لم يؤمن إي هيون قط بأن تقديم المعروف سيعود إليه بالمثل بالضرورة.
هذا منطق بديهي، فالعالم يعج بأنماط شتى من البشر.
إن مفاهيم مثل الولاء والأخلاق ليست سوى أشياء غير مستقرة، قد تنهار في أي لحظة تبعاً للمصالح الشخصية أو الظروف المحيطة.
لذا، لم يقع يوماً في وهم أن التعامل بلين وسخاء سيجعل الطرف الآخر يتبعه دون قيد أو شرط.
وكان هذا هو السبب ذاته الذي جعله يبرز عقد الاتفاق أمام مو وون منذ البداية.
أليس من الصعب وضع الثقة في أحد في هذا العالم؟
ويزداد الأمر صعوبة إذا كان الطرف الآخر هو جيوك بول هاي، ذاك الشخص الذي سبق له وأن طعن البطل في ظهره ضمن أحداث الرواية.
لهذا السبب، كان إي هيون يجلس الآن مع جيوك بول هاي، متحملاً عناء القيام بهذا الإجراء المزعج.
في غرفة الضيوف التابعة للجناح الخارجي لعائلة هابوك بانغ، كان بانغ سوول يقف عاقداً ذراعيه، وعلى وجهه تعبير ينم عن الذهول وهو يقول
“هذا مذهل حقاً. إنها المرة الأولى التي أرى فيها شخصاً يستخدم نقاط الضغط الشللية بهذا الأسلوب.”
لقد جاء بانغ سوول لزيارته فور سماعه أن إي هيون قد أحضر رجلاً مجهول الهوية.
رد إي هيون بخفة
“شكراً على المديح.”
“هيه، لم يكن مديحاً!”
اكتفى إي هيون بهز كتفيه بلا مبالاة رداً على توبيخ بانغ سوول.
حالياً، كان جيوك بول هاي عاجزاً عن تحريك إصبع واحد بسبب شل نقاط طاقته، وبفضل ذلك، كان الرسام الجالس أمامه يعمل بكل أريحية على رسم صورته، أو بالأحرى مخطط ملاحقة دقيق لوجهه.
“بالمناسبة، ذلك الشخص— أقصد السيد الشاب دانغ، هو موجود في منزل بانغ الآن، أليس كذلك؟”
“ربما سيبقي لبضعة أيام أخرى على الأقل.”
فمن أجل امتصاص طاقة نواة الأفعى وحيدة القرن واستقرارها، يحتاج الأمر لوقت.
ورغم أن بانغ سوول بدا غير راضٍ، إلا أنه لم يندفع لطرد ذلك الفتى؛ فلا يمكن لعائلة بانغ، مهما كان الأمر، أن تسيء استقبال ابن عائلة دانغ وتطرده من الباب.
بدلاً من ذلك، وجه تحذيراً شديداً لإي هيون
“حاول ألا تنفرد به قدر الإمكان وإن اضطررت، فليكن بايك ريم معك على الأقل.”
أطلق إي هيون ضحكة خافتة قصيرة
“حسناً، سأكون حذراً، فلا تقلق كثيراً.”
من المعروف أن التنافس على منصب وريث عائلة دانغ يتسم بالدموية تاريخياً، وقد كاد ذلك الفتى أن يلقى حتفه في منزله مؤخراً.
ورغم أنه من المستبعد أن يجرؤ أحد على قتل شقيقه داخل عائلة بانغ وليس في سيتشوان، إلا أن احتمال تعرضه لبعض الأذى البسيط يظل قائماً، لذا كان قلق بانغ سوول مبرراً.
تأكد بانغ سوول من إحكام شل نقاط طاقة جيوك بول هاي
“لدي عمل يجب أن أنجزه سأترك بايك ريم هنا، استدعه إن حدث أي طارئ.”
“حسناً.”
كان أحد أتباع دانغ تاي يول يقف خارج الغرفة كحارس، لكن يبدو أن وجوده كان يثير الريبة أكثر من الاطمئنان.
بعد مغادرة بانغ سوول ووقوف بايك ريم أمام الباب، ألقى تابع دانغ تاي يول نظرة خاطفة عليه، فما كان من بايك ريم إلا أن قابله بابتسامة ودودة وعريضة.
