهي تلتهمها النار.
“…. هممم.”
كان يعلم أن محو الأثر تماماً يتطلب مسح بقع الدماء التي تشربتها أرضية الزقاق، ولكن من لديه وقت لمثل هذا العبث؟
‘حسناً، طمس الآثار بهذا القدر سيخفي حقيقة كونهم من طائفة الشيطانيه أليس هذا كافياً؟’
غادر الصبي الزقاق دون ندم.
بينما كان يركض فوق أسطح المنازل بخفة وصمت مستتراً بظلال الليل، لا يقطعه إلا ضوء القمر الشاحب، عثر فجأة على قناة مائية تتدفق بهدوء.”
تشلف!
قفز الصبي فوق السياج الحجري وألقى بنفسه في الماء البارد.
غطس عدة مرات غاسلاً جسده من رائحة الدماء الزفرة والبقع المتيبسة.
“فواااا!”
حين أخرج رأسه أخيراً من الماء، انفرط عقد تركيزه المشدود، واجتاحت كيانه موجة عارمة من الجوع والنعاس؛ فقد كان يركض لعدة أيام بلياليها دون راحة أو طعام مطارداً من الموت.
‘آه، سأهلك حقاً…’
بعد أن غسل جسده جيداً، خرج إلى الطريق وهو مبلل بالماء.
مسح شعره المبلل إلى الخلف وهو يجر قدميه بتثاقل.
لقد ركض بجنون لمجرد رغبته في غسل جسده، ليكتشف الآن أنه وطأت قدماه منطقة تجارية صاخبة، تختلف تماماً عن ذلك الزقاق الموحش قبل قليل.
كانت المصابيح الحمراء والصفراء معلقة بلا نهاية على جانبي الطريق، محولةً الليل إلى نهار يسر الناظرين.
صدحت أنغام الموسيقى العذبة من الأبراج العالية المزخرفة، وشوهد النبلاء المرتدون للحرير وهم يركبون العربات أو ينزلون منها بمساعدة خدمهم.
في تلك اللحظة، جاءت مجموعة من النبلاء المخمورين وهم يحملون مراوحهم اليدوية، يسيرون في الجهة المقابلة للصبي.
“أنا أقول الحقيقة! لقد دخلت ذلك المحل حسناء تشبه تشانغ إي آلهة القمر! عندما تعزف على آلة الغومونغو، تطير الطيور وتقترب لتنصت في خشوع.”
“ألا تقول ذلك في كل مرة تأتي فيها فتاة جديدة؟ المرة الماضية عندما رأيت رقص تلك الفتاة، أحدثت ضجة زاعماً أنها أجمل جميلات بكين، وأنك لم ترَ مثل حسنها قط.”
“لا، أنا جاد هذه المرة! هذه الفتاة في مستوى مختلف تماماً عن سابقاتها لو رأيت هيئتها السامية لمرة واحدة، لغيرت رأيك—”
بام!
في تلك اللحظة، اصطدم النبيل الذي كان يرفع صوته بقوة بكتف الصبي الذي ترنح لثانية.
“أوه!”
تراجع النبيل متعثراً.
وحين رأى رطوبة الماء تلطخ ثوبه الحريري الغالي، تجعد ما بين حاجبيه بغضب عارم.
“ما هذا الطفل القذر؟! أين تضع عينيك وأنت تمشي؟! هاااه؟!”
تردد الصبي للحظة.
بسبب سلسلة الأحداث الدموية الأخيرة، كانت حواسه حادة كالشفرة، لكن المكان كان مضيئاً جداً والعيون كثيرة.
وحتى لو لم يكن هناك أحد، لم يكن ليختلف الأمر.
‘يبدو أنه لا يجب علي قتله.’
فعليه أن يتصرف كشخص عادي تماماً.
والشخص العادي لا يقتل هؤلاء الرعاع ببساطة حتى لو تعرض للإهانة.
فجأة، خطرت للصبي حكمة غريبة.
‘أن تكون شخصاً عادياً… هو أمر شاق.’
أن تضطر لتحمل هذه المهانة وتمضي في طريقك بصمت لتعيش يومك.
وبينما كان شعور الاحترام تجاه الناس العاديين المجهولين يوشك أن يزهر في صدره…
“هاي أنت! هل أنت أبكم؟! سأقتلع عينيك! من تظن نفسك؟ هل تعرف من أنا؟! أنا سو إن جين، وريث عشيرة سو!”
برطم سو إن جين بصخب، لكن الصبي أراد فقط المرور بسبب التعب والجوع.
غير أن النبيل لم يكن ينوي تركه يرحل بسلام؛ فقبض على ذراع الصبي بخشونة وألقى به على الأرض.
طاخ!
ثم داس بقدمه على ظهر الصبي ليمنعه من الهرب.
‘آه، الجوع أفقدني قوتي…’
علاوة على ذلك، غلبه النعاس.
