فوجئ الجميع بالهجوم المباغت، لكن أحد أتباع دانغ تاي يول صرخ بحدة وهو يستل أسلحته المخفية
“احموا السيد الشاب!”
وفي اللحظة التي شرع فيها الأتباع في تشكيل وضعية دفاعية حول دانغ تاي يول، انطلقت صرخة مدوية منه تحمل نبرة من الهيبة القاطعة
“احموا أولئك الناس بدلاً مني!”
توقفت حركات الأتباع للحظة جراء تلك الكلمات.
“ولكن، يا سيد دانغ!”
“هذا أمر!”
مرت لمحة من الصراع على وجوه الأتباع أمام موقف دانغ تاي يول الحازم، لكن أفعالهم كانت سريعة كبرق خاطف؛ فقد كان ذلك أمر سيدهم قاموا على الفور بدفع الناس المذعورين مرة أخرى إلى داخل المستودع، ووقفوا بصلابة يسدون المدخل مشكلين تشكيلاً دفاعياً منيعاً.
أما دانغ تاي يول فقد شد على أسنانه وهو يعيد إمساك أسلحته المخفية، مستحضراً طاقة السموم في يده.
لقد وصل بالفعل إلى رتبة اليد السامة في سن مبكرة جداً.
‘تباً كنت أعلم أن الأمر يسير بسهولة أكثر من اللازم.’
كان هذا واحداً من الطلبات الثلاثة التي وافق على تنفيذها مقابل الحصول على خيط الحرير السماوي.
ولم يكن يعلم ما إذا كان ذلك الفتى قد تنبأ بوجود هؤلاء الرجال المتشحين بالسواد مسبقاً، ولكن بما أن الشرط هو إنقاذ الرهائن، فإنه لن يسمح بوقوع ضحية واحدة مهما حدث.
“أسمح باستخدام السم! ولكن، احذروا من انتشار طاقة السموم نحو المستودع!”
“أمرك!”
وفي اللحظة التي أوشكت فيها المعركة أن تبدأ بين محاربي طائفة دانغ ورجال السواد…
بيييييييينغ— بانغ!
انطلق خيط من الدخان نحو سماء النهار مع صوت تمزق الهواء الحاد.
“؟!”
اتجهت أنظار الجميع بلا استثناء نحو الأعلى حيث مصدر الصوت.
فقد كان ذلك بوضوح صوت قذيفة إشارة، ولم يتوقف الأمر عند واحدة فقط.
بيييييييينغ— بانغ!
بيييييييييييييينغ— بانغ!
توالت أصوات قذائف الإشارة من مسافات متباعدة.
ومن جهة المعقل الجبلي، لم يكن يظهر سوى الدخان القريب في السماء، لكن كان بإمكان أي شخص أن يدرك أن شيئاً ما يقترب من هذا المكان.
وعقب ذلك مباشرة، انطلقت صرخة مدوية من جانب أحد الجرف الصخرية
“من هنا يا سيدي الشاب الأكبر! هناك تجمع لأشخاص مشبوهين في هذا الاتجاه!”
وكأنها كانت تنتظر، دوت صرخة زئير الأسد المشحونة بالطاقة الداخلية من فوق الجرف، لتهز المعقل الجبلي بأكمله
“توقفوا—!”
تركزت أنظار الجميع نحو قمة الجرف، حيث ظهرت فجأة رايات ترفرف بقوة وسط رياح الجبل العاتية.
“تلك هي…!”
كانت النقوش المحفورة على الرايات تعود بلا شك إلى عائلة بانغ من هابوك.
وظهر الفتى بانغ سو وول بين الرايات، مستخدماً طاقته الداخلية ليتحدث بصوت مهيب
“لا أعرف من أنتم، ولكن إذا تجرأتم على المساس بضيف عائلة بانغ العزيز، السيد الشاب لعائلة دانغ وأتباعه، فإن عائلة بانغ من هابوك لن تقف مكتوفة الأيدي أبداً!”
وبجانب الفتى الذي قال ذلك، وقف ثلاثة أو أربعة من محاربي عائلة بانغ مشهرين سيوفهم كحراس له.
وبينما كان صدى صرخة بانغ سوول يتردد، انطلقت عدة قذائف إشارة أخرى من وراء الغابة البعيدة وكأنها تتبادل الإشارات.
“…….”