وأمام تلك الجرأة واللطف، شاح التابع بنظره للأمام بتعبير مرتبك للغاية.
مرت حوالي ساعتين من الزمن.
وضع الرسام فرشاته بعناية بعد أن خط اللمسة الأخيرة
“لقد انتهيت يا سيدي الشاب.”
“لقد بذلت جهداً كبيراً.”
“تفضل، هل تنال إعجابك؟”
“نعم، يمكن التعرف عليه بوضوح من نظرة واحدة.”
“هاهاها، يسعدني سماع ذلك.”
بعد رحيل الرسام، لوح إي هيون بمخطط الملاحقة المكتمل أمام عيني جيوك بول هاي وقال بهدوء
“والآن يا جيوك بول هاي، لماذا تعتقد أنني جعلته يرسم هذا؟”
“…”
لم ينطق جيوك بول هاي بكلمة، لكن اي هيون تابع هامساً بنبرة رصينة
“لقد استوليت على غرض ثمين يخص القصر الذي اشتراه اتحاد تاي بيونغ التجاري قانونياً إذا قرر رئيس الاتحاد جعل هذه القضية مسألة رسمية، فستواجه فوراً عقوبة الوشم الإجرامي مع عقوبات أخرى قاسية للغاية.”
“…”
وضع إي هيون الصورة على الطاولة وأمسك بدلاً منها بمرسوم ورقي
“وهذه شكوى قانونية تسميك كمدعى عليه قريباً ستحمل ختم رئيس اتحاد تاي بيونغ وسيتم حفظها في مكان آمن.”
“وماذا بعد؟ ما الذي تريد قوله؟”
“ببساطة، إذا حدث أي مكروه لسلامتي الشخصية، فسيتم إرسال هذه الوثيقة فوراً مع صورتك إلى تحالف الموريم وإلى السلطات الحكومية.”
“…”
“ويمكنك أن تخمن بسهولة من سيكون المشتبه به الأول في إيذائي.”
السبب في قدرة جيوك بول هاي على التملص من ملاحقة دانغ تاي يول طوال هذا الوقت هو أنه شخص غير معروف تماماً حالياً.
ولكن بمجرد انتشار صوره في كل مكان، سيصبح الهرب أو الاختباء أصعب بمراحل.
“وأمر آخر، حتى لو لم تؤذني، إذا حاولت الهرب بمفردك، فسيتم رصد مكافأة مالية سخية مع تعميم صورتك حينها، سيسارع الجميع للإبلاغ عنك أينما كنت؛ سواء كان النادل في النزل الذي تنزل فيه، أو المتسول في الشارع، أو حتى التاجر الذي يبيعك بضاعة الجميع سيركض نحو السلطات بمجرد رؤيتك.”
عند هذا الحد، مهما بلغت سرعة قدمي جيوك بول هاي، فإنه سيُقبض عليه في اللحظة التي يدخل فيها قرية لطلب شربة ماء.
وإذا قتل إي هيون وهرب، فمصيره الإعدام فور القبض عليه.
أما إذا هرب دون قتله، فسينال على الأقل عقوبة الوشم والضرب بالعصي.
ومن يوشم بوسم المجرمين لا يمكنه العيش حياة طبيعية أبداً.
وحتى لو فر إلى أوكار العصابات، فلن يتغير الحال؛ فاللص الصغير الذي ضُرب وأُهين من قبل السلطات لن يلقى سوى الازدراء من قبل قطاع الطرق.
علاوة على ذلك، يسهل تمييز الموشوم في أي جماعة، وبما أن العصابات تمارس أعمالاً تتطلب التخفي، فمن الصعب عليها اتخاذ شخص مكشوف مثله تابعاً لها.
باختصار، إذا أراد جيوك بول هاي الهرب من إي هيون، فلن يكون أمامه سوى الاختباء في مكان مهجور تماماً والعيش متخفياً بقية حياته.