لم يكن ذلك لأن قوة سو إن جين كبيرة، بل لأن جسده وصل إلى حده الأقصى لدرجة أنه لم يملك الطاقة للنهوض.
“إلى أين تهرب أيها الجرذ! ادفع ثمن ثيابي أيها الحثالة! … كنت سأقول ذلك، ولكن بوضعك هذا الذي تفتقر فيه حتى لسترة تغطيك، يبدو أنك لا تملك المال بدلاً من ذلك، سأقطع إصبعاً من أصابعك لأبرد غليلي.”
ضحك أحد رفاقه ساخراً
“يا أخ سو التعامل مع حثالة قذر مثله سيلطخ يديك فقط ألقهِ في القناة المائية فحسب يبدو حاله الآن كشبح غريق، وذاك المكان يناسبه تماماً.”
“فكرة عبقرية! ثمن هذا الثوب الحريري لا يكفيه قطع أطرافك كلها، لكني رحيم اذهب وتأمل في أخطائك داخل ذلك الماء البارد!”
كانت القناة المائية المحاذية للطريق أعمق مما تبدو، لدرجة أن من لا يجيد السباحة قد يغرق فيها.
لكن سو إن جين ورفاقه لم يأبهوا لذلك.
وبينما كانوا يهمون بجر الصبي الملقى على الأرض نحو القناة…
“توقفوا.”
صوت بارد وهادئ أوقف حركتهم.
ولأنه كان صوتاً يافعاً يبدو وكأنه في مرحلة البلوغ، التفت سو إن جين بغضب وهو يبرق بعينيه.
“أي وغد يجرؤ على إيقافي…؟!”
لكن كلمات سو إن جين الغاضبة لم تكتمل؛ فقد جمدت الصدمة حدقتيه اللتين ارتعشتا رعباً حين رأى صاحب الصوت.
فالحراس الواقفون خلفه، والنقوش المحفورة على ثيابهم، كانت شيئاً لا يمكن لأي ساكن في أرض بكين ألا يعرفه.
إنها شعار عائلة بانغ من هابوك والفتى الذي كان ينظر إليهم بنظرات باردة محاطاً بحراس العائلة، لم يكن سوى…
‘ا- الابن الثاني لعائلة بانغ، بانغ دوهاي…!’
رغم أن سو إن جين كان يفخر بكونه ابناً لطائفة معروفة في بكين، إلا أنه أمام عظمة عائلة بانغ لم يكن سوى ساقية صغيرة أمام محيط هائج.
هذا الفتى الذي قد يلمحه بالكاد من بعيد في المآدب الكبرى، كان يقف أمامه الآن.
“ا- السيد الشاب الثاني بانغ، ما الذي يأتي بك إلى هنا في هذا الوقت من الليل…؟”
سأل سو إن جين بتذلل شديد، فأجابه بانغ دوهاي بلا مبالاة
“لا أعتقد أن هذا هو المهم الآن أن يقوم سليل طائفة تنتمي للفئة العادلة باضطهاد شخص أصغر منه بهذا الشكل…”
بانت ملامح الدهشة على وجه سو إن جين وقال بتعجب
“هـ- هل تعرف من أنا؟”
“…. بالطبع أعرف.”
لم يكن بوسع بانغ دو هاي أن يجيب بلا فظة، لذا رد بتلك الطريقة، لكنه في الحقيقة لم يكن يعرفه على الإطلاق.
ففي شوارع بكين الصاخبة، التي تُعد بمثابة الساحة الأمامية لعائلة بانغ، إذا رأيت شاباً يرتدي الحرير ويحمل سيفاً على خصره ويتصرف بغطرسة، فبنسبة كبيرة سيكون سليل إحدى طوائف الفئة العادلة.
لكن وبغض النظر عن نواياه الحقيقية، كان التأثر واضحاً على وجه سو إن جين.
“إ-إنه لشرف عظيم أن تعرفني سيسعد والدي كثيراً بهذا…!”
“…. قبل ذلك، ألا تعتقد أنه من الأفضل أن ترفع قدمك عن ظهر هذا الصبي أولاً؟ المنظر ليس جيداً.”
انتفض سو إن جين من المفاجأة ورفع قدمه بسرعة، ثم بدأ يتفحص رد فعل الشاب الآخر بحذر.
“هـ-هذا الأمر يا سيدي… هذا الفتى هو من بدأ بالتحرش بيرانظر إلى ثيابي، لقد اصطدم بي بجسده المبلل واتسخت بسببه…!”
وسط صراخه الذي يحاول فيه إظهار مظلوميته، تمتم الصبي الملقى على الأرض، والذي لم يبدُ أن لديه نية للنهوض، بصوت منخفض
“متى… تحرشتُ بك… كل ما حدث هو اصطدام خفيف، وأنت من بدأ يتوعد بإغراقي في القناة المائية… العالم أصبح قاسياً ومخيفاً جداً…”
“أتتجرأ على التفوه بالأكاذيب في حضرة الأسياد؟! اصمت قبل أن أقطع لسانك!”