تركزت أنظار الرجال المتشحين بالسواد جميعاً نحو الرجل الذي يبدو أنه زعيمهم، في صمت كأنهم يسألون عن الأمر التالي.
أصدر الزعيم أمره بصوت منخفض وعميق
“…. لا خيار آخر سننسحب من هنا حالياً.”
فمهما كان الأمر، بدا واضحاً أن القوة العسكرية لعائلة بانغ قد وصلت إلى هنا، ولم يكن من الحكمة الدخول في صدام مباشر معهم في هذا الوقت.
“أمرك.”
أجابوا بصوت واحد، ثم اختفت أجسادهم دون تردد وسط ظلال الغابة.
ومع انحسار تلك الموجة السوداء مثل الجزر، حل سكون غريب على المعقل الجبلي للحظة.
“…….”
لم يجرؤ محاربو دانغ، ولا حتى الناس المنكمشون داخل المستودع، على التحرك بسهولة، وكأنهم لم يطمئنوا بعد.
وبعد التأكد من انسحاب الرجال السود تماماً، قفز محاربو عائلة بانغ من فوق الجرف باستخدام فنون خفة الحركة واقتربوا، عندها فقط بدأ الوقت المتوقف يتدفق من جديد.
“هل أنت بخير؟”
اقترب بانغ سوول من دانغ تاي يول وتحدث معه بتهذيب واحترام كبيرين.
فبما أن أنظار العديد من الأتباع والغرباء كانت مسلطة عليهم في هذا المكان، لم يكن بإمكانه التصرف بوقاحة أو تذمر كما يفعل عادة.
مرت مسحة من المشاعر المعقدة على وجه دانغ تاي يول، لكنه سرعان ما استعاد هدوءه وحياه برسمية
“…. نعم لقد نجوت بفضلك ولكن كيف جئت إلى هنا؟ ومعك قوة عسكرية أيضاً.”
“لا توجد قوة عسكرية.”
“…. ماذا قلت؟”
اتسعت عينا دانغ تاي يول من الدهشة، بينما هز بانغ سوول كتفيه بخفة، مشيراً بيده إلى إي هيون الذي كان يهبط للتو من أسفل الجرف محمولاً على ظهر جيوك بول هاي.
“لقد انخرطتُ في خطة ذلك الفتى واستخدمتُ بعض الحيل فحسب.”
في اللحظة التي لمح فيها اي هيون الرجال المتشحين بالسواد، أصدر تعليماته على الفور.
أولاً، أمر بغرس رايات عائلة بانغ التي أحضرها حراس بانغ سوول في أماكن متفرقة، بحيث لا يظهر لمن ينظر من الأسفل سوى الجزء العلوي من الرايات خلف التضاريس، مما يجعل من الصعب التمييز ما إذا كان يحملها جنود أم أنها مغروسة في الأرض.
ومع ظهور بانغ سوول وبعض المحاربين فعلياً، كانت تلك الرايات المتناثرة التي ترفرف خلف الجرف كافية لإعطاء انطباع واهم بأن قوة عسكرية كبيرة قد وصلت خلفهم.
أضيف إلى ذلك فن خفة الحركة المذهل الذي يتمتع به جيوك بول هاي؛ حيث سلمه إي هيون عدة قذائف إشارة، وأمره بالتحرك بسرعة فائقة وإطلاقها نحو السماء على مسافات منتظمة، ليخلق مشهداً يوحي بأن تعزيزات إضافية تتدفق نحو المعقل الجبلي.
وقع الرجال المتشحون بالسواد ضحية لهذه الحرب النفسية، وانتهى بهم الأمر بتقدير الموقف بشكل خاطئ والانسحاب.
وبعد سماع هذا التفسير، ظل دانغ تاي يول وأتباعه مذهولين لفترة، عاجزين عن النطق.
“لقد فكرتَ في مثل هذه الحيلة الذكية في تلك اللحظة القصيرة.”
تمتم دانغ تاي يول بذهول، ليقترب منه إي هيون ويقول بصوت منخفض وحازم
“ليس هذا وقت الإعجاب، فلا ندري متى سيكتشف هؤلاء الخدعة ويعودون يجب أن ننقل الناس إلى مكان آمن فوراً.”
بمجرد عبورهم بوابة مدينة بكين الشاهقة، انهارت حدة التوتر التي كانت تشد أعصاب الناس دفعة واحدة.