أطلق جيوك بول هاي ضحكة منخفضة تحت وطأة تهديدات إي هيون المتزنة
“إذاً، ما الذي تريده؟ هل تريد استخدام تلك الشكوى لربط طوق حول عنقي وجعلي أخدمك كالكلب طوال حياتي…”
“كلا، ليس كذلك.”
“…ماذا؟”
بينما تساءل جيوك بول هاي بتلقائية، رفع إي هيون ورقة أخرى هذه المرة.
لقد كانت عقد اتفاق
“وهذا العقد يثبت أن رئيس اتحاد تاي بيونغ قد كلفك بمهمة نقل نواة طاقة واحدة وميدالية القرن الأسود إلى بكين، وأن عائلة دانغ في سيتشوان قد رافقتك لحمايتك بناءً على طلب من اتحاد تاي بيونغ.”
عند سماع تلك الكلمات، اتسعت عينا جيوك بول هاي من الصدمة.
تابع إي هيون حديثه وهو يتصفح العقد بتمهل
“بمجرد حصولك على هذا، ستتحرر تماماً من تبعات هذه الحادثة.”
فمن الناحية القانونية، لن تعود الجريمة قائمة من الأساس.
كان هذا هو الطلب الذي قدمه إي هيون إلى دانغ تاي يول حين طالب بالتحفظ على جيوك بول هاي.
ابتلع جيوك بول هاي ريقه دون وعي أمام هذا العرض غير المتوقع.
’ظننتُ أنه سيقول شيئاً من قبيل: أظهر لي ولاءك في المستقبل وسأقوم بإلغاء تلك الشكوى يوماً ما.‘
لكنه لم يفعل ذلك فحسب، بل عرض أن يمحو الجريمة وكأنها لم تكن.
فحتى لو أُلغيت الشكوى، يمكن تقديمها مجدداً في أي وقت إذا أراد الطرف الآخر ذلك.
أما بوجود هذا العقد، فلن يتمكن اتحاد تاي بيونغ من التبليغ عن جيوك بول هاي بشأن هذه الواقعة أبداً.
سيكون حينها رجلاً حراً تماماً.
“……ما الذي تريده مني؟”
كان صوته جاداً هذه المرة، على عكس نبرة السخرية التي التزمها منذ البداية.
فقد تغير الموقف كلياً عما كان عليه عندما استسلم لفكرة الموت الوشيك.
عندما رأى اي هيون أن الطرف الآخر أصبح مستعداً أخيراً للحوار، التقط الورقة الأخيرة وعلى وجهه ابتسامة خفيفة.
“وقع على هذا العقد وقم بتنفيذ محتواه بجدية وحينها، سأقوم بإيداع نسخة من هذه الوثيقة لدى تحالف الموريم لتوثيقها.”
تحالف الموريم وليس قاعة إنفاذ القانون التابعة لعائلته؟ إن كان الأمر كذلك، فإن فعالية هذا الوعد وقوته القانونية ستنتقل إلى مستوى مختلف تماماً.
شرع جيوك بول هاي في قراءة محتوى العقد بسرعة، متفحصاً كل حرف بإمعان خشية أن يكون هناك فخ مخفي بين الكلمات المنمقة.
ولكن بينما كان يدقق في التفاصيل، بدأت ملامح الذهول ترتسم على وجهه.
“هل أنت حقاً…… تريد تحريري بمثل هذه الشروط؟”
كان جوهر العقد واضحاً.
رغم وجود العديد من التفاصيل الثانوية، إلا أن الخلاصة كانت: العمل بجد وتنفيذ المهمات دون خيانة إي هيون لمدة ثلاث سنوات القادمة.
وإذا فعل ذلك، فسيتم تسليمه عقد مهمة النقل الخاصة باتحاد تاي بيونغ بعد انقضاء السنوات الثلاث.
كان العرض سخياً جداً بالنسبة لشخص كان يواجه الوشم الإجرامي أو قطع الرأس، لدرجة جعلته يشك في وجود فخ لم يدركه بعد.
’ثلاث سنوات فقط؟!‘
بل والأدهى من ذلك، كان هناك بند يتعلق بالراتب.
بدا الأمر وكأن إي هيون يعرض على جيوك بول هاي وظيفة جيدة ليس إلا.