وفي اللحظة التي احتقن فيها وجه سو إن جين غضباً.
“كفى.”
قطع بانغ دوهاي كلامه بتنهيدة خفيفة.
“إذا كانت المشكلة في ثمن الثياب، فسأعوضك أنا هل يرضيك هذا؟”
“آه، لا، ليس الأمر كذلك.”
تمتم سو إن جين وهو يحرك شفتيه بارتباك.
في الواقع، لم تكن الثياب قد اتسخت فعلياً، بل كان يشعر بالاشمئزاز فقط لأن جسداً مبللاً اصطدم به، وحتى تلك الرطوبة البسيطة كانت قد بدأت تجف بالفعل تحت نسيم الليل.
ومع ذلك، كان يدرك أنه لو قبل ثمن الثياب من السيد الشاب لعائلة بانغ الآن، فسيُنعت بالحقير الذي يتشبث بفتات المال.
“كـ-كلا، لا داعي! سأتغاضى عن الأمر هذه المرة بكياسة هاها، وذلك تقديراً لمكانة السيد الشاب بانغ.”
“حسناً إذاً رافقتك السلامة.”
أمام هذه الكلمات التي بدت وكأنها أمر بالانصراف، لم يجرؤ سو إن جين على إضافة حرف واحد.
“ط-طابت ليلتك يا سيد بانغ.”
حث رفاقه على الرحيل واختفى في الظلام، وبدت هيئته من الخلف ذليلة ككلب ضال يهرب، بعد أن تلاشت كل غطرسته التي كان عليها قبل قليل.
تنهد بانغ دو هاي ثم اقترب من الصبي.
“هل تستطيع النهوض؟”
“…….”
عندما لم يجب الصبي وبقي منبطحاً، وضع بانغ دوهاي يديه تحت إبطي الصبي ورفعه بنفسه ليساعده على الوقوف.
قرقررررررررر—
في تلك اللحظة، اخترق الصمت صوت قرقرة مدوية صادرة من بطن الصبي.
“أنا جائع…”
تمتم الصبي بضعف وهو يترنح، فأسنده بانغ دوهاي بسرعة مجدداً.
“أين منزلك؟ سأوصلك.”
“…….”
عندما لم يجب الصبي واكتفى بالنظر إلى الأرض بذهول، صمت بانغ دوهاي.
فبالنظر إلى حالته، حيث لا يرتدي سوى سروال واحد، اعتقد أنه ربما يكون طفلاً من طائفة المتسولين
وإدراكاً منه أن سؤال متسول عن منزله قد يكون وقاحة، خلع بانغ دوهاي رداءه الكحلي الطويل الذي كان يرتديه ووضعه فوق كتفي الصبي.
“يبدو أنك فقدت قميصك، ارتدِ هذا حالياً.”
“…….”
نظر الصبي بذهول إلى حاشية الرداء التي استقرت على كتفيه.
في تلك الأثناء، همَّ بانغ دوهاي بالبحث في جيبه ثم توقف، والتفت إلى حارسه
“هل يمكنك إقراضي بعض العملات المعدنية؟”
لم يكن في كيس نقود بانغ دوهاي سوى القطع الفضية.
لكنه تذكر نصيحة شقيقه بأن إعطاء مبالغ كبيرة كالفضة لمتسول صغير قد يجلب له المشاكل، لذا غير رأيه.
“آه، بالطبع سيدي. تفضل.”
“شكراً لك.”
أمسك بانغ دوهاي يد الصبي ووضع فيها رزمة من العملات المعدنية، ثم سأل بهدوء
“ما هو اسمك؟”
بدا أن الصبي غرق في تفكيره للحظة، ثم فتح فمه
“…. جين ها كيول.”
“إنه اسم جميل إذا واجهت أي مشكلة، اذهب إلى حراس بوابات عائلة بانغ من هابوك وقل إنك تبحث عني سأخبرهم باستقبالك.”
‘وكأنني سأفعل.’
أنت السيد الشاب الثاني لعائلة بانغ، وأنا من طائفة الشيطانيه… ولكن، وخلافاً لتلك الأفكار، أومأ الصبي— جين ها كيول — برأسه ببطء.
“سأفعل.”
ابتسم بانغ دوهاي بلطف وحياه برسمية
“إذاً، سأستأذن الآن اعتنِ بنفسك.”
رحل بانغ دوهاي بخطى هادئة متلاشياً خلف ستار الليل.
بقي جين ها كيول وحيداً، وتمتم بصوت خافت في الفراغ
“…. هل تلقيتُ صدقةً للتو؟”
ابن السيد السماوي … يتلقى صدقة من ابن عائلة بانغ التي تُعد قلب الفئة العادلة؟ أغلب الظن أن هذا لم يحدث قط منذ بداية تاريخ طائفة الشيطانيه السماوي.
التعليقات لهذا الفصل " 179"