انفجر البعض بالبكاء، بينما أمسك آخرون بأيدي مجموعة إي هيون وهم ينحنون مراراً وتكراراً، معبرين عن امتنانهم بأصوات متهدجة من شدة التأثر.
بدأت الحيوية تعود أخيراً إلى عيون أولئك الذين عادوا من عتبة الموت.
وبدا أن ضجيج شوارع بكين المزدحمة ورائحة الحياة فيها هي الدليل الوحيد على أنهم لا يزالون على قيد الحياة.
“لن ننسى فضل طائفة دانغ طوال حياتنا!”
“شكراً جزيلاً لك يا سيد بانغ الشاب!”
وبينما كان دانغ تاي يول يتلقى التحيات الحارة من الناس، وعلى رأسهم رجل متوسط العمر ذو شارب، ألقى نظرة خاطفة على إي هيون.
لقد كانت بديهته الجريئة وحكمه البارد في المعقل الجبلي مذهلين.
لولا إي هيون، لكان عليهم خوض معركة دامية ضد الرجال المتشحين بالسواد، الذين كانت هيبتهم لا تقارن بقطاع الطرق الذين قاتلوهم سابقاً، ناهيك عن تفوقهم العددي الكبير.
فهل كان سيتمكن هو وبضعة أتباع من الصمود أمامهم؟ خاصة مع وجود مدنيين يجب حمايتهم.
كان بإمكان دانغ تاي يول أن يتصدر المشهد ليتلقى عبارات الشكر بنفسه، لكنه آثر التراجع؛ ففي نهاية المطاف، شقيقه هو من طلب منه إنقاذ هؤلاء الناس، وهو لم ينفذ هذه المهمة إلا سعياً وراء المقابل الذي وُعد به
‘علاوة على ذلك، لو لم يتدخل ذلك الفتى في النهاية، لكان الأمر قد انتهى بالفشل.’
كذلك بانغ سوول لم تكن لديه رغبة في البروز.
وبما أن الاثنين تراجعا خطوة إلى الوراء، لم يمانع إي هيون وتقبل التحايا بشكل طبيعي.
“لا داعي لشكرنا، لقد فعلنا ما وجب علينا فعله فحسب.”
حينها، قال الرجل ذو الشارب، والذي كان يرتدي ثياباً من قماش فاخر
“أنا ممتن حقاً لإنقاذنا، يا سيد دانغ الثالث الشاب اسمي تشو سو يون من يونيونغ، وأنا أشغل منصب كبير التجار في مجموعة تشو ريونغ التجارية.”
مجموعة تشو ريونغ التجارية…! لقد كان هذا هو اسم المجموعة التي أخبره عنها هوا تشو سانغ بأنها تورد عشب الجرس الذهبي.
كان يظن أن القافلة تأخرت بسبب الشائعات حول المعقل الجبلي الجديد، لكن الحقيقة كانت أن أفراد المجموعة أنفسهم سقطوا في قبضة أولئك الأشرار.
‘بهذا الشكل، سيسير الأمر بشكل أسرع.’
أظهر إي هيون تعابير من المفاجأة
“هل قلت مجموعة تشو ريونغ التجارية؟!”
“نعم؟ نعم، نعم هـ-هل سمعت باسم مجموعتنا من قبل؟”
رغم ارتباك تشو سو يون، إلا أن وجهه امتلأ بالأمل.
فلم يتوقع أبداً أن يعرف ابن عائلة دانغ العظيمة اسم مجموعتهم التجارية الموجودة في أرض يونيونغ البعيدة.
“في الواقع، كنت أبحث عن مورد لنوع معين من الأزهار، وأثناء تقصي الأمر ظهر اسم مجموعة تشو ريونغ وعندما نويت التوجه إلى يونيونغ وعلمت بوجود معقل جبلي جديد في الطريق، أرسلت أتباعي للاستطلاع فتبين لي وجود أناس محتجزين هناك.”
“آه، آآه…! هكذا كان الأمر إذن!”
“بالضبط.”
“هاهاها، هذه حقاً ليست صدفة عادية! إذا لم يكن لديكم مانع، أرجو أن تسمحوا لي بدعوتكم جميعاً إلى نزل أعرفه لأقيم لكم مأدبة تليق بكم بالطبع لا أدري إن كانت سترتقي لذوق السادة الشباب، لكني أود التعبير عن أقصى درجات امتناني.”