“……ما هي نيتك الحقيقية؟”
“بشأن ماذا؟”
“هذا غير منطقي! أن تطلق سراحي بهذه الشروط البسيطة هل تظنني أحمقاً؟!”
“لأني لا أظنك أحمقاً قدمت لك هذه الشروط.”
“ماذا؟”
طقطق لي هيون بلسانه وبدأ يشرح له
“إذا استغللت نقطة ضعفك واستمررت في الضغط عليك حتى النهاية، فبماذا ستفكر؟ ألن تشعر برغبة عارمة في رؤيتي محطماً حتى لو دُمرت حياتك في المقابل؟”
“……”
كان ذلك صحيحاً بلا ريب، وبالأخص عند التعامل مع شخص يمتلك مثل طباع جيوك بول هاي الحادة.
“بدلاً من ذلك، فضلت أن أستفيد من قدراتك لمدة ثلاث سنوات مقابل منحك حريتك بعدها بهذه الشروط، ستفكر بأن العمل معي صابراً أفضل بكثير من أي خيار آخر، حتى لو لم أكن أعجبك.”
“……”
قال جيوك بول هاي بصوت خافت
“بعد ثلاث سنوات، هل ستتركني أرحل حقاً؟”
أومأ إي هيون برأسه بهدوء.
“بالطبع. بحلول ذلك الوقت، ستكون قد جمعت مبلغاً كافياً من المال أثناء عملك تحت إمرتي، ويمكنك حينها البحث عن وسيلة قانونية لإعادة بناء طائفتك أليس هذا أفضل لك من القيام بأعمال متهورة ضد عائلات كبرى أو اتحادات تجارية ضخمة؟”
“……كيف عرفت بشأن ذلك؟”
“لقد خمنتُ فقط أن هذا هو السبب الأرجح الذي قد يدفع آخر سيد لطائفة منهارة للقيام بمثل هذا العمل المتهور يبدو أن حدسي كان في محله.”
رغم أنه أدرك وقوعه في فخ الاستدراج، إلا أنه لسبب ما لم يشعر بالغضب.
خفض جيوك بول هاي نظره وصمت لبرهة، ثم فتح فمه الجاف وقال ببطء
“سأفترض أنك ستفي بوعدك.”
“مثلما ستدفع أنت ثمناً باهظاً إن أخلفْتَ وعدك، فإن الأمر ينطبق عليّ أيضاً؛ فأنا لن أبقي نقاط طاقتك مشلولة طوال السنوات الثلاث القادمة، مما يعني أنك ستملك القدرة على قتلي في أي لحظة إن أردت.”
قال إي هيون ذلك وقام بالتوقيع على العقد أولاً بكل هدوء.
“ما أريد قوله هو أنه لا يوجد سبب يدفعني أو يدفعك للقيام بذلك أنت كنت سيد طائفة، لذا ستفهم هذه الحسابات البسيطة جيداً.”
رغم أنه حالياً مجرد سيد لطائفة محطمة، إلا أنه في الرواية الأصلية ارتقى ليصبح زعيماً لقوة كبرى في عالم الظلام.
لذا كان من المستحيل ألا يستوعب مثل هذه الحسابات البديهية.
نظر جيوك بول هاي إلى العقد الذي وقع عليه إي هيون
“……أقبل هذا العرض.”
“قرار صائب يا جيوك بول هاي ولكن أولاً، عليك تغيير طريقة حديثك لستُ بحاجة لتابع لا يستطيع التحكم في لسانه.”
“……”
“أين الرد؟”
ارتجفت عضلات فك جيوك بول هاي وبعد صمت طويل، أجاب بصوت يخرج بصعوبة
“فهمت…… يا سيدي الشاب.”
“جيد.”
هذا الفتى لم يتفوه بكلمة قاسية واحدة، وكان العقد ودوداً للغاية.
حتى ملاحظته بشأن طريقة الحديث كانت منطقية كونه سيعمل تابعاً لابن عائلة كبرى.
ولكن، لماذا يشعر بكل هذا الخزي؟
’سحقاً انتظر فقط لثلاث سنوات سأترك العمل تحت إمرتك ولن أنظر خلفي أبداً!‘
التعليقات لهذا الفصل " 169"