أدرك تشو سو يون أنها فرصة لا تعوض لبناء علاقة مع أبناء أعظم العائلات في عالم الموريم.
لكن دعوة دانغ تاي يول وبانغ سوول لم تكن ضمن نطاق صلاحيات إي هيون.
وبالفعل، اعتذر الاثنان بتهذيب عن الحضور.
بدت خيبة الأمل واضحة على وجه تشو سو يون، لكنه بصفته كبير تجار، كان سريع البديهة.
لم يرتكب حماقة الإلحاح على منقذيه وأبناء العائلات الكبرى كي لا يترك انطباعاً سيئاً.
حينها، قال أحد أفراد المجموعة التجارية
“عجباً؟ أين ذهب ذلك الطفل؟”
عند سماع ذلك، التفت إي هيون
“أي طفل تقصد؟”
“لقد كان هناك طفل مغطى بالدماء، كان محتجزاً معنا لدى قطاع الطرق، لكن يبدو أنه اختفى.”
تذكر إي هيون أن تقرير جيوك بول هاي تضمن ذكر طفل كهذا.
‘من المؤكد أنه دخل المدينة معنا.’
متى اختفى إذن؟
رمش تشو سو يون بعينيه
“ربما عاد إلى منزله بينما كنا نتحدث؟ هذا إن كان منزله داخل هذه المدينة.”
“هممم.”
“لقد فحصناه سابقاً، ولم يبدُ عليه أنه مصاب بجروح يبدو أن الدماء التي غطته لم تكن دماءه. لا داعي للقلق كثيراً.”
“أفهم ذلك.”
استحضر إي هيون صورة ذلك الطفل في ذهنه.
صبي ذو شعر بني فاتح، بدا وكأن شعره أحمر اللون بسبب كثرة الدماء التي تلطخ بها.
ولأن ملابسه كانت بيضاء في الأصل، برزت بقع الدماء عليها بشكل صارخ.
‘أتمنى أن يكون قد عاد بأمان.’
رغم شعوره بغرابة تثير القلق، إلا أنه لم يكن بيده حيلة الآن، فانتقل إي هيون مع تشو سو يون إلى مكان آخر.
****
مر الوقت سريعاً حتى مالت الشمس نحو الغروب.
وعندما دخل الصبي الملطخ بالدماء إلى أزقة ضيقة خالية من المارة، هبط رجل متشح بالسواد أمامه بصمت مطبق، ساداً عليه الطريق.
نظر الصبي إليه دون أن ينبس ببنت شفة، ثم أزاح شعره اللزج عن جبهته وكأنه يشعر بالضجر، وتمتم قائلاً
“هاها… حقاً، أولئك الأشخاص مبالغون في قسوتهم لماذا هم مستميتون هكذا لقتلي، رغم أن ترتيبي في حق الخلافة متأخر جداً؟”
وما إن أنهى كلماته، حتى هبط ثلاثة رجال آخرين متشحين بالسواد من فوق الأسطح، محاصرين الصبي من كل جانب.
وبما أن عددهم قلّ بشكل ملحوظ عن السابق، فبدى أنهم عثروا عليه أثناء بحثهم عنه في مجموعات متفرقة.
همس الرجل الذي يبدو أنه زعيمهم بصوت منخفض ينضح بنوايا القتل
“لا تهملوا أبداً يجب أن تزهقوا روحه بكل ما أوتيتم من قوة.”
ومع صدور أمره، استُلت النصال الباردة من أغمادها.
وانقض الرجال المتشحون بالسواد في آن واحد نحو الصبي داخل الزقاق الضيق.
وسط تلك الهالة القاتلة، لم يبدُ على الصبي سوى الانزعاج، وهو يطقطق مفاصل أصابعه متمتماً بشكوى
“لهذا السبب أنا أكره طائفة الشيطانيه”
بمجرد انتهاء كلماته، تشوه قوام الصبي وتلاشى كأنه شبح.
تبع ذلك اشتباك ضارٍ وسط الشفق الأحمر، لم تتسرب منه حتى صرخة واحدة.
ولم يمضِ وقت طويل حتى تلطخ الزقاق بدماء شنيعة لا يُعرف صاحبها.
وبعد برهة، خرج صبي واحد يمشي بخطى هادئة فوق الطريق الأحمر الذي تفوح منه رائحة الدماء الزفرة.
التعليقات لهذا الفصل " 178"